الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الاقتصاد المصري ... ضحية «الخريف العربي»
الاقتصاد المصري ... ضحية «الخريف العربي»
14 يونيو 2011 22:27
قام محمد عبد السلام رئيس البورصة المصرية بمهمة عاجلة الشهر الماضي، عندما زار منطقة الخليج العربي لمناشدة دولها الغنية الاستثمار في البورصة المصرية. وقال عبد السلام في معرض تشجيع تلك الدول على الاستثمار إن أسعار الأسهم المنخفضة، والمخاطر السياسية المحدودة، قد جعلت السوق المصري "أكثر جاذبية عما كان عليه من قبل". والحقيقة أن"عبد السلام" كان على صواب.. على الأقل فيما يتعلق بالأسعار المنخفضة للأسهم. ففي أعقاب ثورة اللوتس المصرية، هبط مؤشر"إي.إكس.جي 30" هبوطاً حاداً إلى الدرجة التي كان من الممكن معها مقارنته بالهبوط الذي حدث في مؤشر "داو جونز" في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ولكن في حين أن مؤشر"داو جونز" تعافى مرة أخرى في شهر يناير 2002 ، أي بعد الحادي عشر من سبتمبر بثلاثة شهور تقريباً، فإن مؤشر" إي.إكس.جي 30" شهد انخفاضاً مذهلاً بلغ 22 في المئة. ودفع ذلك إدارة أوباما لاتخاذ خطوات لمساعدة مصر اقتصادياً، ولكني أرى، لأسباب عديدة، أنها مطالبة بعمل المزيد. وفي الوقت الراهن يسود مصر جو من عدم اليقين الكامل. فهناك احتمال أن تعود المنافسة السياسية غير المسبوقة بالفائدة على الإسلاميين، وهو تطور إذا ما حدث فقد ينطوي على تداعيات قاتمة، إنْ على المستوى المحلي أو المستوى الإقليمي. في نفس الوقت تواجه مصر أزمة اقتصادية من النوع الذي يعقب الثورات عادة، والتي يمكن أن تهز استقرارها. وتأثير الثورات المقلق للاقتصادات ليس بالخبر الذي يستدعي ذكره، ولكن تأثير الثورة على الاقتصاد المصري كان ضاراً على نحو خاص. الضحية الأولى كانت السياحة التي هبطت بنسبة 60 في المئة مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، وهو ما أدى إلى هبوط عوائدها خلال ذلك الشهر حيث لم تزد عن 328 مليون دولار في حين كانت قد بلغت في نفس الشهر من العام الماضي مليار دولار، وهو ما كان له تأثير على العاملين في هذا القطاع الحيوي الذين فقد كثيرون منهم وظائفهم. والتراجع الاقتصادي، وعودة ما يقرب من 300 ألف عامل مصري إلى البلاد فراراً من أهوال الحرب في ليبيا، سيفاقم من معدل البطالة الذي كان قد وصل إلى 12 في المئة تقريباً. ويشار إلى أن مصر، حتى في فترة ما قبل الثورة، كانت تحتاج إلى نمو بنسبة 6 في المئة على الأقل سنوياً في دخلها القومي الإجمالي لتوفير الـ 650 ألف وظيفة المطلوبة، لإبقاء معدل البطالة على حاله. الآن يقول وزير المالية إن الزيادة في الدخل القومي الإجمالي لن تزيد على 1.5 في المئة على أحسن الفروض. ومن المعروف أن البطالة الكاملة والبطالة الجزئية قد ساهمتا بقدر كبير في تنامي السخط الذي كان بمثابة الوقود الذي أشعل ثورة الخامس والعشرين من يناير. مع ذلك، ينبغي القول إنه من الصعب توفير الوظائف في الأوضاع الحالية التي تواجهها مصر، حيث ينكمش الاقتصاد ويهرب رأس المال، علاوة على أن التحقيقات الجارية، والمحاكمات التي تطال كبار رجال الأعمال وأرباب الصناعة تخيف المستثمرين المحتملين. ويشار في هذا السياق إلى أنه يوجد هناك في الوقت الراهن 300 رجال أعمال مدرج على قائمة المراقبة المصرية في انتظار التدقيق والتعرض المحتمل للإجراءات القانونية (معظمهم خارج البلاد). وحقيقة المأزق الاقتصادي المصري لم تعد خافية على أحد، فقد عقد اللواء محمود نصر عضو المجلس العسكري الأعلى مؤتمراً صحفياً في القاهرة الشهر الماضي، قال فيه إن نسبة الفقر يمكن أن تصل إلى 70 في المئة، وأعرب عن قلقه من احتمال قيام "ثورة جياع". وقال إن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي التي هبطت من 36 ملياراً إلى 28 مليار دولار أميركي يمكن -إذا لم يحدث تطور دراماتيكي - أن تُستهلك في فترة تصل إلى ستة شهور. وعلى الرغم من أن إفلاس مصر ليس وشيكاً، فإن التدهور المستمر في الاقتصاد يمكن أن يدفع مسار الثورة في اتجاهات إشكالية. واعترافاً منه بالخطر الذي يمثله التدهور المستمر في الاقتصاد المصري، أعلن الرئيس الأميركي في خطاب له أن الولايات المتحدة ستتنازل عما قيمته 1 مليار من ديونها على مصر، وأنها ستقدم 1 مليار أخرى كضمانات للقروض. وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية تستحق الثناء على سرعة استجابتها لأزمة الاقتصاد المصري، فإن مبلغ الـ 2 مليار دولار لا يكفي بحال كمساعدات لمصر في الظروف التي تواجهها حالياً. وبعد خطاب أوباما أعلن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي عن مبادرات لدعم الاقتصاد المصري. فخلال قمة الدول الثماني العظمى طرحت الدول المشاركة برنامج مساعدة طموح لمصر، كما عرضت السعودية تقديم 4 مليارات دولار. في نفس الوقت يمكن لإدارة أوباما أن تقدم لمصر خريطة طريق ديمقراطية، تستهدف الوصول في نهاية المطاف إلى اتفاقية تجارة حرة. فهذه الاتفاقية فقط هي التي ستوفر مزايا اقتصادية كبيرة لمصر، وسوف تساعد على ضمان استمرار التوجيه الغربي لهذه الدولة. على الرغم من عدم اليقين السياسي والاقتصادي السائدين في مصر حالياً، فإنها مازالت تعتبر ركيزة أساسية من ركائز البنية الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. وعلى الرغم من أن تلك الوضعية كانت قد تضاءلت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير بعد أن لجئت مصر إلى استخدام سياسات شعبوية تجاه غزة وإيران، فإن مصر تبقى مع ذلك شريك سلام مع إسرائيل. المخاطر الاقتصادية والسياسية تبدو هائلة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار عدد سكانها البالغ 83 مليون نسمة، فإن مصر، بالنسبة لواشنطن، تظل دولة في غاية الأهمية لدرجة لا يمكن معها السماح بسقوطها. ديفيد شينكر مدير برنامج السياسات العربية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي. إنترناشيونال»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©