الاتحاد

الملحق الثقافي

أوان الفيض

د.علي بن تميم

د.علي بن تميم

تحتاج تجربة الشاعرة الإماراتية عوشه بنت خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي، التي عرفت بلقب «فتاة العرب» إلى إعادة قراءة نقدية تبين مصادرها الشعرية والأسباب التي جعلت لها بصمة شعرية خاصة بها، لا سيما وأنها شاهدة على قرن من التحولات الضخمة التي عاشها المجتمع في الإمارات. فكانت في سيرتها الشخصية/‏‏ العائلية، وفي تجربتها الشعرية غير المسبوقة، لفتاة في مثل ظروفها، وكأنها وعد اختصت به هذه الأرض وناسها، وجاءت عوشة الإنسانة والشاعرة في الوقت المناسب.. فكانت بمثابة الفيض في أوانه: فيض الشعر، وفيض الأمل، وفيض الإيمان بالمستقبل، والقدرة على تطويع المستحيل.
لقد ترعرعت «فتاة العرب» في بيت عريق ذي صلة حميمة بالثقافة الشعرية الفصيحة والنبطية، ولا شك أنها عرفت شعر المايدي وحفظت الكثير منه وتأثرت بروحه الشعرية العظيمة، كما عرفت أبا الطيب المتنبي وتأثرت بروحه الفيّاضة وقلقه الكبير وشعريته العارمة.
لهذا لم تقتصر أشعار عوشه السويدي على أغراض محدودة، يقتصر الشعر النسوي عليها في الأغلب، بل نظمت في أغراض شتى تتعدى مجال الأنوثة، لأنها كانت تحرص على ألا تكون الفحولة الشعرية حكراً على الشعراء.
«يا ركن عود الهوى وفنه
‏ شاقني جيلك بالاوصافي»
هكذا وصفها الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهو يساجلها. وعندما يقرر الشيخ زايد بأن «فتاة العرب» ركن شعري من أركان الشعر، فإنه يقرر ذلك إثر معرفة واسعة وفي ضوء ذائقة شعرية صافية كالجوهر، وهو العارف كذلك بأحوال الشعر ومقاماته وجماليات القصيدة في مختلف العصور.
وليس أدلّ من ذلك أنه كان قويّ الملاحظة لخصائص شعر كل من أبي الطيّب، شاعره الأثير، وشعر المايدي شاعر الخليج كما سماه. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتأثر «فتاة العرب» بهذين الشاعرين الكبيرين تحديداً، فقد كانت «فتاة العرب» في لحظة بحث لا تتوقف عن التجديد والهوية الشعرية، ولعل قلق التأثير أصابها كما أصاب سلمى كريمة المايدي وهي تبحث عن هويتها الشعرية وبصمات خاصة بها في ظلال والدها العظيم.
وتكشف مساجلات عوشة السويدي الشعرية مع العديد من الشعراء، كصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن صاحبة معارضات شعرية قوية، وعن سرعة بديهة ومعرفة بتقاليد المساجلات الشعرية. لهذا استطاع منجزها الشعري الذي جمعه حمد بن خليفة بوشهاب عام 1990 أن يوصل القصيدة النبطية في دولة الإمارات إلى آفاق جديدة، ولا سيما أن أشعارها حظيت بتلحين وغناء جميلين من أصوات خليجية جميلة.
«أرسلت لك ديوان يا عالي الشان
ديوان فيه من المثايل سددها
يحوي على لامثال من كل ما زان
من كل در في عقوده نضدها
فتاة العرب وانتوا لها خير عنوان
ومن غيركم بقصد معاني نشدها»
هكذا أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقب «فتاة العرب» على الشاعرة عوشة. والأبيات الثلاثة تفيض بشاعرية عذبة، وفيها لون من الاعتداد بالمنجز الشعري، مثلما تصدر عن معرفة بشاعرية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الرائعة واحترام كبير لقيمتها.
وهنا يجدر بنا أن نلتفت إلى ملمح جديد يتمثل في حرصها على هويتها النسوية من جهة، وفي امتلاكها موهبة واضحة تجمع بين الابداع والنقد والشعر والتذوق، وهو ما يجعلها على تماس مع تجربة الراحل الكبير الشيخ زايد على المستوى الشعري وهو الذي كان شاعرا متفردا.
إن قراءة أشعار «فتاة العرب» يبين أن معجمها الشعري ينهل من معجم اللهجة الإماراتية الأصيلة، ويقوم على انتقاء جميل للألفاظ المأنوسة والسهلة، وهو ما جعل لإبداعها الشعري سيرورة وانتشارا وتأثيرا. فقد عاشت «فتاة العرب» التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الإماراتي في عصر الشيخ زايد، وكان خطابها الشعري في مجمله مرآة حاملة للتطور المجتمعي.
كما يلحظ المتتبع لتطور شعريتها، أنها ظلت وفية للشعر، مخلصة له، مثلما كانت من بنات الوطن المخلصات، في قدرتها على بناء هوية شعرية إماراتية تجمع بين تقاليد الشعر النبطي وتحولات القصيدة النبطية المعاصرة.
لهذا فإن تراثها الشعري وشخصيتها الفاعلة ينبغي أن تظل موضع درس من الباحثين في شتى الحقول، وعلى الباحثين أن يضعوا نصب أعينهم نموذجاً شعرياً خاصاً هو نموذج «فتاة العرب» التي كانت نسيج وحدها وأن يكتشفوا معالم فرادتها وأسبابها وتجلياتها.

 

 

اقرأ أيضا