الاتحاد

الملحق الثقافي

نخل السامان.. جزيرة الأخضر على جبين الذاكرة

كان الرجل الكفيف يتوغل بعيداً في تجاويف الخلية الخضراء، يعد النخلات ويحصي العذوق، يدقق في رقائق الخصلات المتدلية، ويشيع الآخر ابتسامة برقة القلب الحنون، كان يعشق رائحة اللوز بجنون، كما يعشق الحمام أعالي الغصون، كان يسيّج حلمه بكثافة الحب، يجول بين الحياض، وعصاه قلب دليل، يبصر المكان بتفاصيله وفواصله ومفاصله، يرى ما لا يراه الآخرون، حين تصغر العناقيد وتغتسل الحبيبات بالعذوبة التاريخية الرهيبة.
محمد السامان، بقميص صيفي أبيض، وإزار أخضر مخطط بالبياض، وسمرة وجه تسح منه رائحة الثمرات المقدسة، يدخل بستان النخل بخطوات حثيثة، بأنفاس النبلاء وهم يغدقون المريدين، بغنى النفس وثراء القلوب الوفية.. في هذا البستان، في هذا المكان، المعشوشب بفساتين اللواتي جئن يقطفن أثمار الزمن الجميل، ذاك الأوان المعشق بابتسامات الثغور الحالمة، وتغاريد تلون التاريخ بعناوين المجد للنخلة، والعزة للذين يصنعون للبلابل حبات الحياة، ويغرسون في الأفق أشعة الوجوه المشرقة.
نخل السامان، مزرعة الحلم لصغار كانوا يغطون الأجساد الصغيرة في برودة الماء، يغسلون العرق برغوة الشلال القادم من أحشاء الأرض، يوم كانت الأرض تحبل بالماء كما تحبل النساء بالعذوبة.

فلسفة الاخضرار
نخل السامان، مكان على التضاريس، مارس فلسفة الاخضرار، وسجل عنوانه في التاريخ كأسطورة زمنية، نقش حروفها إنسان فقد البصر ولم يفقد البصيرة، مؤكداً مقولة إبن طفيل “من لا يفكر لا يبصر ومن لا يبصر يعش أعمى”.. هكذا كان الرجل فيلسوفاً في صياغة فلسفة الأخضر وفي ترتيب معطيات النخلة، وتحديد نشوتها وارتقائها، وتوضيب دائرة معارفها ضمن جدول ماء، وقناة انتماء وينبوع وفاء.
نخل السامان، هي الموعد الصيفي في كل عام مع الرطب، ومع الخصب والصخب، مع العيون الواردة والشاردة، والابتسامة المغردة، على حافة الألق، عند صباحات باكرة، مع زقزقة الطير الهائم بين فضاءات النخل، وعطاءات الشروق، ونداءات الجبلة الأولى ورحلة التنجيم، سفر طويل في ثنايا الخواطر الملتهبة، العيون التي في طرفها حور، أساور وأسواق، ترتل وجدها في أديم وجدان من يخضه رفيف الأشجار، وحفيف الأغصان، وشفيف الوجه اللجين، ثم قطوف، ودفوف، وكلوف، وهتوف، وعطوف، ورجوف، وطروف.
نخل السامان، مثل كوكب زل عن فلك الكواكب، فاختطفه الزمن، ذهب في فضاءات الأسئلة المفتوحة، ذهب في محيطات شطئانها سواحل بلا سفن.
نخل السامان، نخل المكان، وجد الإنسان الذي كان في زمان يبحث عن رائحة التمر، ويسرج جياد الأسئلة باتجاه لوزة لم تصغر بعد، يتقاضى الجواب من حرقة الطير المجنح، ما بين فرع وفرع، وفي منقاره قشة العش الدفيء.
نخل السامان، العطر والدهر، والقدر والسفر، ورمش العيون الذي غسله الغبار بصابون حاضر عصبي متوتر.
نخل السامان، المنطقة المحايدة في ذاكرة لم تجذب بعد، لأن الماء غزير في صفحات التاريخ، لأن الحلم بأجنحة النوارس العتية، لأن الفكرة الأزلية أن الحب بلا تعلق، كقشة الطير الهائمة في مراحل ما بعد الفراغ.
نخل السامان، الوجل المتعجل في سماوات النفس، الذاهب في غضون الوهلة الأولى، الجذل في ساعة عصيان الأمل.
نخل السامان، البعثة الصيفية، على خارطة الروح، تحطب هناك وتخصب المعنى، وترفع النشيد كونياً أبدياً، رغم اكفهرار السيقان، وتدلي العرجون القديم، رغم حضور الفقرة الأخيرة من المشهد الزمني، تبقى الرائحة عطر يضمخ تجاويف القلب، يعبق تلافيف الروح، يغدق النفس بتفاصيل الخطوات التي كانت كعوباً عالية، وتضاريس أحلاها وأشهاها، قدود وخدود وحدود ما لا يحدها غير رفرفات قلب بأشعة خرافية، لا ترى بالعين المجردة.
نخل السامان، ككائن مؤمن بأهمية الوجود، وضرورة التكهن في ميعاد ميلاد جديدة، مهما تجاسرت فلسفة النأي والنفي. نخل السامان، نخلة على تلة، وتلة على مقلة، ومقلة على قِبلة، وقِبلة مرفق الساعين إلى ترتيل آيات الحب ببداهة وشراهة وآهة.
تغرق في العويل كلما طاف على القلب خاطر، محملاً بعطر النوافل والقوافل، والمناهل والكواحل والكواهل، والجداول والهوامل والمجاهل والسنابل.
نخل السامان تفطر اليوم بعذوبة الذاكرة، وما خض ورض ومض وفض وبض.
نخل السامان كأسطورة في تضاريس المكان، لم تزل تحفظ الود، في غضون جغرافيا تحللت من ثياب الشكيمة، وتناءت مقتضبة مقطبة، حادبة في فضاءات أبعد من دورة الدم في الجسد، أقصى من الأمد، أقسى من الكمد، أشد حرقة من نار الصمد، أفتك من شراسة وحش مستبد، أبهض ثمناً من قدرة تذوب ولا تتجمد، ثرية في بؤسها، في رجسا المتمدد.
نخل السامان، كأنثى حالمة في الاحتضان، فإذا بسرير المودة يخفق في المعطى والمنجز، نخل السامان، كوردة هزتها ريح، فاستمالت للأمل ومالت تحبو على الأديم بحثاً عن رشفة، والسؤال أنها الآن بلا ملامح ولا مطامح، سوى أنها تمتص من حانات الزمن ولا تسكر، في الليل تبدو فراغاً واسعاً، يلتهم الوجود، ويقصي طيوره الضائعة في برازخ لا نهاية لحدودها. نخل السامان، كزمن يبكي على الماضي ويقلق من الغد، ولا يضع قدماً على الحاضر المتصهد وجداً نيرانياً نورانياً.

قدرة الصمود
نخل السامان، القدرة الفائقة على الصمود، تنكسر على صخرة اعجاز جذوع، كأعمدة القلب المخدوع.
نخل السامان في البدء مواكب المسافرين، عبرت من هنا، وفي البدء مناكب الذاهبين في الطموح، تجذروا هنا، وفي البدء كواكب العاشقين، أنشدوا هنا، في البدء، سواكب المدنفين هطلت هنا، وفي البدء سحائب القاطنين نثت من هنا، وفي البدء مناقب الحادبين مرت من هنا، وفي البدء عواقب الراحلين تناثرت هنا.
نخل السامان، النشوة الأبدية، القدوة والقدرة، النخوة والسدرة، حبل البيداء، عرقه، نهيقه وزفيره، قميصه المغسول بالرائحة الزكية.
نخل السامان، البعد الثالث في المشهد والمعبد، والمسند، هي المسافة ما بين طرفي الذكورة والأنوثة، هي الرغبة الموزونة ببحر الرمل، بنهر المقل، بسحر الوجل، هي نقطة الالتقاء مابين البيان والبنيان، وما بين التبيين والتقنين.
نخل السامان الورطة الجميلة، التي خاضت بدايتها مع البقاء، والنقاء، والصفاء، والانتماء، والانضواء، والاختباء في وجيب القلب، متحصنة برقية الذين عشقوا ورقوا واعتنقوا النخلة شجرة الخلد والجذر المقدس.
نخل السامان، في البدء استنفرت العدة والعديد، واحتشدت غابة تحرس الوجدان، وامتهنت فكرة الحب سلوكاً ووسيلة، في تخصيب القلب وترطيب الأرض وتهذيب الأمنيات وتشذيب الرغبة.
نخل السامان الوصاية النبيلة، والغواية الأصيلة، والوشاية القديمة، قدم الفلسفة وأصول المعرفة.
نخل السامان، الألم اللذيذ، يذهب في الزمان، ذاكرة محاصرة بالمعاني، يذهب في المكان فكرة تتأصل في نسيج الحياة، تغوص في حبات الرمل، قطرة تبلل الأفئدة بعذوبة الجرح. نخل السامان، مثل فكرة ضائعة في مخيلة راهب قديم، تبدو كبصيص ينقر الذاكرة بخفة العصافير المبتهلة، واضطراب أجنحة الموج.
نخل السامان، الصرم والحزم، والحزام والحسام، والسور والسوار، والسر والدر، واللمع والشمع، واللوز والجوز، والرطب والصخب، والنبق والبرق، والطير والخير، والبِر والبَر، والشدو والشهد، والظفر والظفيرة، والصباح المجسد بالسندس والاستبرق، والمساء المبلل بالماء والنساء، والزمن المنجز والوجيز. نخل السامان، المسار والمسبار، ورقعة التلوين والتنوين، ونون النسوة المعبقة بالصوت والصولجان، والدهر الخارج من دياجير الهوى والهواء، والحلم المتدحرج على سفح الذاكرة، والنقاء المرقط بأثواب وأحباب، والصبوة وصهوة الجياد العازفة لحن الخلود، والحبل الممدود من خاصرة البيدار حتى قدَّ النخلة الحالمة، والماء المبرد، والمن والحلوى.
نخل السامان، في زمن خرج ولم يعد، مستعيداً فقط عودة الوعي، ورفرفة أجنحة القلب على ظل المرحلة، وبعض توق مؤجل، وعشق مبجل، وشوق مجلجل، وطوق مكلَّل ببريق وشهيق، ونوق توارت متطلعة إلى الوراء، وزعزعة في رمال الفكرة تمارس شغباً فطرياً، ويحتسي من شعور بذوق الكؤوس المترعة.
نخل السامان، الصوف المصطفى عند صفة الفراغ، الصافي الحصيف في تلاوة أنشودة “المالد” المتجلي عرفاً أبدياً، القابض على عزلته بحكمة العباقرة، وحنكة الأصفياء.
نخل السامان، وحدة الغائبة في الحضور حتى نخاع الزمن.

اقرأ أيضا