الاتحاد

تقارير

تونس… وتحديات «الدستور الجديد»

جاكسون ديل
محلل سياسي أميركي


انتهى الأمر بـ«الربيع العربي»، الذي أطلق عليه هذا الاسم خطأ، إلى صراعين مجتمعيين سيحددان ما إذا كان الشرق الأوسط سينجح في الانضمام إلى العالم الليبرالي والانخراط في عولمة القرن الحادي والعشرين.
وأول هذين الصراعين اللذين سيرسمان ملامح المنطقة هو النزاع الجاري حالياً بين السُنة والشيعة ووصل ذروته الدموية في سوريا.
فإذا لم يسارع الجميع إلى وضع حد للنزاع الطائفي وتسوية الصراع بالطرق السلمية فإننا قد نشهد انبثاق نظام جديد، وخريطة سياسية مختلفة سواء في سوريا، أو العراق، أو لبنان، أو البحرين، ليبقى الأمر متأزماً لسنوات قادمة، بل حتى لعقود مقبلة.
أما الصراع الثاني الذي يؤثر على مستقبل الشرق الأوسط، فهو أقل عنفاً وإن كان لا يقل في خطورته متمثلا في المعركة المحتدمة بين الإسلام السياسي والحركات العلمانية في الدول ذات الغالبية السُنية مثل مصر وتونس وليبيا، بالإضافة إلى تركيا.
فالسؤال المطروح في هذه الدول لا يختلف عن نظيره المثار في البلدان التي تعاني الصراع الطائفي، وهو مدى استعداد الأطراف المتصارعة للقبول بوجود الآخر وإقامة نظام سياسي ديمقراطي يمكنه المصالحة بين وجهات النظر المختلفة والمتباينة.
والحقيقة أن ما يبدو حتى هذه اللحظة لا يبعث على التفاؤل، فبدلاً من بناء التوافق نشأت حالة من الاستقطاب الحاد بين القوى الإسلامية ونظيرتها العلمانية في مصر مع تنامي الأصوات المتطرفة على الجانبين.
أما في تركيا فقد أظهرت أحداث الأيام القليلة الماضية الانقسام بين الطبقة الوسطى المدنية والحركة الإسلامية، التي وإنْ كانت بعيدة عن التطرف إلا أنها باتت أقل تسامحاً.
وعلى غرار الرئيس المصري، محمد مرسي، ينتمي الزعيم التركي، رجب طيب أردوجان، إلى نفس النظرية الديمقراطية، التي بموجبها يحصل الفائز في الانتخابات على كل شيء ويحق له فرض أجندته على غيره من الصحفيين والقضاة والأقليات واكتساح كل من يقفه في طريقه، فهل يوجد في الشرق الأوسط من هو قادر على انتهاج أسلوب قابل للتطبيق ويبتعد عن الإقصاء؟ ربما لا، لكني تلقيت إشارات مشجعة خلال الحديث الذي أجريته في الأيام الأخيرة مع قائدي حركة «النهضة» التونسية، وهما مؤسسها، راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة السابق، حمادي الجبالي، فقد بدا الرجلان وكأنهما يفهمان متطلبات مرحلة ما بعد الثورات العربية والمبادئ التي يتعين على الإسلاميين خصوصاً استيعابها.
وفي هذا السياق يذهب الغنوشي البالغ من العمر 72 عاماً، والذي قضى أغلب سني حياته إما في المنفى، أو السجن، في تحليله للوضع بالمنطقة العربية إلى تشبيه ما يجري فيها بما شهدته أوروبا خلال القرون الوسطى، قائلا «نحن أيضاً أمضينا بين خمسة إلى ستة قرون في الظلام، حيث توقفت ملكة العقل عن العمل» مضيفاً أن «هذا الموروث من الانحطاط»، ولد فكراً مغلوطاً بأن «حصر الشريعة في مسألة الحدود»، ليخلص أن «المشكلة الأساسية أن نقنع الناس بأن الشريعة الإسلامية هي العدالة وحقوق الإنسان والمساواة ونشر السلام، وأعتقد أننا في تونس لدينا فرصة لإعطاء صورة عن إسلام يتوافق مع أهم قيم العصر الحديث، ذلك أن قيم الحداثة الحقيقية المرتبطة بالعلوم والقيم الكونية لا يمكنها أن تتعارض مع الإسلام».
لكن ماذا يعني ذلك على أرض الواقع؟ كل من الغنوشي والجبالي أكدا أن أولى النقاط التي بدأت بها حركة «النهضة» كانت التخلي عن فكرة الأغلبية التي اعتنقها مرسي وأردوجان، حيث أوضح الجبالي الذي من المحتمل أن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، قائلا «علينا أن ننتقل من إطار الأغلبية الحزبية إلى الأغلبية المجتمعية، وعلينا أن نستمر على هذا الحال على مدى الخمس إلى العشر سنوات المقبلة وعندما نصل إلى نضج الديمقراطية الأميركية يمكننا وقتها تطبيق مبدأ 51 في المئة».
وفي هذا السياق فاخر الرجلان بالتنازلات التي قدمتها «النهضة» خلال المفاوضات الطويلة لصياغة دستور جديد لتونس بما فيها استبعاد الشريعة والنص على حرية الضمير، ومع ذلك ما زالت مسودة الدستور في نسختها الرابعة محط معارضة العديد من العلمانيين والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، فضلا عن لغتها الفضفاضة التي تفتح الطريق أمام التحكم في حرية الإعلام والتجمهر.
ورغم هذه النقاط السلبية امتنعت حركة «النهضة» التونسية عن السير في الطريق الذي مشى فيه مرسي في مصر عندما فرض نسخة من الدستور دون دعم العلمانيين، وهو ما علق عليه الغنوشي قائلا «صوت ثلثا المصريين على الدستور، إلا أن الثلث الباقي لم ير نفسه فيه، وهو ما لا نريده في تونس».
لكن تظل المشكلة الأساسية بالنسبة لحركة «النهضة» ليس العلمانيين، بل الإسلاميين المتطرفين، فبعد التسامح مع حركة أنصار الشريعة لفترة طويلة، منعت الحكومة أخيراً مؤتمرها السنوي خلال الشهر الماضي ما أدى إلى موجهات في الشارع، هذا في الوقت الذي يخوض فيه الجيش التونسي معركة ضد الجهاديين المرتبطين بـ«القاعدة» في الجبال الغربية بعد استفادتهم من الأسلحة الليبية.
ووسط هذه الاضطرابات يبقى السؤال ما إذا كان «النهضة» ستنجح في تحقيق هدفها المتمثل في التوصل إلى اتفاق حول الدستور الجديد مع القوى كافة وتصديقه في استفتاء عام يقود إلى تنظيم انتخابات جديدة مع متم هذا العام، ولو استطاعت «النهضة» القيام بذلك فإنها قد تعطي نموذجاً لكل العرب في كيفية الجمع بين القيم الديمقراطية وقيم الإسلام».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا