الاتحاد

الملحق الثقافي

بين قراءتين: استهلاكيّة ومُنتجة

لقد اغتدت القراءة الأدبيّة أشبهَ ما تكون بالبضاعة المستهلَكة، وكلّ ما في الأمر أنّ هذه البضاعة ليست مادّيّة يُرتفَق بها في الحياة، ولا غِذائيّة يُتقوَّت بها على الموائد؛ ولكنها بضاعة تندرج ضمنَ عُصارة الفكر، ونِتاج الخيال، وثمرة الإبداع؛ فأنْ تكتبَ أدباً لا يعني ذلك شيئاً كثيراً إذا لم تجد قارئاً يقرؤُك، ولا يقرأ كتابتك قارئٌ إلاّ إذا نَشر كتابتك التي تمثّل كتاباً دار نشْر، وتكفّلت هذه الدار، أو غيرُها من الدُّور، بتوزيع كتابك الذي يمثّل كتابتَك، أي بضاعتك الفكريّة· وتطلق الناقدة الفرنسيّة جولييت راب (Juliette Raabe) مصطلح ''الأدب الاستهلاكيّ'' على كلّ الكتابات الروائيّة بأنواعها المختلفة، وموضوعاتها المتباينة، من جنسيّة وتاريخيّة إلى حربيّة وتجسّسيّة وبوليسيّة، إلى غيرها·
والحقّ أنّ القارئ العاديّ، المتحضّر الراقي، حين يمرّ بمكتبة تجاريّة، ويعجبه كتابٌ ما، فيشتريه، فهو إنّما يشتريه من أجل أن يقرأَهُ، وقراءته هذه إيّاه ربما عُدَّتْ ضرْباً من الاستهلاك لهذا الإبداع الفكريّ· وغاية القراءة الاستهلاكيّة تتوقّف لدى هذا الحدّ، أي أنّ القارئ حين يقرأ، فإنما يكون ذلك من أجل القراءة الخالصة، أو يقرأ من أجل الاستمتاع، أو يقرأ من أجل التعلّم والاطّلاع، غير أنّه في كلّ الأحوال لا يقدر على كتابة شيء من حول هذه القراءة التي يتوقّف دورُها التأثيريّ لدى هذا المستوى···
وإنّما القراءة الْمُنتجةُ هي التي تجاوز هذا المستوى إلى ما وراءه؛ ذلك بأنّ القارئ المحترف حين يُقبل على قراءة كتاب ما، قد لا يأتي ذلك إلاّ وفي ذهنه أنّه يكتب شيئاً عن القراءة التي مارسها على ذلك الكتاب، فيحاول أن يكتب عنه ما كان يريده في أصل الغاية؛ فهذه، إذن، هي القراءة المنتجة التي يمكن أن نطلق عليها أيضاً ''القراءة الاحترافيّة''، وعلى القراءة الأولى: ''القراءة الهاوية''· وعلى أنّنا لم نرَ أحداً من النقّاد عرَض لهذه المسألة اللطيفة فميّز بين القراءتين الاثنتين اللّتين ما أبعدَ ما بينهما من غاية·
ولا نعتقد أنّ القراءة المنتجة أعلى من القراءة المستهلكة بالضرورة، وكلّ ما في الأمر أنّ القراءة المنتجة تُفضي إلى إنشاء خلْقٍ جديدٍ من الكتابة التي تغتدي هي أيضاً مجالاً للقراءة الاحترافيّة غالباً· في حين أنّ القراءة الأولى قد تكون أوسع جماهيريّةً، وأكثرَ سَواداً، فتُفضي إلى نشْر الوعي المعرفيّ بين النّاس، وترقية السلوك الثقافيّ بينهم· والأدب الواسعُ الاستهلاكِ، في عهدنا الراهن، قد يمثُل أساساً في الكتابات الروائيّة التي أصبحت الأدبَ الأكثرَ مقروئيّةً في العالم، فالمطابع في العواصم الأدبيّة الغربيّة (باريس، لندن، نيويورك، فرانكفورت، وحتى موسكو ومدريد···) أصبحت تدور في الليلَ والنهارَ لتُخرج ملايينَ النسخ من العمل الروائيّ الواحد الذي يستهلكه القرّاء في أقلَّ من شهر واحد، فيتجدّد الطبع، ويتكرّر النشر، وتزداد الحركة الاستهلاكيّة للأدب نشاطاً ودينامِيَّةً·

اقرأ أيضا