الاتحاد

ثقافة

في «المكان الهادئ».. يتلاشى الصوت عبر الضجيج

مشهد من فيلم «A Quiet Place»  (الصور من المصدر)

مشهد من فيلم «A Quiet Place» (الصور من المصدر)

يمشون على أصابع أقدامهم الحافية بسكون مريب يتيح لك سماع صراخ بقايا الأتربة العالقة على الأرجل وهي تسقط على الأرض، نتاج خطواتهم البطيئة المتزامنة بتدرجات انفتاح زهرة يانعة، ينظرون إلى بعضهم بدهشة الهمسة الأولى، قبل أن يتسببوا بضجيج عابر، يحرك الأب إبهامه والسبابة والوسطى، ويشكل بهما وجه بجعة صغيرة، يحرك إبهامه وسبابته كأنه يغلق ويفتح فم البجعة، مشيراً إلى «لا»، بلغة الإشارة.
في الصيدلية، تنظر الأم إلى الأدوية باقتدار، ووسط حطام اجتاح المكان مرت نسمة خفيفة بين الزوايا، حاملةً على أجنحتها أصغر الأبناء، من يدفعه فضول البراءة لاكتشاف ما حوله، مثلما تفعل راقصة البالية بالقرب من بحيرة، فهي تطير على بعد موجة من على المسطح الأزرق، الذي وشوش ربما في أذن الطفل الصغير أن يأخذ معه لعبة الصاروخ البلاستيكية مع البطاريات، وأخبره بأنها الطريقة لنجاة من هنا. وبينما تمشي العائلة عائدة إلى البيت، بعد مرورها بصحف متسخة، تتضارب صفحاتها بفعل الريح، معلنةً بخط كبير: «إنه الضجيج»، وانسجامها التام بسيلان الريح الكامنة وراء خلق حركة أوراق الشجر، التي تستخدمها العائلة عادة كصحون خرساء لوجباتها اليومية، فجأة دون سابق إنذار، أدار الطفل الصغير لعبة الصاروخ، رافعاً رأسه للأعلى ليطير/‏‏ لينجو، التفتت والدته وأخته وأخوه، وركض والده نحوه مباشرة، ولكن مخلوقاً غريباً هجم بافتراس الفهد للانقضاض على الرّشا. ووقفت العائلة وقتها مرعوبة بصدمة الفقدان، ولكن لم يستطع أي فرد منهم حتى البكاء بصوت، بل ابتلعوا الألم، كما يفعل ظل الأرض عند التهامه أشعة الشمس، كل شيء خسف فيهم تماماً!
هل هو فعلاً «المكان الهادئ»؟ الذي اختاره المخرج جون كراسينسكي في فيلمه ليثري مرةً أخرى بحثنا عن أن الصوت بإمكانه أن يتلاشى، ولكنه لا يموت أبداً، وبالتالي مهما جربنا من طرق لقتله، فكل المحاولات ستبوء بالفشل، ومنه جاء اختيار الصمت كطريق للوصول إلى عمق الصوت، فالأخير هي حاجة المخلوق/‏‏الوحش «الأعمى» للبقاء. يكفي أن تغسل يديك تحت صنبور المياه، ويحدث احتكاكاً ودياً بين انهمار الماء وزاوية قائمة لذراعك، حتى يأتيك الوحش بكل قامته لينهي جسدك من أمام مرأى الوجود. المثير أن بعد حادثة رحيل الصغير، ظل الألم وخوف الفقدان هما الطاقة الدفينة والمحرك لشعور كافة أفراد العائلة، وبروز المسافة الضمنية بين كل واحد منهم، بسبب شعور الذنب والمسؤولية عن ما حدث له. والجمال في التجلي الكلي، أن الكون قادر على خلق معادلات جديدة، حيث أتيحت فرصة أن تحمل الأم بمولود جديد، بعد مرور ما يقارب السنة على الحادثة الأليمة. وبالعودة إلى المسافة الضمنية التي شكلت بين أفراد العائلة، فقد شكلت طوال رحلتهم الداخلية، فضاء قدري ينقذ العائلة، من كل مواجهة مميته مع المخلوق الغريب.
المخلوق، يتميز بهيئة لزجة، وفي التفصيلة الداخلية للرأس، هناك ما يشبه القوقعة، ذات التركيبة الصدفية، القريبة من لمعة مصادفة الحلزون، كلما سمع صوتاً، يفتح أجزاء رأسه، وكأنه يريد أن يدرك مصدر الصوت. وخلال البحث عن حل جذري لعائق التخلص من هذا الكائن المخيف، تركزت دراسة الأب على مقياس الصوت، الذي عادةً ما يقيم عبر وحدة لوغاريتمية تعطي النسبة بين كميتين فيزيائيتين، إلى جانب أنها تدرس نسبة الإشارة إلى الضجيج، يطلق عليها الـ «ديسيبل». لطالما بحثنا عبر نكهة الجسد لجّل الوعي الكامن خلف الإحساس بلذة اللون والرائحة والطعم والسمع، ولكنها المرة الأولى التي ربما نتيقظ كمشاهدين إلى روعة الانتباه إلى مصدر خلق الصوت. ففي كل مره ندرك عبر فقدان تجربة حسية واحدة، أن الجسد لم يكن يوماً إلا ممراً ومعبراً للجمال الكوني، والدهشة تكمن في أن لكل منّا شعوره المختلف إزاء هذا الإحساس، وبالتالي تتنوع طرق التعبير عنه، لذلك يستمر الكون في إيفاد ملايين الشعراء إلينا، ليكتبوا قصيدة واحدة، تثري وعينا وننضج روحياً.
عند النهر، لأول مرة يستمع المشاهد لصوت الأب وهو يحدث ابنه عبر منولوج خارجي، بعد أكثر من نصف ساعة من حالة الصمت، على مدى الفيلم، شعور من الراحة يباغت الملاحظ، لتلك الطمأنينة المنبعثة من الأب وهو يقول لابنه المفجوع، بأن صوت النهر صاخب، الأصوات الخفيفة آمنة، بالمقابل فإن مشاركة الممثلة الأميركية الصماء ميليسنت سيموندس، عكس مشهدية أدائها اللافت، وذلك لصعوبة معرفة أنها صماء، كون الممثلين جميعهم يستخدمون لغة الإشارة للتواصل. وحول تجربتها في الفيلم، عبرت عن جمال مشاركتها بالنسبة لمجتمع الصم، والانضمام إلى المجالات الإبداعية، وأنها تريد إخبارهم بأنه يمكنهم عمل أي شيء إن عزموا عليه، وسيلحظ الناس مع الوقت اجتهادهم.
من جمالية المتعة البصرية أن لا تطلع القارئ على النهاية، ولكن العبور إليها يحمل شغفاً لا نهائياً، ففي اللحظة التي يولد فيها طفل جديد للحياة، في الجهة الأخرى يموت أب، محرراً وعيه، الذي يسهم في جعل الأبناء ينطلقون إلى نقطة مفصلية وهي الاستفادة من جهاز صنعه الأب يشبه سماعة الأذن، ولكن ميزتها في زيادة التشويش، الذي لا يسمح عادة للمخلوق الأعمى من التقرب إلى من يرتدي ذلك الجهاز، حيث إن ذبذبات التشويش تشبه الضجيج الذي يضعف السمع، وقد يؤدي به إلى التلاشي تماماً، وفقدان تام للسمع، وبالتالي إمكانية القضاء على المخلوق الغريب. إنها المرة الأولى التي تستشعر الضجيج الفعلي من حولك، وكيف أنه رغم دوره الغامض في قصة الفيلم، إلا أنه في حياتك اليومية، قد يفقدك حس الإنصات لكل شيء في داخلك.

اقرأ أيضا

اتحاد الكتاب يعرّف المبدعين بـ «حقوق المؤلف»