الاتحاد

الملحق الثقافي

إطلالات نقدية على تجربة محمود درويش

إحدى الجلسات النقدية

إحدى الجلسات النقدية

يشهد النقد العربي أزمة على صعيد علاقته بالإبداع عموما/ وبالشعر خصوصا، لكن هذا النقد يشهد حراكا في بعض المؤتمرات والملتقيات، وأحيانا على هامش بعض المهرجانات، فنتلقى وجبات نقدية غالبيتها ذات طابع نظري يعج بالعموميات والاتكاء على أحد مصدرين: الموروث أو النظريات الغربية، الأمر الذي يجعل الكثير من الكتابات النقدية يدور في فلك التقليد الجامد والعجز عن إنتاج الجديد· لكن الأمر ليس على هذه الشاكلة في كل الأحيان، إذ يحدث أن نلتقي بناقد جاد يكتب بحثا نقديا رصينا، ويقدم قراءة متعمقة في تجربة شعرية محددة، وهو ما حدث في الندوة النقدية التي أقيمت مؤخرا على هامش ملتقى الشارقة للشعر العربي·

الندوة التي حملت عنوانا محددا ''سلطة النص وتعدد القراءات: محمود درويش مثالا'' شهدت عددا من الأوراق النقدية ذات المستوى قدمها نقاد وأكاديميون من دول عربية عدة· من أبرز المشاركين الدكتور عبد السلام المسدي (تونس)، والدكتور إبراهيم أبو هشهش فلسطين، والدكتور عبد المنعم تليمة (مصر)، والدكتور الشاعر علي جعفر العلاق (العراق)، والدكتور دريد يحيى خواجا (سوريا) ود· الرشيد بو شعير (الجزائر) وسواهم، وهنا متابعة لأهم ما جاء في أوراق هؤلاء النقاد·
ورقة الدكتور علي جعفر العلاق جاءت بعنوان ''في بلاغة القصيدة الحديثة'' وتحدث فيها عما يسمى ''الطبخة الشعرية'' التي أشار إليها درويش في تجربته، وقال إن هذه الوصفة التي ميزت تجربة درويش هي ما تمنح شعره البصمة الخاصة لهذا الشاعر، فدرويش يقدم في قصائده وصفة لشعره والمفردات البلاغية التي يستخدمها من كناية وتورية· كما توقف العلاق أمام ما أطلق عليه ''الشعرية الثالثة'' معتبرا أنها شعرية تنبع من التصادم بين طاقتي الشعر والنثر كما في قوله ''أحب من الشعر عفوية النثر''، أو حين يخاطبهما معا ''إلى النثر والشعر طيرا معا''· وشدد العلاق على سمة السخرية الحادة في قصائد درويش وكيفية استغلالها للتعبير عن مواقف تراجيدية· وتوقف العلاق أمام ظاهرة الإيقاع في شعر درويش وهو عنصر يحكم شعره عموما فهو يقول ''يختارني الإيقاع''·
درويش في الألمانية
الدكتور إبراهيم أبو هشهش فقدم ورقة بعنوان ''محمود درويش والقارئ الألماني''، تابع من خلالها اطلاع القارئ الألماني على تجربة درويش، ومما جاء فيها: على الرغم من أن بعض أعمال محمود درويش قد نقلت إلى الألمانية منذ السبعينات إلا أنه ظل غير معروف تقريباً في مجال اللغة الألمانية حتى عقد التسعينات، باستثناء دوائر ضيقة ربما تنحصر على الغالب في بعض أقسام الدراسات العربية في عدد محدود من الجامعات الألمانية وربما أيضاً في دوائر ضيقة أخرى ذات توجه يساري· وهذا الحكم يصح على ألمانيا بكلا شطريها آنذاك· بيد أن هذا الأمر أخذ يختلف اختلافاً كبيراً في السنوات الأخيرة، حتى ليصح القول إن درويش بات اليوم معروفاً في ألمانيا بصفته شاعراً كبيراً، وقد وصفه شتيفان فايدنر بأنه أحد أكبر شعراء عصرنا، حتى لو ظل غير معروف في ألمانيا بالدرجة التي حظي بها في فرنسا مثلاً، وقد أكد فايدنر على التحول الكبير في أعمال درويش منذ ديوان ''أوراق الزيتون'' (1964) الذي جعله بالغ الشهرة (في فلسطين على الأقل)، وهو تحول من شاعر ملتزم سياسياً الى صوفي للوجود، ومن ثائر إلى شاعر حب، علماً أن موضوعه الأصلي، أي القدر الفلسطيني ظل حاضراً دائماً، لقد هرب درويش آمال الفلسطينيين وآلامهم إلى الأدب العالمي، ونجح في ذلك لأنه يكتب قصائد لا تتحدث عن الفلسطينيين وحدهم بل عن الإنسانية جمعاء، ولأنه كان يجمع دائماً بين كونه شاعراً لفلسطين وشاعراً للعالم فقد أصبح مقروءاً في العالم بأسره، وبالطبع في ألمانيا أيضاً· ويمكن ضمه لأولئك الشعراء الذين تحولوا إلى أساطير ومقارنته بلوركا، ومايكوفسكي، وناظم حكمت، ولويس أراغون، وبابلو نيرودا· ومحمود درويش لا يقتسم مع هؤلاء، الذين يعتبرهم نماذجه، التعظيم الذي يقابله به القراء والجمهور فقط، بل الشعرية أيضاً· وقد قالت أنجليكا نويفرت أيضاً مثل ذلك أما شتيفان ميليش فقال انه لا يوجد شاعر عربي آخر استطاع أن يحيط بسؤال الهوية كما فعل درويش الذي يشكل القطب المقابل شعرياً للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد·
ويحاول أبو هشهش أن يجد تبريرا لتأخر شهرة درويش في ألمانيا فيقول: يمكن الاتفاق بسهولة مع الناقد والمترجم شتيفان فايدنر الذي رأى أن تلقي درويش في ألمانيا يختلف عن تلقيه في بلدان أخرى (فرنسا مثلاً)، ويعزو ذلك لأسباب أهمها تقسيم ألمانيا بين سنتي (1949 ـ 1990)، حيث كان الأدب الأميركي أكثر حضوراً في ألمانيا الغربية· بينما كان الأدب الروسي أكثر حضوراً في ألمانيا الشرقية· وقد طال هذا التقسيم أدب الشرق الأوسط أيضاً: فقد كان الأدب ''الإسرائيلي'' مقروءاً أكثر في ألمانيا الغربية، في حين كان الأدب العربي مقروءاً أكثر في ألمانيا الشرقية، ومن هذا الأدب بوجه خاص أدب البلدان ذات الطابع الاشتراكي مثل الجزائر ومصر (في عهد عبدالناصر) وسوريا والعراق وأدب الفلسطينيين· ويضيف أبو هشهش سببا آخر يتمثل في أنه قليل عدد الذين يتقنون اللغة العربية إتقاناً كافياً لترجمة شعر يمتاز بكثافة مجازية نادرة، وتأنق لغوي لا مثيل له، وعمق إنساني، وتعدد في المعنى، مثل شعر محمود درويش، أضف إلى ذلك أن الاستشراق الألماني لم يكن يولي اهتماماً بالأدب العربي الحديث وظل مصبوغاً بالطابع الفيلولوجي التاريخي، ولم يختلف الأمر إلا في المدة الأخيرة حين بدأ الاهتمام بالأدب العربي الحديث على يد عدد من المستشرقين الألمان وتلاميذهم أمثال شتيفان فيلد، وأنجليكا نويفرت، وغرترود فيلاند، وسواهم القليل·
تداخل الرؤى
ورقة د· دريد يحيى خواجا تناول فيها على ''سلطة النص وتعدد القراءات في النص الشعري الحديث عموماً ومحمود درويش مثالاً'' معتبرا ابتداء أن سلطة النص عند الشاعر محمود درويش تعني، بدرجة أولى، الحداثة الشعرية التي تفضي الى قراءة دلالية حديثة، تحوز على رؤى تخص هذه السلطة· من هذه الرؤى: الرؤية التاريخية، الرؤية الاجتماعية، الرؤية الذاتية، الرؤية النفسية، الرؤية الوطنية والقومية، الرؤية الإنسانية· وحيثما وجدت هذه الرؤى، أو بعضها فإنها لا تكفّ عن التجاوب والجدل، وتكوين إحداثيات مرجعيات هذه الرؤى لتشكل ''معرفية النص''، التي تصوغ ''هوية النص'' الذي يكتبه محمود درويش·
وما يبدو على الشاعر درويش أنه يود: ''الخروج على المألوف في رؤية مرجعيته المعرفية، وفي طريقة بثها وتأدياتها الفنية، كان خروجاً متواضعاً في البداية، وحتى الشاعر أنكر فيها بعض دواوينه، لكنه سرعان ما ظهرت موهبته الشعرية، وتعمقت سلطة نصه منذ أواخر السبعينات، حيث صار شعره مهوى أفئدة الخاصة والعامة ومكونات ''حساسيته الشعرية'' الخاصة تبعث على التأمل المستديم إلى زمن غير محدود·
المبدع الناقد والمتلقي
وتناول د· عبد السلام المسدي قضية ''التواصل الشعري بين المبدع والناقد والمتلقي'' في مجال الشعر عموما، وبعيدا عن تجربة درويش، فتحدث عن ''كون الشعر في جوهره بحثا دائما عن الحرية، ومن أجل ذلك ترى صاحبه ميالا إلى الخروج على السرب، وكثيرا ما تأخذه نوازع التوق إلى التمرد على الجماعة واختراق أعرافها، وقد يصل به إيغال النزق إلى التطاول على اللغة واستباحة مهابتها وكسر أنساقها· وكلما ازداد الناس منه عجباً ازداد بنفسه افتتاناً· أما نقد الشعر فهو أن تكون صاحب حق في أن تسكن بيت الإبداع فتختار أن تغادره لتقيم على مشارفه، تطل عليه، صانعاً لك مرصداً كشافاً، إن ناقد الشعر ينتمي إلى الإبداع الشعري انتماء نسب وانتماء ضرورة، بينما ينتمي الشاعر الى النقد انتماء صدفة أو انتماء اختبار· في الدائرة الأولى بتشكل الحس النقدي وفي الدائرة الثانية يتشكل التواصل عبر الخطاب النقدي''·
وحول عملية التلقي قال المسدي: في ما مضى كان نقد الشعر قائماً على ما يتلقاه القارئ منه مفترضاً أن ما تلقاه هو تماماً جوهر ما قصد إليه الشاعر، ثم تحولت وجهة النقد فأصبح قائماً على ما يحس به المتلقي أو يستشعره دونما ارتباط حتمي بمقاصد الشاعر من شعره، ولكن التخاصب الجدلي بين الرؤيتين قد أفضى إلى بروز النص كسلطة قائمة بنفسها، وكان ذلك إيذاناً باعتلاء اللغة ومختلف أنظمتها الذاتية المتضافرة على صوغ الدلالة المنزلة القصوى، فتدحرجت إلى السفح سلطة سائر العناصر المتآزرة على إنشاء النص· ثم ازداد الأمر تعدداً بحكم تطور أنماط القول الشعري ونزوعه الطبيعي نحو امتطاء مركب التبدل التاريخي، وكان للمخاض الفكري العميق الذي هيأ ولادة الحداثة أثره الطبيعي في اشتباك العناصر وتشاجرها، حتى إن سباقاً خفياً صامتاً، دقيقاً جارحاً، قد انبثق بين رؤيتين للحداثة: حداثة في الشعر وحداثة في النقد، ولم تكونا دوما شقين منسجمين فضلا عن التئامهما كشقيقتين متساندتين بالضرورة·

اقرأ أيضا