الاتحاد

الملحق الثقافي

لوحات الطبيعة

مع أن الجزء الثالث من كتاب ''المحب والمحبوب··'' مخصص للمشموم؛ أي العطور والرياحين والزهور بأنواعها المختلفة، وما قيل فيها من شعر سمي بعد ذلك بالزهريات، فإن النماذج التي يوردها جامعه الشاعر ''السريّ الرفّاء'' تدور في معظمها حول المعطيات البصرية أكثر ما ترتبط بحاسة الشم· ويبدو أن توزيع مفاتن الطبيعة بتجلياتها الجمالية في بؤرة الفن لا يتم بمراعاة العدل بين مختلف الحواس التي لا ينفصل بعضها عن بعض، فيكفي أن يرسم الشاعر لوحة طبيعية تتجلى في الصور البصرية حتى تنشط بقية الحواس لالتقاط ذبذباتها وتشغيل الساكن منها بالإيحاء والتداعي· وكان للجداول والأنهار والمياه نصيب وافر من شعر الطبيعة في المشرق العربي الذي يعتمد عليه المؤلف يكاد يوازي ما توافر في الشعر الأندلسي الذي اشتهر وحده بغلبة هذه الظواهر عليه· يقول ''السريّ'' في هذا الباب وعلى ذكر المياه وقراراتها أحسن الصنوبري في صفة البركة بقوله:
يا حسنها من بركة أُفردت
بالحسن إحسانا من الواهب
كأنما الأعين فى قعرها
راسبة إثر القذى الراسبِ
بين بساتين ميادينها
من سارق لِلّب أو غاصبِ
ما بين مصبوغ بلا صابغ
وبين مخضوب بلا خاضب
وجدولٍ ينسلّ من جدول
مثل انسلال المرهف القاضب
والطير من مستبشر ضاحك
فيه ومن مكتئبٍ·· نادبِ
وصادح أنسا إلى حاضر
وهاتف شوقا إلى غـائب
ولا يكفى أن نقول عن هذه الأبيات إنها تتميز بما سُمّي في النقد بعد ذلك بأنسنة الطبيعة وخلع الصفات الحيوية عليها، فمطلع النداء في المقطوعة يجعل الجمال ـ وكلمته التراثية هي الحسن ـ مناط التأمل والإعجاب المفتون المتكرر، وهو يتمثل في بركة صغيرة تندفع فيها المياه كأن العيون الجارية تقيع مع الترسبات في قاعها، فتنتشر بين البساتين العريضة التي تسرق الألباب وتسبي الناظرين· وهي في تجلياتها الفطرية تضاهي وتتفوق على الجمال المصنوع، فالألوان التي تتراءى فيها تبدو صبغا بدون صابغ، وخضابا بلا خاضب، وجداول تتناسل بدعة وتنسل برهافة من جداول أخرى كما تنسل السيوف اللامعة المرهفة، وهي فوق ذلك مفعمة بالحياة الصاخبة، فليست من قبيل الطبيعة الصامتة الخرساء، فالطيور تصدح فيها بالغناء المستبشر الضاحك تارة والشجيّ الأٍسيان تارة أخرى، ما بين فرحٍ ببهجة الحضور، وهاتف من لوعة الشوق إلى الغائبين· هذا الروح الذي يسري إلى الطبيعة من كلمات الشعر يحيلها من أشكال جامدة إلى عناصر حيوية مفعمة بالمشاعر الإنسانية، فيمنحها مذاقا جماليا تشكيليا نابضا بالفن والجمال·
وللصنوبري لوحات أخرى بديعة في وصف البرك أو البحيرات الصغيرة منها هذه الأبيات التي لا تحتاج إلى تعليق، لفرط حركيتها وسلاستها وتدفقها:
وبركة منظرها يُطربُ
للماء فيها ألسنٌ تعـربُ
تحسبها من طول ترجيعها
دائما تنشدُ، أو تخطبُ
كأن فوّاراتها وسطها
إذا ترامت لُعبٌ تلعبُ
من يمنة فيها ومن يسرة
قنطرة واقفةٌ·· تذهبُ

اقرأ أيضا