الاتحاد

الملحق الثقافي

نداءات الشعر الأولى

لوحة قديمة من مدينة العين (أرشيفية)

لوحة قديمة من مدينة العين (أرشيفية)

 

 

في المرة الأولى غاب القمر في قلب شاعرتنا الراحلة ابنة عمتي المغفور لها بإذن الله تعالى عوشة بنت خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها.
وفي المرة الثانية غاب القمر عندما ضمّت حفرة القبر رفات شاعرتنا الكبيرة الراحلة يوم السابع والعشرين من يوليو 2018.

 

ذكريات من الطفولة
ومنذ طفولتي كنت أستمع إلى شعرها، وأعرف عنها الكثير من والدتها، وهي عمتي رحمها الله حمدة بنت أحمد بن خلف بن عبدالله العتيبة، وقد سألتها عن حكاية القمر الذي ابتلعته الشاعرة عوشة قالت:
حلمت عوشة ذات ليلة أنها رأت القمر وهو بدر كامل الاستدارة، وأنها تمنت أن تراه قريباً منها ونادته قائلة: تعالى إليّ أيها القمر الجميل، فسمعها القمر واستجاب لندائها ونزل إليها على الأرض فحملته بيديها وابتلعته، وعندما أخبرت والدها خليفة الذي كان مجلسه مجلس علم وأدب وشعر، وكان يملك مكتبة غنية بكتب السيرة والفقه والشعر والأدب، أدرك أن ذلك الحلم عبارة عن (رؤيا) فعرض حلم ابنته على صديقه الشيخ علي بن بطحان فقال:
الحلم واضح جلي، هذه الفتاة سيكون لها شأن كبير وسيرزقها الله موهبة أو علماً يشع بالضياء على الناس حولها.
وعندما سألت عمتي كيف استطاعت عوشة في تلك الظروف الصعبة التي لم يكن فيها الذكور يستطيعون الحصول على العلم، كيف استطاعت أن تتعلم القراءة والكتابة وتحفظ القرآن؟ قالت عمتي حمدة:
منذ كانت عوشة في السادسة من عمرها كان هناك رجل فاضل هو الشيخ محمد سميع، يدرّس القرآن واللغة العربية للإناث، وقد أخذت عوشة منه علم الدين وعلم اللغة العربية، ومعها عدد من بنات الشيوخ، ومنهن الشيخة حصة بنت محمد آل نهيان رحمها الله وغيرها، وما كادت عوشة تتقن القراءة والكتابة حتى غزت مكتبة أبيها خليفة وكان لديه مكتبة كبيرة حافلة بالكثير من دواوين الشعر والكتب الدينية وخاصة السيرة النبوية..
وهذا الجانب أكدته لي الشاعرة نفسها عندما قالت:
ـ كنت ألتهم الكتب التهاماً، تأثرت كثيراً بشعر المتنبي وكنت أريد أن أنظم الشعر الفصيح ولكنني وجدت نفسي أميل إلى الشعر النبطي أكثر فركزت عليه.
قلت لها: كان شعرك جريئاً، والظروف الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت لم تكن تسمح للمرأة أن تظهر كشاعرة.
فأجابت: عانيت الكثير من هذه الظروف، حتى أهلي، ومنهم أبي وأمي حاولا منعي من الكتابة وكسروا الأقلام التي كنت أكتب بها ومزّقوا الأوراق، وعندما ذهبت إلى جدي والد أمي وهو الشيخ أحمد بن خلف العتيبة وشكوت له وكان شاعراً أيضاً، أصغى إليّ بحنان وشجعني على الاستمرار وقال للأهل:
- دعوا هذه الفتاة فإن الله قد منحها موهبة الشعر ولا يجوز أن نحرمها من هذه النعمة المباركة.. إنها ابنة قبايل.. وسيرتها العطرة ترفع رأس كل أهلها وذويها، وتاريخنا الإسلامي مليء بالشاعرات العظيمات مثل الخنساء، فلا تقفوا في طريقها ولا تضعوا أمامها العثرات، وكان موقف جدي أحمد بن خلف العتيبة هو الذي ثبتني على طريق الشعر.
تزوجت الشاعرة الكبيرة الراحلة ابن عمها راشد بن محمد بن أحمد بن خليفة السويدي، وأنجب منها السيدة حمدة حرم أخينا رجل الأعمال المعروف خلف بن أحمد الحبتور الذي ينتمي إلى القبيلة نفسها التي ننتمي إليها نحن العتيبات، وهي قبيلة المرر.

 

سبقت الفطاحل
ولدت الشاعرة الكبيرة عوشة السويدي في مدينة العين - حي المويجعي عام 1920، وتوفيت عن ثمانية وتسعين عاماً في السابع والعشرين من يوليو 2018 في دبي.
كانت في البداية تنشر شعرها تحت اسم مستعار وهو «فتاة الخليج» إلى أن أطلق عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقب «فتاة العرب» عندما تم تكريمها وإهدائها وسام إمارة الشعر عام 1989.
وجاء هذا اللقب الذي عرفت به فيما بعد عندما أرسل لها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ديوانه وفي الصفحة الأولى منه كتب الأبيات التالية:
أرسلت لك ديوان يا عالي الشان
ديوان من المثايل سددها
يحوي على الأمثال من كمل من زان
ومن كان درفي عقوده نضدها
فتاة العرب وانتو لها خير عنوان
ومن غيركم بقصد معاني نشدها
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مطلعاً على شعر عوشة القديم والجديد.
لقد جعلت الشاعرة عوشة للشعر النبطي صورة جميلة وقرّبته إلى عقولنا وقلوبنا، سبقت الفطاحل من الشعراء الرجال ولا أخفي أنني حينما أنظم الشعر النبطي أسترجع أبيات عوشة، وأحياناً أجد نفسي متأثراً بما قالته، فشعرها يتميز بالجزالة وفخامة الألفاظ وكثافة المعنى ورقة المشاعر ورهافة الحس، ومما أحفظه من شعرها الجميل:
برقا روس الشرايف
ما بنزل للوطاه
حيد الطويل النايف
له في النظره حلاه
راعي الشّيل الرّهايف
لي لي جدّد غلاه
لي شوفه بالكلايف
عيناوي منتهاه
ريم يرعى الجفايف
شربك قلبي هواه
الكتابة عن فقيدتنا الغالية الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي تحتاج إلى مجلدات، ولاشك أن رحيلها ترك أثره الكبير على ساحة الإمارات الأدبية.
وقد سجل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ما في قلوبنا عندما قال: «فَقَدَت الإمارات قامة أدبية شامخة وعلامة خارقة في الشعر النبطي».
ظلت قصائدها في الوطن والتاريخ والدين لعشرات السنين تثري الذاكرة الإماراتية حكمة وثقافة ومعرفة وإبداعاً.
* المستشار الخاص لصاحب السمو رئيس الدولة

 

رثيت ابنة عمتي الشاعرة الكبيرة الراحلة عوشة بنت خليفة السويدي بهذه القصيدة النبطية.

 

يا نجوم الليل عزّينا
بعد عوشه حلّت العتمه
غادرت والشعر يرثينا
والوله كلن معه قسمه
هي فتاة للعرب فينا
راسمه أيام مبتسمه
شاعره دايم تسلينا
بوحها مفنود في رسمه
فقدها أكبر مآسينا
والخبر يصعب لنا فهمه
بالحسافه ترجف أيدينا
أمرها يصعب لنا حسمه
طيفها عايش حوالينا
ومثلها ما ينتسى اسمه
شِعِرْها باقي يواسينا
من حلاته يشبه النسمه
للشعر نرسل تعازينا
والقدر عند الولي علمه
نسأل الله صبر يعطينا
وربها يكتب لها الرحمه

 

 

اقرأ أيضا