الاتحاد

الملحق الثقافي

شهرزاد العربي: خذوا الكتابة بجدية

تعالج الكاتبة شهرزاد العربي، في أسلوب قصصي مشوق، مفتوح على التخييل وبعيد عن الوعظ والمباشرة التي تشكو منها كتب الأطفال في العادة، مجموعة من القضايا التربوية والمجتمعية محولة إياها إلى مصدر تعليمي متجدد، يأخذ الطفل إلى لغته وحقولها المتنوعة، وتصدر الكاتبة في مشر وعها هذا عن معرفة دقيقة بعالم الطفل، وعن ممارسة طويلة في الإبداع، وهي تسعى عبر هذا العمل الذي تسميه "مشروع العمر" لوضع لبنة في بناء طويل يسمى أدب الطفل. وسوف تتبع القاموس بمجموعة عناوين أخرى حتى يكون العمل كاملاً.. هنا إضاءة على القصص وعوالمها وإطلالة على بعض القضايا المتعلقة بالكتابة للطفل.
وفي إصدارها الجديد الموجه للطفل “القاموس القصصي”، الصادر حديثاً عن مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، تعمد شهرزاد إلى بناء علاقة مختلفة بين الطفل واللغة، وإذ تفعل لا تقوم فقط ببناء ذاكرة لغوية للطفل، وإنما تقدم له حكاية ممتعة متكئة على أسلوب القص، وما يحمله من إمكانات التشويق والتعلم غير التقليدي القادر على فتح خيال الطفل إلى مديات متجددة..
ويتضمن “القاموس القصصي” خمس قصص، كل منها تجول في مفردات حقل معين، ففي القصة الأولى “التَّحدِّي”، نحن أمام مشكلة الطفل الذي يعاني اللثغة في حرف الراء، وما يواجهه من مضايقات وصعوبات في المدرسة، وهي توظف أحداث القصة لكي يخرج الطفل بحصيلة لغوية شاملة عن مختلف الألفاظ التي تتعلق بالمطر، وفي القصة الثانية “السباق الكبير”، تحول سباق الهجن من تظاهرة رياضية إلى تظاهرة لغوية، نتعرف خلالها إلى مختلف أسماء الناقة، أما “الشاهد المتهم” فتعرف الطفل إلى بعض الأسماء التي أطلقها العربي على الذئب، فيما “المروض الفاشل” تحمل أبعاداً رمزية واسعة، تتماس مع فكرة الثورة التي يولدها الجوع حتى لدى الحيوان، وفي الوقت نفسه تعرف الطفل إلى مراحل الجوع وتغير مدلولاتها من مرحلة إلى أخرى، ويحدث الأمر نفسه مع “من أجل صديقي” التي تضعنا في صلب الليل، وتعرفنا إلى مراحله المختلفة.

فتش عن «الشيماء»
لا تختلف شهرزاد العربي في قصتها مع الكتابة للطفل عن كثيرين غيرها، فغالباً ما يبدأ الأمر من طفل صغير يحب الحكايات يفجر قريحة الأم لتروي له قصصاً من خيالها، كما جاء في شهادات أكثر من كاتب وكاتبة ممن تخصصوا في الكتابة للطفل. في حالة شهرزاد كانت طفلتها (الشيماء) هي السبب في فتح صنبور الحكايات.
تقول شهرزاد: “كانت (الشيماء) محبة ونهمة لسماع القصص حتى أفرغت جعبتي فاضطرتني إلى زيارة مكتبات الأطفال وتصفحت الكتب لكنها لم ترقني، كما لم أجدها بالمستوى المطلوب، فبدأت أسدّ هذا النقص بتأليف قصص خاصة بابنتي. أعترف، اليوم، أنها لم تكن قصصاً ممتازة لكنها كانت ترضيها كلياً، من هنا بدأت في التفكير بهذا الموضوع بشكل جدي، وبدأت المحاولة، بصراحة أخذت وقتاً طويلاً حتى اكتسبت القدرة على الولولج إلى وجدان الطفل، بعدئذٍ أصبحت راضية على ما أكتبه، ثم استهواني الموضوع فواصلت ذلك”.
وعن محاولتها الجادة لجعل القصة عملاً فنياً وتجنب فخاخ المباشرة والوعظ تقول: “الطفل كائن ذكي جداً، وبمجرد تناوله للكتاب سوف يعرف كيف يُعَامِلُه الكاتب، والطفل يرفض الأسلوب المباشر والمواعظ والتوجيهات حتى من الأهل، وإذا لم نعرف كيف نجعله يقبلها ويؤمن بها فلن ننجح معه، ولذا، على الكاتب للطفل بالذات أن يتمتع بقدر كبير من الإحساس الفني، حتى يستطيع تقديم شيء للطفل وإلا أخفق وأخفق معه أدب الطفل كله، وإذا فقدنا الطفل القارئ لن نحصل على شاب قارئ ولا على رجل قارئ.. وهكذا.
وترى شهرزاد العربي أن “الكتابة للطفل فن، لذا يجب لمن يريد خوض هذا المجال أن يتمتع بإحساس فنان، وعليه أن يتقن ترجمة حاجاته وما يريده من الكتابة، ويعرف أيّ السبل يسلك ليصل إليه. الكتابة للطفل صعبة جدا، تقل صعوبتها كلما كبر، وتكون مستعصية في المراحل الأولى من عمره، وللأسف هذه المرحلة نراها تُستَسهل، فنجد كتباً كثيرة تخاطب الفئة العمرية الصغيرة، وتقل الكتب كلما خاطبنا فئة أكبر”. وتضيف: “بعد الإحساس الفني لا بد في الكاتب أن يكون واعياً ومدركاً لحاجات الطفل متتبعاً لها، وأيضاً ألا تكون الكتابة للطفل وظيفة تلجئك إليها الظروف، إنما يجب أن تنبع من ذاتك، أيْ أن تحب ما تكتب، فإذا لم تشعر بالسعادة والمتعة وأنت تكتب للطفل فبالتأكيد لن يصله شيء إليه منك”.

تجربة الإمارات
إماراتياً، يمكن القول إن هناك نشاطاً ملحوظاً في الكتابة للطفل، (دار “كلمات”، مشروع صنع في الإمارات... وغير ذلك)، لكن السؤال الجوهري الخاص بالكتابة للطفل لا يتمركز حول كم من الإصدارات يتوافر له، بقدر ما ينهج إلى سؤال النوع الذي يشتبك مع الرؤية والغاية والطموح المراد تحقيقها من هكذا كتابة، وفي حال أردنا تقييم هذا النشاط فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما دوره في إنضاج ومواكبة رؤية ثقافية مؤسسة وممنهجة لأدب الأطفال؟
تجيب شهرزاد العربي على سؤال كهذا بالقول: “علينا النظر بعين التفاؤل إلى كل مشروع يقوم على دعم القراءة للطفل، ونبتعد عن التقييم لفترة حتى يدرك القائمون على المشروع الطريق السليم لتقديم العمل في أكمل صورة، لأننا في الوطن العربي وعلى الرغم من تعدد العناوين الموجهة للطفل لا نزال نعمل بعشوائية قد نصيب وقد نخطئ.
مشروع دار “كلمات” كان جريئاً في أن يبدأ بمرحلة عمرية صغيرة التي أعتبرها الأخطر، وعلى القائمين عليها أو الكتاب الذين يتوجهون للكتابة للطفل في هذه السن أن يكونوا ذوي براعة وكفاءة شديدة، وأن يضيفوا إلى مكتبة الطفل في هذه المرحلة العديد، وألا يكونوا مجرد رقم مضاف، وعملياً ما زلنا نعاني النوعية حتى في هذه المرحلة، ولا أعتبر المبيعات عنصراً يمكن الركون إليه للحديث عن النوعية، لأن الأهالي يحبون فكرة شراء الكتب للطفل لإيمانهم بضرورة القراءة وليرًّبوه على هذه العادة التي تدمر مع الوقت، لأن نوعية الكتاب ليست في المستوى، ولجوء بعضهم إلى الكتاب المترجم هو الآخر فيه قصور من حيث المادة المقدمة، لذا مسألة التقييم ربما لا تزال مُبكِّرة لهذا المشروع أو غيره من المشاريع الأخرى”.

غياب التخصص
على المستوى العربي ثمة من يرى أن المكتبة العربية تشكو ندرة الكتابة الجدية والممتعة للطفل، وقد أدركت الكاتبة هذه المعضلة، وهي تدفع باقتراحها الإبداعي والجمالي هذا إلى معمعة الفعل، فالكاتب لا ينبغي أن يقف متفرجاً ويكتفي بالحسرة على فقر ما يقدم للطفل، خاصة إذا كان يشعر بالمسؤولية المجتمعية والإبداعية.
وتعلق شهرزاد على هذه القضية بقولها: “تفتقر المكتبة العربية إلى الكتب الجادة والممتعة للطفل، خاصة بعد سن الثامنة فما فوق، وهذا يؤدي بالطفل إلى العزوف عن المطالعة أو الاستمرار فيها لكن بلغة ثانية كالإنجليزية أو الفرنسية، وغيرها، حسب المدارس الخاصة التي يرتادها الطفل. هناك بعض المحاولات التي قامت بها بعض دور النشر لكنها، من وجهة نظري، كانت محاولات فاشلة، لأنها لم تكن بيد متخصصين في هذا المجال، لأننا في عالمنا العربي لم نؤسس بعد شيئاً اسمه أدب الطفل، ونلاحظ استسهالاً لدخول هذا المجال من طرف الكتاب، لذلك يأتي الإنتاج هزيلاً لا يفي بالغرض، وتحول إلى تجارة، لأن الأهالي سيقبلون على شراء الكتب لأطفالهم في أي حال من الأحوال.
لكن ما السبل الكفيلة بتدارك هذه الفجوة؟
أن نأخذ المسألة بجدية، تقول شهرزاد، وليتجه من لا يملك القدرة على الكتابة للطفل إلى مجال يكون فيه أقدر، ثم يأتي دور دور النشر، عليها أن تنتقي ما تقدمه للطفل لأنها أمانة، فهم ينوبون مناب أولياء الأمور الذين يشترون الكتاب، وكلهم ثقة بأنه سيكون ممتعاً ومفيداً لأطفالهم. وعلى كُتَّاب الطفل الاطلاع أيضاً على ما يكتب محلياً وعالمياً، لنتساءل هنا: هل يملك كل كاتب للطفل مكتبة متنوعة تسمع له أن يعرف ما ينقص الطفل فيسد هذا الجانب.
ويبقى التحدي الأبرز أمام استعادة الطفل إلى عالم القراءة، مجسداً في هذا التسيّد الذي تمارسه الكلمة المرئية والمسموعة، وطغيان المعرفة المتحصلة، من خلال الأوعية الثقافية الأخرى (الإنترنت والسينما والتلفزيون والفيديو والهواتف النقالة)، بحيث صارت الشاشة الفضية سحراً حقيقياً للأطفال، أخذهم من الكتاب الورقي، فهل يمكن لأدب الطفل المكتوب أن ينافس، وأن يستعيد الطفل إلى رحابه؟
ترفض شهرزاد العربي رأياً كهذا ولا ترى في “أيّ وسيلة أخرى منافسة للكلمة المكتوبة، كما لا يمكن لأي وسيلة أخرى أن تحل محلها إذا عوَّدنا الطفل منذ الصغر على التعامل مع الكتاب، وأنا من الذين يقولون بضرورة حصول الطفل على أول كتاب له بمجرد أن يبدأ مسك الأشياء والتركيز عليها. أحيانا في معرض الكتاب ألاحظ أمهات يجررن عربات أطفالهن الصغار، يبحثن عن كتاب لأطفالهن، تلك صورة تعبر عن كثير من الوعي لدى بعض الأمهات، فكما تقدم له اللعبة، عليها أن تقدم له الكتاب أيضاً حتى يترسخ لديه حب القراءة، ساعتها لن تخشى عليه من إغراء الوسائل الأخرى، وبتلقائية سيوازن بينها، لهذا فمسألة استعادة الطفل أظنها غير واردة، وإنما تبقى أمامنا مسألة إكساب الطفل الذي لم يبدأ القراءة في سن مبكرة هذه العادة، هنا يأتي دور الأهل والمدارس ثم المؤسسات بهذا الشأن، وأنا شخصياً ربما أجدها صعبة نوعا ما، لذا لا مفر من البداية المبكرة، لأنها أيسر، ونتائجها أكثر من مرضية إذا تمَّت في وقتها”.

اقرأ أيضا