الاتحاد

شجون قلم

ويبقـــى الأمــــل
فتاة اسمها أمل، صاحبة ابتسامة سكرية، متوسطة القامة، عيناها سوداوان كالقهوة العربية، ملامحها طفولية، عفوية في كل تصرفاتها، فتاة عشت معها فترة الدراسة، وكانت لي صديقة حنونة، رفيقة مخلصة، أمضينا معاً أحلى الأوقات المليئة بالمواقف الضاحكة والمحرجة، كل هذا حفظته في كتاب الذكريات، افتحه فيخضوضر قلبي بالشوق لما مضى ولأمل·· فبعدما أنهينا الثانوية العامة، انقطعت أخبارها واتصالاتها وما عدت ألتقيها·· لم أعد التقي تلك الفتاة المفعمة بالأمل والتفاؤل·· فتاة أحببتها·· وأحببت عشرتها وابتعادها المفاجىء آلمني كثيراً، وفي كل يوم أقول في نفسي سألتقيها مرة أخرى·· إن شاء الله·
مرت الأيام والسنون وأهداني القدر أحلى هدية وهي لقاؤها، التقيتها على شاطيء البحر الذي تعودنا أن نذهب إليه خلسة بعد الانتهاء من المذاكرة· كان الشاطيء بالقرب من منزلها· التقيتها ولكني لم أعرفها اقتربت مني نادتني باسمي، فعرفت نبرة صوتها الدافئة، حييتها وضممتها إليّ، ووقفنا نتحدث· عاتبتها لكنني لم أكمل العتاب لأنني افتقدت في عينيها لمعان الفرح وبريق السعادة، افتقدت ذاك الصفاء في عينيها، لم أجد فيهما إلا نظرة موشاة بالأميرة دمعة، وجدت نظرة صبابية، بسبب وصيفات الأميرة دمعة، فما أحببت أن أواصل العتاب، فسألتها عن الغياب·· سألتها عن الذي أصابها، قلت لها: ما بك صديقتي·· ما بك مرآة روحي؟ أراك انسانة أخرى حتى أنني لم أعرفك·· صديقتي تكلمي·· فقالت لي: ان في سؤالك لي وجعا وألما ·· ما الذي تودين معرفته؟ أتودين ان تعرفي كيف اصبحت أمل روح بلا أمل؟ أتودين أن تعرفي كيف أصبحت أمل زهرة بلا رونق؟ فقلت لها: تحدثي كلي آذان صاغية·· تحدثي لعلي اصادر القليل من دهشتي·· فاجابتني: سأتحدث ولكن لا تجعلي عينيك تسكن عيني لئلا أبكي فوافقت على طلبها·· وبدأت لحظة البوح·· فقالت: بعدما أنهيت الثانوية العامة انتقلنا إلى العاصمة من دون سابق علم·· انتقلنا فجأة، ولا أكذب عليك فرحت في بداية الأمر·· حلمت بأن أبدأ حياة جديدة في الجامعة·· ولكن أحلامي لم تدم طويلا لأن أسرتي لملمت أحلامي ووضعتها في علبة حريرية وقوقعتني داخل المنزل لتهديني وأحلامي إلى الفارس الذي تنتظره·
في هذ اللحظة أحسست أن روحي تحتضر·· أحسست أن الفرح داخلي اغتيل·· أحسست أن أمل صديقتك ماتت وولدت أخرى لا أعرفها·· يوم زوجوني من رجل لا يعرف من أمور الحياة إلا الأمور المادية الخالية من المعنويات، زوجوني وتركوني سنة كاملة كالطير الجريح الذي يواجه عاصفة، حاولت أن أتأقلم مع الحياة المفروضة عليّ إلا أنني لم أجد من يساعدني في ذلك، لم أجد من يحتويني·
مرت عليّ تلك السنة وكأنها دهر، وكأنني أجاهد في معركة نتيجتها معروفة سلفاً هي الفشل والهزيمة· لكنني أجاهد·· وبعد مرور السنة وبعد الصمت والسكوت، لم أعد احتمل المزيد·· مللت الأميرة دمعة ووصيفاتها·· مللت البريق المقرون بحضور الأميرة·· لذا أود أن أمضي إلى مكان آخر·· أود أن أحصل على خريطة جديدة لحياتي·· أن أتخلص من كل القيود والحدود والخطوط الحمراء ومناطق الحظر·· أن أمزق كل الأوراق الرسمية التي يجب أن أقدمها أن أتكلم أو قبل أن أخرج·· أود أن ألغي كل طقوس الممنوع·· أود أن أحيا خارج دائرة اللا وخارج دائرة النعم ولكن···
تعبت من الخوف الذي يسكنني·· أخاف أن أكسر مرة أخرى بعدما كنت شامخة كالجبال·· وأخاف أن أبقى لينة·· ضعيفة فأعصر·
أخاف أن تفقد روحي أناقتها الصمودية، أخاف والخوف يبعثرني·· قالت هذا الحديث وشرد بها فكرها إلى حيث لا ادري·· قطعت شرودها وقلت لها: إن الحياة مواسم تختلف فيها الفعاليات والممارسات وتختلف فيها ضروب تفاعل البشر معها، واليوم الذي يمضي لا يعود والغد هو اليوم الذي ننتظره لينتهي وليمضي·· وما حدث ليس نهاية العالم·· أين أمل الانسانة المفعمة بالأمل؟
يا أمل عودي·· قاطعت حديثي وقالت: إن كلماتك جميلة يخضوضر قلب من يسمعها بالتفاؤل والبهجةو ولكن أمل ما عادت هي ذاتها التي عاشت معك وعاشرتك لنقاء معدنك·· لم أعد أمل بل بقايا من أمل·· أصبح الحزن رمزي والصمت لغتي، حتى أشعر بأن العبرات ستخنقني من الألم الذي يعتصر فؤادي، الألم الذي يجعل روحي في حالة استنفار·· أشعر بأن الدنيا لوحة باهتة بلا ألوان·
وتابعت: أتدرين ما الذي أتمناه الآن؟ أجبتها: لا·· فقالت: ليتني أعرف أين يباع الحظ·· ليتني أشتري بعضاً منه·· ليتك صديقتي تخبريني في أي سوق يباع؟آاااااه ليتني أجد أحداً يخبرني عن مكان وجود الحظ؟ لعلي أستطيع إيجاده فأطيب وتطيب معه جروحي· اعذريني لا ادري ماذا أصابني؟ لا ادري كيف ولم هو جنوني بلقاء سيد لا يلتقى·· إذن لقاء الحظ أمنية لن تتحقق، فالحظ سيد لا يلتقى وكل الحديث عنه كان في إطار الأمنية، التي تجولت وستتجول ولا شك في دهاليز وخلجات النفس، وكما تعلمين صديقتي ، الأمنية تجر معها الحلم والحلم يجر معه احلاما، والاحلام غمامة مليئة بعطر الروح، لا يود الإنسان أن يفارق شذاها طول حياته ولكن هذه الأحلام تنتهي بمجرد ان تخرج إلى الواقع·· يا لهذا الحديث·· كم أشجاني حديثها·· أنهت أمل حديثها والتفتت إلى الجهة الأخرى، لتمسح دمعتها قبل أن أراها· وعاودت النظر إلى ذاك الأفق الذي تنظر إليه وهي تتحدث إلي وعلى شفتيها ابتسامة شقية، ولحظة سكون، أنهيتها بحديثي قائلة: صديقتي الغالية رحماك بنفسك ولا تقنطي من رحمة الله تعالى، عيشي حياتك بالأمل، واجعلي قلبك ينبض بحرية لا تقيديه·· أتدرين إني أخاف عليك·· قاطعتني: لا تخافي فأنا أحاول أن أعيش في هذه الدنيا، كما كنت أحاول وسأحاول أن أجد أمل القديمة لأعود اليها، وتعود إليّ·· زود أن أجد روحي لأهديها باقة وردية لتواصل الحياة بعدما وصلتني وثيقة رسمية من المحكمة، تعلمني أنني الآن امرأة حرة·· فاطمئني صديقتي·· فبرغم الذي مضى والذي سيأتي سأقول: الحمد لله·· وما أخبرتك به اعتبريه قصة حزينة وانتهت وما بحت به لك إلا لأنك مرآة روحي، لأنني وجدت روحاً تسمعني بعدما وجود سيدة فاضلة تسمى الأوراق·· سيدة راقية تحملتني وتحملت بوحي·· تعودت وجودها وأحببت فغدت رفيقتي وأصبحت الكتابة دوائي·· كما أنني أتعلم مبادىء الاسعافات الأولية لأسعف نفسي حين احتاج لذلك·· لذا لا تخافي عليّ·· ابتسمت لها وقلت: أتذكرين بيت الشعر الذي كتبناه على دفاترنا وكتبنا؟
إجابتني: نعم·· ورددناه معاً:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
شيخة المسماري

اقرأ أيضا