صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

القدس مغيّبة التاريخ والجغرافيا!

قطعت الحاجَّة المقدسيّة قول كل خطيب (أرشيفية)

قطعت الحاجَّة المقدسيّة قول كل خطيب (أرشيفية)

ترجمة: د. المعزّ الوهايبي

قد لا ننتبه في غمرة الأحداث ووفرة المنشورات حول القدس إلى أنّ الكتابات الدّقيقة والعلميّة حولها نادرة تماماً، فالخطابات التي تُحبّر فيها مشحونة عاطفيّاً في هذا الاتّجاه أو ذاك. والسّعي إلى تجاوز هذه الغفلة هو ما قد يسوّغ ترجمة مقاطع من مقدّمة هذا الكتاب الفرنسيّ الجماعيّ الذي يزعم مؤلّفوه الأربعة أنّهم يقدّمون فيه تاريخاً جديداً للقدس يروي حياة هذه المدينة من بداياتها إلى يومنا هذا. يتعلّق الأمر بكتاب «القدس: تاريخ مدينة عالميّة، من البدايات إلى اليوم»، بإدارة المؤرّخ الفرنسيّ الشابّ (فنسنت لمير)، (Vincent Lemire، Jérusalem: Histoire d’une ville-monde، des origines à nos jours، Flammarion، 2016). ويسم (فنسنت لمير) مقدّمة هذا الكتاب ب (روح الأمكنة وانكسارات الزّمن). وبغضّ النّظر عن استساغتنا لما يرد فيه أو تحفّظنا عليه، فالمطلوب، في كلّ الحالات، أن نطّلع على الطّريقة التي يؤرّخ بها غيرنا لشأن يعنينا مباشرة.

بحسب التّعليق الذي يضعه الناشر على قفا هذا الكتاب، ليلخّص مقاصد مؤلّفيه، فإنّ القدس ليست مجالاً مغلقاً يجري فيه منذ قرون «صدام الحضارات» (هذه التّسمية المغرضة للحرب المشبوهة بين الهويّات الدّينيّة أو القوميّة)، وإنّما ينبغي اتّخاذ مسافة من هذه المقولات المريبة حتّى يتسنّى تقديم تاريخ مدينيّ طويل للقدس إلى أيّامنا هذه، كان ينبغي التّمسّك بالانتباه، بنفس القدْر، إلى روح الأماكن وإلى انكسارات الزّمن، بحيث نكتشف، على العكس، مدينة -عالَماً مفتوحة على الجهات الأربع.. نكتشف المهد الذي احتضن الدّيانات التّوحيديّة الثلاث حيث الأماكن المقدّسة رموز تختزل تاريخاً معقّداً من الخصومات والمصالحات.

روح الأمكنة وانكسارات الزمن
إنّ القدس، وهي نجم تاريخيّ مذنَّب حيث التّاريخ يُختَزل تقريبا إلى أخدود ملتهب فوق هضبتها المشتعلة مثل صاروخ على منصّة إطلاقه بمقدار اضطرام الأبديّة في جسد جدّ صغير مدينة الهذيان المقدّس مدينة مصروعة، يصيبها دونما انقطاع فُواق رعدة المستقبل.
كيف يمكن أن نؤرّخ ل (مدينة مصروعة)؟ كيف ننجز بهدوء تاريخاً لمدينة مسحوقة تحت أكثر من ذاكرة، مزدحمة بالهويّات، رازحة تحت الإسقاطات والمشاريع، تطحنها الخطابات والاستراتيجيّات، تمزّقها الاعترافات والاستحواذات؟ إنّ القدس لا تنتسب، القدس ليست في القدس، القدس مدينة في العالَم، مدينة حيث العالم أجمع يضرب موعدا مع نفسه، دوريّا، من أجل أن يلتحم، وأن يتواجه، وأن يتبارى.
إنّ القدس، وهي مهد تتقاسمه الرّوايات التّوحيديّة الثلاث، يَنظر إليها العالَم أجمع على أنّها مخبر للعيش معا أو مخبر للحرب الأهليّة، مخبر للتّحضّر أو لكراهيّة الآخر. ومنذ بضعة سنوات، بحسب المعارك والمواجهات التي تخترق دوريّا المدينة، أصبحت القدس مسرحا مفضّلاً تنعكس عليه الاستيهامات الخطيرة للأشرار صُنّاع صدام الحضارات.
لقد ترجم، في 1967، جوليان غراك Julien Gracq، بامتياز الشّعور المضني الذي يستحوذ على كلّ مؤرّخ عقلانيّ عندما يقترب من القدس كما لو أنّه يقترب من فوهة بركان: «نجم مذنّب تاريخيّ»، «أخدود طويل ملتهب»، «مدينة هذيان قدسيّ» أو مدينة رسوليّة، تضنى وهي تحافظ على الماضي الأقدم وتتيمّن بالمستقبل الأبعد، مشدود في توتّر إلى قوس من التّسلسل الزّمنيّ اللاّمتناهي تقريبا، من التّكوين إلى القيامة. فكيف نقترح تاريخا جديدا للقدس ضمن هذه الشّروط، كيف السّعي إلى تشييد تاريخ مستحدث لمدينة تمّت روايتها ألف مرّة، لمدينة معروضة بإفراط، منهكة بقواعد صرفيّة لقصص متنافرة مكرَّرة وبنسيج من هويّات مضاعفة الضّريبة؟
لنقلها دفعة واحدة: إنّ المؤلّفين الربعة المجتمعين هنا [في هذا الكتاب] يرفضون اعتبار القدس مثل مشجب لهويّات مضروبة، فهم يعارضون مواجهة العقيدة الشّهيرة حول صدام الحضارات، ويراهنون على أنّ تاريخ القدس يمكن أن يُروى دون الالتجاء إلى مختصرات مغلوطة تاريخيّاً تجعل من سكّانها دمىً سلبيّة، يحملون رغما عنهم هويّات خشنة تحمل اليوم أسماء «يهود» و«مسيحيين» و«مسلمين». وإنّما تاريخ منذ البداية، يحترم التناقضات والالتباسات، أقرب ما يكون من انكسارات الزّمن وروح الأمكنة، هذا ما هو مقترح في صفحات هذا الكتاب.

غيبة التاريخ
من أجل رفع هذا التّحدّي، ينبغي الانطلاق أوّلا من هذه المفارقة المباغتة: «القدس مدينة لا تاريخ». فالتّراث كلّي الحضور، والبقايا الأثريّة في كلّ مكان، والذكريات ترعد، والهويّات تصمّ، لكنّ التّاريخ، وسط هذا الخليط المهلوس، غائب. التّاريخ بما هو علم إنسانيّ واجتماعيّ، بما هو اختصاص علميّ، بما هو مسعى مكافحة المصادر ومراوحة وجهات النّظر... إنّ التّاريخ غائب في القدس، أو بالأحرى مغيَّب ومتروك ليتوارى تحت تكديس الذكريات. ثمّة مؤرّخون صارمون يشتغلون لا محالة ويبذلون قصارى جهدهم، لكنّهم غير مسموعين وغير مرئيين، معزولون في النّدوات العلميّة والمبادلات الأكاديميّة الدّقيقة ذلك أنّ هذه المقاربة التّدقيقيّة أقلّ مخاطرة بالنّسبة إليهم، لكن أيضا لأنّ الطّلب السياسيّ والاجتماعيّ المهيمن ليس هذا: فالقدس حافظة-ذاكرة، وليست مكان تاريخ. صندوق أسود كونيّ، مِحْفَظ عالميّ للتّقاليد القديمة، فنحن نتلفّت إليها لنفتّش فيها عن ذكريات تائهة لغرب نِسْيٍ، لنوطّد الهويات المنهكة لخيبات أملنا الحديثة، لكن نادرا لنعرف فيها التّاريخ حقّا.
فهل من قبيل الصّدفة ألاّ يوجد إلى اليوم «تاريخ للقدس منذ الأصول إلى أيّامنا» فير سوق النّشر لا بالفرنسيّة ولا بالإنجليزيّة؟ إنّ هذا الأمر البسيط لهو في حدّد ذاته محيّر: ففي الوقت الذي تثير فيه المدينة المقدّسة كلّ العالَم، لم يُوفَّر للجمهور إلى حدّ الآن أيّ تأليف تاريخيّ جادّ يسعى إلى فهم إجماليّ لتاريخ هذه المدينة التي نقول عنها دائما بأنّها «استثنائيّة» أو «خارج المشترك» فتبقى بذلك بعيدا عن كلّ مقاربة عقلانيّة.
مدينة بلا تاريخ إذن، مختنقة بذكريات تقطّع التّسلسل الزّمني وتُشوّشه: ففي منطق الذاكرة يكون الزّمن مدمجا، مضغوطا، منطويا على نفسه. مثلما هو الأمر في ضغط لسيزار (نحّات فرنسيّ1921-1998، César Baldaccini، يستخدم أساليب وتقنيات جديدة مثل ضغط الأشياء، السّيارات مثلا، لتحويل أحجامها وهيئاتها) حيث بنية الزّمن نفسه الذي ينقضي وتعاقب اللّقطات يضمحلاّن ليتركا مكانا لهويّات «أبديّة»، ولصراعات «دائمة»، ولمجموعات «مستقرّة». كمّ هائل من العبارات نصادفه [بشأن ذلك] في مختلف صفحات الكتب المخصّصة للمدينة المقدّسة. ومن أجل معارضة هذه الأخلاط المشوّشة، من أجل جعل القدس موضوعا حقيقيّا للتّاريخ، فإنّنا نبدأ إذن باحترام تسلسلها التّاريخي، فسنسعى إلى أن نضبط لقطات تاريخيّة متمايزة لنبيّن أنّ القدس ليست مدينة أكثر «أبديّة» من أخرى وأنّ كلّ فترة من فتراتها تروي تاريخاً مفرداً. طبعاً لن يكون الذهاب والإيّاب ضمن التسلسل التاريخي محظوراً ولا المراوحات بين الفصول ضمن صفحات هذا الكتاب، لكنّنا نمتنع عن أن نشطّ في دعك صفحات الرّوزنامة، ذلك أنّ تعاقب الأجيال، والأنظمة، والسّياقات إنّما هو حاجز أساسيّ ضدّ وهْمِ المداومات الهُوويّة.

غيبة الجغرافيا
ثمّة مفارقة ثانية، قد تكون أقلّ إدراكا من قبَل غير المختصّين: «القدس مدينة بلا جغرافيا». فالجيو-سياسة هي التي كانت مدعوّة فيها إلى أقصى حدّ لتفسّر كلّ شيء. فالحدود تبدو وهي تزرّد في كلّ اتّجاه مجال المدينة، وخرائط تُعرض باستمرار لتجسّم المراحل الكبرى من تاريخها المختصم فيه، لكنّ الجغرافيا باعتبارها انتباها بشأن الطّبوغرافيا، التّضاريس، صعوبات الموقع ومقدّرات الوضع، المناخ والتّربة، ترتيب الأحياء الحضريّة وسكناها وأنشطتها والتبادلات بينها... الجغرافيا [بهذا المعنى] غائبة، مقنّعة بالحضور الكلّي للتّحليل الجيو-سياسيّ. فتاريخ القدس يُروى عموما دون أن تكون الأمكنة (الطّرقات، المعالم، الهضاب، الممرّات، الصّخور، الكهوف، الأسوار، المقابر) شيئا آخر غير خريطة عسكريّة أو تزويق للاستخدام الفولكلوريّ أو التّراثيّ.
ضمن هذا المنطق، يكون تاريخ القدس عموما غير معيّن، كما لو أنّه يتبخّر، كما لو أنّه يتباطأ بضعة أمتار فوق الأرض الحضريّة، كما لو أنّه ليس أكثر من ترتيب لأفكار وفاعلين يتنقّلون في فضاء مجرّد وغير متمفصل. فجثوم المدينة، بنحو 800 متر، على قمّة مرتفع ذي خطّ ضيّق، ومناخها القاسي، المتوسّطي والجبليّ في الوقت نفسه، وهضابها المطلّة على أودية عميقة توجّه منذ القدم محاورها الكبرى في التنقّل، موقعها كعتبة في اتّصال بسهول ساحليّة غنيّة تحاذي المتوسّط من الشّرق وفي اتّصال بالبادية التي تهبط نحو منخفض الأردن والضّفاف الخانقة للبحر الأحمر في الغرب... كلّ هذه المعطيات الأساسيّة مسكوت عنها عموما، كما لو أنّ الجغرافيا لا وزن لها لتفسير تاريخ المدينة المقدّسة. ولذا من أجل اقتراح تاريخ مجسّم، وعيانيّ ومحدّد الموقع للقدس، فإنّنا سنحترم إذن الجغرافيا، وسنحاول أن نحيل دائما إلى الأماكن التي تنتظم هذا التّاريخ وضبطه، والتي توفّر إمكانات القيام به كما تبسط أمامه العوائق.
من أجل بناء تاريخ جديدي للقدس، اخترنا إذن التّعويل على المناهج التي تم» اختبارها أكثر من غيرها واخترنا المزاوجة بين اختصاصين أكاديميين قديميْن، أي بين التاريخ والجغرافيا، حيث التّواطؤ بينهما من بين المظاهر الأصيلة السّعيدة في المجال الجامعيّ الفرنسيّ. فانطلاقا من هاتين الرّكيزتين المتينتين، يكون ممكنا تشييد تاريخ يرتبط، في الوقت نفسه، بالسّياق وبالموقع، تاريخ متسلسل زمنيّا وجغرافيّ. ومن أجل التّخلّص من الكتابات المجرّدة عن الهويّات الثابتة التي تعكّر أغلب القصص المخصّصة للمدينة المقدّسة، فإنّ مبدأ ثالثا وأخيرا وجّه صياغة هذا التّاريخ الجديد للقدس: لم نشأ، ونحن ننطلق من معاينة كون المدينة المقدّسة مكان لظهور أو لالتقاء الدّيانات التّوحيديّة الثلاث، أن نعتبر الحدود بين هذه الموروثات الثلاثة حدودا غير سالكة، قد تكون ظلّت جامدة طيلة قرون. فعلى العكس، شكّلت المنافذ بين هذه التّقاليد الثلاثة، والتنقّلات، والمبادلات والتّهجينات موضوعا للانتباه مخصوص [في هذا المؤلَّف]. وذلك ليس انطلاقا من تقديس أعمى للتّهجين، وإنّما لكون القدس نفسها تقتضي هذا المسار: لكون المدينة المقدّسة ثلاث مرّات تضفي مغناطيساً على التّقاليد التّوحيديّة المؤسّسة وتثبتها في محيط ضيّق وفي بضعة نقاط تركيز متواترة فإنّ تاريخها هو بالضّبط تاريخ تفاعل شديد بين هذه التّقاليد، وقد فسح مجالا لقدر كبير من المبادلات والتّحويلات.

مؤلفو الكتاب: القدس ليست مشجباً لهويّات مضروبة
لقد ترجم، في 1967، جوليان غراك Julien Gracq، بامتياز الشّعور المضني الذي يستحوذ على كلّ مؤرّخ عقلانيّ عندما يقترب من القدس كما لو أنّه يقترب من فوهة بركان: «نجم مذنّب تاريخيّ»، «أخدود طويل ملتهب»، «مدينة هذيان قدسيّ» أو مدينة رسوليّة، تضنى وهي تحافظ على الماضي الأقدم وتتيمّن بالمستقبل الأبعد، مشدود في توتّر إلى قوس من التّسلسل الزّمنيّ اللاّمتناهي تقريبا، من التّكوين إلى القيامة. فكيف نقترح تاريخا جديدا للقدس ضمن هذه الشّروط، كيف السّعي إلى تشييد تاريخ مستحدث لمدينة تمّت روايتها ألف مرّة، لمدينة معروضة بإفراط، منهكة بقواعد صرفيّة لقصص متنافرة مكرَّرة وبنسيج من هويّات مضاعفة الضّريبة؟
إنّ المؤلّفين الأربعة المجتمعين في هذا الكتاب يرفضون اعتبار القدس مثل مشجب لهويّات مضروبة، فهم يعارضون مواجهة العقيدة الشّهيرة حول صدام الحضارات، ويراهنون على أنّ تاريخ القدس يمكن أن يُروى دون الالتجاء إلى مختصرات مغلوطة تاريخيّا تجعل من سكّانها دمىً سلبيّة، يحملون رغما عنهم هويّات خشنة تحمل اليوم أسماء «يهود» و«مسيحيين» و«مسلمين». وإنّما تاريخ منذ البداية، يحترم التناقضات والالتباسات، أقرب ما يكون من انكسارات الزّمن وروح الأمكنة.

مختبر للعيش أو للحرب
إنّ القدس، وهي مهد تتقاسمه الرّوايات التّوحيديّة الثلاث، يَنظر إليها العالَم أجمع على أنّها مختبر للعيش معاً أو مختبر للحرب الأهليّة، مختبر للتّحضّر أو لكراهيّة الآخر. ومنذ بضع سنوات، بحسب المعارك والمواجهات التي تخترق دوريّا المدينة، أصبحت القدس مسرحاً مفضّلاً تنعكس عليه الاستيهامات الخطيرة للأشرار صُنّاع صدام الحضارات.

صندوق أسود كونيّ
ثمّة مؤرّخون صارمون يشتغلون لا محالة ويبذلون قصارى جهدهم، لكنّهم غير مسموعين وغير مرئيين، معزولون في النّدوات العلميّة والمبادلات الأكاديميّة الدّقيقة ذلك أنّ هذه المقاربة التّدقيقيّة أقلّ مخاطرة بالنّسبة إليهم، لكن أيضاً لأنّ الطّلب السياسيّ والاجتماعيّ المهيمن ليس هذا: فالقدس حافظة - ذاكرة، وليست مكان تاريخ. صندوق أسود كونيّ، مِحْفَظ عالميّ للتّقاليد القديمة، فنحن نتلفّت إليها لنفتّش فيها عن ذكريات تائهة لـغرب نِسْيٍ، لنوطّد الهويات المنهكة لخيبات أملنا الحديثة، لكن نادراً لنعرف فيها التّاريخ حقّاً.