الاتحاد

تقارير

الحكومة الإسرائيلية المقبلة ولعبة الأحزاب الصغيرة

الحكومة الإسرائيلية المقبلة ولعبة الأحزاب الصغيرة

الحكومة الإسرائيلية المقبلة ولعبة الأحزاب الصغيرة

لقد اتخذ الناخبون الإسرائيليون قراراً انقسامياً في انتخابات الثلاثاء الماضي، أشعل نيران التنافس على إعلان الفوز بمنصب رئيس الوزراء القادم، بين كل من بنيامين نتانياهو، زعيم حزب ''الليكود'' المعارض، وتسيبي ليفني، وزيرة الخارجية وزعيمة حزب ''كاديما''· وفيما يبدو، فقد منح الناخبون حزب ''كاديما'' دعماً انتخابياً أعلى بقليل وغير متوقع على حساب حزب ''الليكود'' بقيادة نتانياهو، المعروف بانتقاداته ومعارضته لمفاوضات السلام مع الفلسطينيين· وعليه فإن سبب ذلك الدعم الانتخابي الممنوح لليفني في الساعات الأخيرة للاقتراع، يعود إلى ميلها لمواصلة التفاوض السلمي مع الفلسطينيين فيما يبدو· غير أن ذلك لا ينفي وجود ميل عام وحاد نحو ''اليمين'' داخل الكنيست الإسرائيلي· وهذا الميل هو ما يجعل مهمة تسيبي ليفني بالغة الصعوبة في محاولتها إنشاء ائتلاف حكومي مؤيد لمساعي مواصلة محادثات السلام مع الفلسطينيين، بهدف الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، بدعم من واشنطن·
وبما أن كلا الخصمين المتنافسين -نتانياهو وليفني- قد ادعى لنفسه الفوز بنتائج الانتخابات، فقد وضع الرئيس شيمون بيريز أمام موقف صعب يحثـــه على اتخــاذ قرار رئاسي يقضي بتكليف أيهما بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة؟ مع العلم أن هذه مهمة بالغة الصعوبة بالنظر إلى تصدعات السياسة الإسرائيلية نفسها· وقد جرت العادة أن يختار الرئيس زعيم الحزب الذي يحصد العدد الأكبر من جملــة مقاعد البرلمان البالغ عددها 120 مقعداً، إلا إنه ليس مقيداً بالالتزام بهذا العرف السياسي· وعليه فســـوف يتشـــاور الرئيس الآن مع كافة الأحزاب السياسية، كي يتمكن من تكليف الحزب الأوفر حظاً وقدرة على تشكيل حكومة مقبلة أكثر استقراراً·
وربما يستغرق اختيار من يقود إسرائيل في الفترة المقبلة بضعة أسابيع، في وقت تواجه فيه إسرائيل تهديدات أمنية كبيرة من قبل حركة ''حماس'' في قطاع غزة، و''حزب الله'' اللبناني، إلى جانب الخطر الإيراني المصحوب بالطموحات النووية·
يذكر أن نتانياهو الذي سبق له أن تولى منصب رئيس الوزراء في عقد تسعينيات القرن الماضي، قد ألقى خطاب فوزه بعد منتصف ليلة الثلاثاء، قال فيه إلى مؤيديه المحتفلين بالنصر: ''لقد قال الشعب الإسرائيلي كلمته واضحة فاصلة في هذه الانتخابات· لقد حقق حزبكم حزب الليكود فوزاً قاطعاً في هذه الانتخابات''· وألمح نتانياهو في الخطاب نفسه، إلى اعتزامه تشكيل ائتلاف يشاطر حزبه المواقف والرؤى، أي أن يتخذ موقفاً حازماً ومعادياً لطهران، ويرى في فكرة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية مهدداً جدياً لأمن إسرائيل·
لكن وفيما لو كلفت منافسته تسيبي ليفني بتشكيل الحكومة الجديدة، فسوف يجعل منها ذلك القرار أول رئيسة وزراء تقود إسرائيل منذ أيام جولدامائير التي تولت المنصب قبل ما يزيد على الثلاثة عقود· يذكر أن ليفني كانت مفاوضاً رئيسياً للجانب الفلسطيني، طوال محادثات العام الماضي التي لم تسفر عن شيء· لكنها لا تزال تفضل مواصلة الجهد التفاوضي على أمل التوصل إلى صفقة سلام نهائية مع الفلسطينيين· من ناحيتها أعربت ليفني عن اعتزامها إنشاء حكومة وحدة وطنية تتألف من كافة ألوان الطيف السياسي في البلاد، بما فيها حزب ''الليكود''·
وعقب إحصاء ما نسبته 99 في المئة من إجمالي أصوات الناخبين حتى الساعات الأولى من صباح الأمس الأربعاء، تشير النتائج الأولية إلى حصول حزب ''كاديما'' على 28 مقعداً من مقاعد البرلمان، مقابل 27 مقعداً لحزب ''الليكود''، بينما حصل حزب ''إسرائيل بيتنا'' اليميني المتطرف بقيادة أفيجدور ليبرمان، على 16 مقعداً محتلاً بذلك المرتبة الثالثة في ترتيب الفائزين· إلى ذلك يتوقع تراجع نصيب حزب ''العمل'' الذي يقوده وزير الدفاع الحالي، إيهود باراك، إلى 13 مقعداً حسب نتائج الفرز الأولي للأصوات· وعليه فقد تحول كل من ليبرمان وإيهود باراك وغيرهما من قادة الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة الأخرى، إلى صناع لقادة الحكومة الجديدة، سواء كان سيتولى مهمة تشكيلها نتانياهو أم منافسته ليفني، طالما أنه يتعذر تشكيل أي حكومة إسرائيلية دون الاتفاق مع هذه الكيانات الحزبية الصغيرة·
ولهذه الأسباب، فإن الذي تشير إليه التقديرات العامة في الوقت الحالي، هو سيطرة حزب ''الليكود'' والأحزاب ''اليمينية'' الأخرى المتحالفة معه، على ما نحو 65 من جملة مقاعد البرلمان البالغ عددها 120 مقعداً، في مقابل سيطرة حزب ''كاديما والأحزاب اليسارية المتحالفة معه على حوالي 46 مقعداً· إلى ذلك تسيطر الأحزاب الممثلة لعرب إسرائيل -وهي عادة لا تشارك في تشكيل الحكومة- على نحو 9 مقاعد· وتعني هذه النسب أنه يتعين على ليفني مشاركة حزب واحد على الأقل من الأحزاب ''اليمينية'' المعارضة لمحادثات ''الأرض مقابل السلام'' مع الفلسطينيين، إن كان لها أن تقود الحكومة المقبلة·
من رأي البروفيسور إسحق جالنور، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، الذي علق على النتائج الأولية للانتخابات، أن هذه النتائج توفر فرصة جيدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل كافة الأحزاب الرئيسية الأربعة بقيادة ليفني، التي يمكنها موقعها السياسي من ذلك· فبحكم كونها في ''الوسط''، فإنها تستطيع الائتلاف مع الأحزاب الواقعة على ''يمينها'' و''يسارها'' في وقت واحد· واستطرد البروفسور إلى القول: ''على رغم أن هذا يبدو منطقياً جداً، فإنه ربمــــا لا يحـــدث هذه المرة''·
يذكر أن نتانياهو ظل متقدماً بفارق كبير على منافسته ليفني حتى قبيل الانتخابات مباشرة، إلا أنها تمكنت من سد تلك الفجوة في الأيام الأخيرة السابقة للاقتراع· وهناك ما يشير إلى تمكنها من تكثيف حملتها وجهودها الانتخابية في أوساط الشباب بصفة خاصة· أما منافسها نتانياهو -البالغ من العمر 59 عاماً- فقد شيد حملته على فكرة كونه حامي حمى إسرائيل ويدها الحديدية الباطشة بالأعداء، في وقت تواجه فيه إسرائيل مجموعة من المهددات الأمنية الجدية·
يذكر أن هذه الانتخابات أجريت بعد أقل من ثلاث سنوات، عقب اكتمال ولاية إيهود أولمرت في رئاسة الوزراء، بعد أن تعين عليه التخلي من منصبه أمام سلسلة من فضائح الفساد التي لاحقته في العام الماضي· ومن حينها ظل أولمرت -العضو في حزب ''كاديما'' - في منصبـــه باعتبـــاره رئيــس وزراء مكلفـــاً إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات· أما ليفني فقد سبق لها أن منحت فرصة تشكيل حكومتها إثر انتخابات الخريف الماضي، إلا أنها لم تتمكن من الحصول على الدعم الكافي· وهذا ما يقلل فرص تكليفها بتشكيل حكومة جديدة هذه المرة·

جريف وايت- القدس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا