الاتحاد

الملحق الثقافي

زلّة السياسة.. وثبات الشعر

المعتمد بن عباد.. اسم حفر حروفه في القلوب، قبل أن تذكره كتب ومراجع التاريخ العربي في الأندلس، كواحد من ملوك الطوائف الذين كانت نهايتهم نهاية المجد العربي في تلك البقعة الجميلة من أوروبا، والتي استطاع المسلمون العرب أن يؤسسوا فوقها دولة استعادت حكم بني أمية الذي انهار على أيدي العباسيين.
ولكن أي باحث أو دارس لحياة هذا الرجل الملك الشاعر، لابد أن يقف حائراً أمامه، هل يعده في جملة الشعراء أم يصنفه تحت عنوان ملوك الأندلس؟ والواقع أن حياة هذا الرجل السياسية والمعارك والخطوب التي مرت به تجعل من سيرته الذاتية تاريخاً للأندلس وخاصة في آخر فترات وهجه وفي مرحلة السقوط الأخير، حيث اختلطت الأوراق وتحالف أمراء دويلات المغرب التي زاد عن إحدى وعشرين دويلة حتى مع عدوهم ضد بعضهم البعض.
ولم يسلم المعتمد نفسه رغم كل إنجازاته ومواقفه الجريئة في الدفاع عن أمجاد العرب في الأندلس في موقف تخاذلي، تحالف فيه مع قائد القشتاليين وبعث إليه وزيره ابن عمار والذي كان أسرع الساسة الموجودين في عصره.. وعقد هذا الوزير معاهدة سرية مزرية بين الفونسو ملك القشتاليين والمعتمد بن عباد مشلك إشبيلية، وفيها تعهد المعتمد بن عباد أن يترك ملك إسبانيا حراً في محاربة ملك طليطلة مقابل أن يعينه الفونسو في محاربة خصومه من ملوك الطوائف.
ولقد ندم المعتمد بن عباد على هذه الزلة الرهيبة التي وقع فيها وجعلت الملك الإسباني بعد تحقيق أهدافه في امتلاك طليطلة يتوجه إلى إشبيلية ومملكة ابن عباد.
وأمام استشعاره بالخطر على الوجود العربي في إسبانيا، وقف بشجاعة ليجمع جميع تلك الدويلات المتنازعة صفاً واحداً وليستنجد بملك المرابطين يوسف بن تاشفين الذي هب لنجدته وأرسل جيشاً قوياً إلى الأندلس، ليحارب إلى جانب المعتمد بن عباد وجميع العرب المسلمين جيوش الفونسو في الزلاقة ويسجل الانتصار العظيم الذي مع الأسف لم يكن كافياً ليحفظ الأندلس التي ضيعها العرب بخلافاتهم وأنانيتهم وغلبة المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.
ولقد أدرك السلطان المغربي يوسف بن تاشفين أنه لا فائدة من هؤلاء الملوك والأمراء، وأنهم سبب البلاء ولا خلاص للأندلس باستمرار وجودهم ملوكاً وأمراء متنازعين فيها.. فبدأ حربه عليهم.. ولم ينج من هذه الغضبة العارمة المعتمد بن عباد نفسه حيث تم أسره وبعد معركة ضارية كان ليها فارساً مجيداً.. وذلك في عام 484 هجرية.
لم يرحم ابن تاشفين أسيره الملك المعتمد بن عباد، بل قام بوضعه في الأغلال ونقله إلى مراكش.. حيث عاش أيامه الأخيرة في ذل الأسر والفقر في بلدة صغيرة في ضواحي مراكش تدعى أغمات.. وفيها مات ودفن لينهي حياة حافلة بالعطاء السياسي والنضالي والثقافي.
ولكن.. لنترك هذا الجانب من حياة شاعرنا المعتمد بن عباد ولندخل إلى عالم شِعره ولنطلع على بعض قصائده التي جعلته يتوهج كشاعر أكثر من توهجه كملك.
تسنى لي الاطلاع على ديوان المعتمد بن عباد الذي جمعه وحققه كل من أحمد أحمد بدوي وحامد عبدالمجيد، وأشرف عليه الدكتور الأديب الراحل طه حسين حينما كان وزيراً للمعارف العمومية قبل ثورة يوليو 1952 في مصر، ولقد طبع ذلك الكتاب عام 1951.
ينتسب ابن عباد إلى أسرة عربية عريقة نزحت من العريش إلى الأندلس فاستقرت في إشبيلية وكان لها فيها شأن ودور تاريخي.
بدأ مجد هذه الأسرة بمؤسسها اسماعيل بن عباد، والذي كان من أهل الثروة والجاه، كما كان من أهل الأدب والفقه واستطاع اسماعيل بن عباد أن يجمع بجوده وعلمه الكثيرين حوله.
جاء بعده ولده محمد بن اسماعيل الذي تولى إمارة إشبيلية في عصر الفتن والخلافات إلى أن توفي عام 433 هجرية. بعد محمد بن اسماعيل بن عباد جاء والد المعتمد والذي كان يلقب بالمعتضد.
كان المعتضد طاغية جباراً اتجه إلى غزو جيرانه ولاسيما البربر في الجنوب والجنوب الشرقي من الجزيرة وأخضع كثيرين لسلطانه وكما وصفوه: أبكى وأرَّق، وشتت وفرّق حتى غدت إشبيلية أعظم قوة في الأندلس.
جاء المعتمد بن عباد بعد وفاة والده عرش إشبيلية ولم يزد عمره عن ثلاثين عاماً، ولم يكن مثل أبيه في الطغيان والتجبر، ولا حمل مثل أبيه مسؤولية بناء الدولة التي وجدها جاهزة وقدمت له على طبق من ذهب من أبيه أن العز لا يدوم لمن لا يحافظ عليه وأن الضعف واللهو يدمر الدول ويدك العروش.
كان المعتمد كريماً سخياً، يميل إلى الشعر والأدب، ولقد بلغ من حبه للشعر أنه كان لا يستوزر كاتباً ولا وزيراً ما لم يكن شاعراً حتى صارت إشبيلية منارة للشعر والشعراء.
كان شعر المعتمد بن عباد مجسداً للحياة التي عاشها والمليئة بالترف والكفاح معاً.
أسمعه يقول:
ولقد شربت الراح يسطح نورها
والليل قد مدّ الظلامَ رداءَ
حتى تبدى البدر في جوزائه
ملكاً تناهى بهجة وبهاءَ
وترى الكواكب كالمواكب حوله
رفعت ثرياها عليه لواءَ
ومما يحكى عن تواضعه وحبه وتقديره للشعراء أن أباه المعتضد كان قد أمر أن يجلس الشاعر ابن زيدون دون مجلس ولده المعتمد.
فخاطب المعتمد الشاعر ابن زيدون معتذراً بقوله:
أيها المنحط عني مجلساً
وله في النفس أعلى مجلس
بفؤادي لك حب يقتضي
أن تُرى تحملُ فوق الرؤوسي
للمعتمد بن عباد قصائد في الغزل كثيرة وقصيرة، تشير إلى أنها نظمت بهدف الغناء وخاصة أن الموسيقى والغناء في الأندلس شهدا العصر الذهبي للغناء العربي وجود الشعراء وأثروا تراثنا الشعري بالعديد من الإضافات الجميلة وخاصة ما أطلقوا عليه اسم الموشحات. يقول ابن عباد:
يا بديع الحسن والإحسان، يا بدر الدياجي
يا غزالاً صادمني بالطلى لبث الهياج
قد غنينا بسنا وجهك عن ضوء السراج
ولكن الشعر الذي نظمه المعتمد بن عباد بعد زوال ملكه وبعد أن انقلب عليه حليفه الذي استنجد به يوسف بن تاشفين هو الذي اهتم به المؤرخون والدارسون والنقاد.
فقد كان يفيض مرارة وألماً، ويضع الرجل أمام عين المؤرخ عارياً من كل بهرج الحياة وصولجان الملك لنكتشف أنه إنسان رائع، مليء بالحقيقة، معجون بالصدق، يفيض بالإبداع.
وقبل أن نصل إلى القصيدة الحكاية أو حكاية القصيدة دعونا نطلع على بعض ما نظمه ابن عباد في أغمات.
سمع ابن عباد بوصول الوزير أبو العلاء زهر بن عبدالملك إلى مراكش لعلاج يوسف بن تاشفين فكتب إليه المعتمد راغباً في علاج إحدى بناته، فقام بعلاجها ورفع قدر المعتمد بالتبجيل ودعا له بطول العمر والبقاء.. فكتب إليه المعتمد يقول:
دعاني بالبقاء وكيف يهوى
أسير أن يطول به البقاءُ
أليس الموت أروحَ من حياة
يطول على الشقي بها الشقاءُ
فمن يكُ من هواهُ لقاءُ حب
فإن هواي من حتفي اللقاءُ
أأرغب أن أعيش أرى بناتي
عوارىَ قد أضرَّ بها الحفاءُ
خوادمُ بنت من قد كان أعلى
مراتبه ـ إذا أبدو ـ النداءُ
ولكن الدعاء إذا دعاهُ
ضمير خالص، نفع الدعاءُ
سيُسلي النفسَ عمن فات علي
بأن الكل يدركه الفناءُ
وبهذه الأبيات يجسد مأساته الشخصية فنعرف إلى أي حد وصل هذا الإنسان من المذلة والهوان حتى صار يطلب الموت ويراه أرحم من هذه الحياة الذليلة. ولنسمعه وقد تحولت مأساته إلى حكمة وإلى فلسفة سوداوية:
أرى الدني الدنية لا تواتي
فأجمل في التصرف والطلابِ
ولا يغررك منها حسنُ بُردٍ
له عَلَمان من ذهب الذهابِ
فأولها رجاء من سرابٍ
وآخرها رداء من ترابِ
التقى المعتمد بن عباد بطائفة من أهل فاس سجنهم يوسف بن تاشفين بأغمات حيث ابن عباد أسيراً، فكان يجالسهم ويتحدث إليهم حتى عفا عنهم السلطان وحلهم من وثاقهم وسمح لهم بالعودة إلى فاس وقبل الانصراف جاءوا إلى المعتمد بن عباد مودعين فقال:
أما لانسكاب الدمع في الخد راحة
لقد آن أن يغني ويغني به الخدُّ
هَبوا دعوة يا آل فاس لمبتلى
بما منه قد عافاكمُ الصمدُ الفردُ
تخلصتمُ من سجن أغماتَ والتوت
علىّ قيودٌ لم يحن فكُّها بعدُ
خرجتم جماعاتٍ وخُلِّفْتُ واحداً
ولله في أمري وأمرِكُم الحمدُ
أما قصيدة الحكاية، التي تستحق أن تروى، فقد شعر المعتمد بن عباد بدنو أجله في أغمات، وعرف أن قبره سيكون فيها.. فجرى هذا الحوار بينه وبين زوجته اعتماد.
* لا فائدة.. إنني أراه في الصحو والنوم.
ـ ومن هو؟
* الموت.
ـ اتق الله يا رجل.. الموت بيد الله وعلمه عند ربي.
* أنا لا أخشاه.. ولكن لابد لي من أن أوصيك بشيء.
ـ وبما توصيني؟
* هذه هي وصيتي.. في هذه الرقعة.. لا تقومي بفتحها إلا عندما اسلم روحي إلى بارئها.
ـ لا تقل هذا أرجوك.
* بل أنا الذي أرجوك أن تنفذي هذه الوصية.
وأغمض المعتمد بن عباد عينيه.. وعندما فتحت زوجته الرسالة الوصية وجدتها قصيدة نظمها ابن عباد ويرثي فيها نفسه طالباً أن تخط فوق شاهد قبره في أغمات.
كل من يزور مراكش ويتذكر ذلك الشاعر، لابد له أن يعطف على أغمات القريبة ليزور قبر المعتمد بن عباد، الذي أصبح أحد أهم معالم مراكش للسياحة الثقافية:
قبرَ الغريب ستاكَ الرائح الفادي
حقاً ظفرتَ بأشلاء ابن عبّاد
بالحلم، بالعلم، بالنعمى إذا اتصلَّت
بالخصب إن أجدبوا، بالريِّ للصادي
بالطاعن عن الغبارب، الزامي إذا اقتتلوا
بالموت أحمَر بالضرغامة العادي
بالدهر في نقم بالبحر في نعم
بالبدر في ظُلم بالصدر في النادي
نعم هو الحقُّ وأفاني به قدرٌ
في السماء فواً فاني لميعادِ
ولم أكن قبل هذا النعش أعلمه
أن الجبال تهادي فوق أعوادِ
كفاك فارفق بما استودعت من كرم
رواك كل قطوب البرق رعّادِ
يبكي أخاه الذي غيّبت وابله
تحت الصفيح بدمع رائح غادي
حتى يجودك دمع الطِلِّ منهمراً
من أعين الزهر لم تبخل بإسعادِ
ولاتزلْ صلواتُ الله دائمة
على ذمتك لا تحصى بتعداد

اقرأ أيضا