الاتحاد

دنيا

سوق الخزف في «آسفي» يسرد فصلاً من التراث والثقافة المغربية

سوق الخزف يحافظ على مكانته في المغرب (الصور من المصدر)

سوق الخزف يحافظ على مكانته في المغرب (الصور من المصدر)

يقبل الناس على زيارة سوق الخزف الموجود في قلب المدينة القديمة وجهة لهم، خاصة أيام العطل والأعياد، فالمغاربة متعلقون بتراثهم والخزف المغربي له قيمة عالية في نفوس المغاربة، ولا يمكن أن تجد بيتاً من بيوتهم لا توجد فيه الأواني الفخارية المزينة برسومات ونقوش تنهل من التراث المغربي، ولكل قطعة من الخزف رسومات ونقوش لها دلالتها، والتمسك بالتراث الخزفي لدى المغربي يعكس تمسكه بقناعاته الوطنية والثقافية، ولا يمكن المساومة على ذلك أو مناقشته، ولا يزال الخزف المغربي يحتل مكانة لدى الأسر المغربية.


محمد نجيم (الرباط) - يقف الزائر مندهشاً معجباً بكل أحياء وأزقة مدينة أسفي، المدينة القديمة والغنية بمآثرها العمرانية التي تصارع منذ أزمنة وقرون من أجل البقاء، مروراً بقلعتها الشامخة، «قصر البحر»، التي بناها المحتل البرتغالي في القرن الـ 15، ولا تزال إلى اليوم تقف شامخة شاهدة على عظمة الهندسة الحربية، وصولاً إلى مساجدها العريقة، وكنائسها التي شيّدت خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب.
وعلى الرغم من إغراق الأسواق بالأواني الخزفية الصينية، إلا أن المستهلك المغربي لا تغريه هذه المنتجات، حيث إنه يحترم ويقدُّر ما تبدعه يد الصانع المغربي الماهرة التي تستنطق الألوان وتعرف كيف تزّين الأواني والتحف الخزفية برموز ورسوم مُتجذرة في الوعي الثقافي المغربي، كما أن الخزفي المغربي يستجيب لطلبات الزبائن فيستجيب لطلبات المستهلك برسم رسوم أو بكتابة أسماء على الأواني والتحف الخزفية التي يشترونها بأثمان زهيدة، فهناك من يطلب من الخزفي كتابة اسمه وتاريخ ميلاده على القطعة الخزفية التي يشتريها منه. وهناك من يطلب كتابة اسم حبيبته أو زوجته أو خطيبته.
انسيابية الخطوط
ونلاحظ أن هذا البائع يكتب الأسماء بخط مغربي أصيل، لا يخلو من الجمالية والشاعرية والحس الفني الرفيع والدفق الشاعري الذي يخلقه الفنان الخطاط من انسيابية الخطوط، مع تناغم الألوان، ويمنح هذا الخط للقطعة الخزفية قيمة فنية أخرى، تُفرح صاحبها ويأخذها معه تذكاراً من مدينة أسفي، إلى مكان إقامته.
ويؤكد مسؤول بمدينة آسفي، أن الخزف الذي يُصنع في مدينة أسفي هو من أرفع أنواع وأصناف الخزف المغربي، وأضاف أن السائح الأوروبي يأتي إلى هنا لاقتناء خزفيات جميلة بأثمنة زهيدة لا تُثقل ميزانيته مضيفاً: أن السائح الأوروبي أو الأميركي حين يشتري من هذا السوق قطعة خزفية، يعطيه البائع قطعة أخرى مجاناً، وفي غالب الأحيان تكون القطعة المهداة أغلى من تلك التي دفع السائح ثمنها.
وقالت سيدة من مدينة فاس، إنها جاءت من مدينة فاس لزيارة عائلة زوجها التي تُقيم في آسفي، وقد زارت سوق الخزف رفقة ابنها البكر الذي طلب منها تذكاراً خزفياً من سوق الخزف، واشترط عليها أن يرسم لها الخزفي شعاراً لفرقة كرة القدم الذي يُحبها، وقد حقق الخزفي رغبة ابنها فرسم، في دقائق معدودة، شعار النادي الكُروي، وهكذا صنع الخزفي فرحة الأم والابن معاً، وهي الفرحة التي لم تكلفه إلاَّ لمسة وبراعة يده، وبعض الألوان التي مزجها ليصنع منها اللون الذي يحمله شعار النادي المطلوب من طرف الزبونة وابنها.
تل الخزف
ولا تنتهي جولتنا في سوق الخزف الشهير في مدينة آسفي، من دون زيارة تل الخزف، المكان العريق الذي يتخذه الخزفيون لصناعة الفخاريات، منه تصدر إلى بقية المدن المغربية.
وقد حقق هذا التل شهرة واسعة إذ أنجزت عنه العشرات من الدراسات الميدانية، وفيه صدرت العشرات من البرامج الوثائقية التي تسلط الضوء على تاريخ المغرب وتاريخ صناعة الفخار والخزف المغربي الذي حقق شهرة مغربية وعالمية بفضل جودته ومهارة الخزفي الذي يبدع أشكاله ويطورها، مع الحفاظ على أصالتها المغربية، لتبقى صامدة تسحر الألباب وتخطف الأبصار بألوانها ونقوشها الزاهية، فالقطعة الخزفية، قطعة قبل فنية، تنتصر للجمال، وتحبل برموز ونقوش مغربية رائعة، ومحمَّلة بالإيقاع اللوني الفاتن.
طابع الأصالة المغربية التي لا تخطئها العين
ويقول السيد علي الذي يملك محلاً لبيع القطع الخزفية في سوق الخزف بمدينة أسفي: إن الفخار الآسفوي «نسبة إلى مدينة آسفي»، من الصناعات التقليدية التي تشتهر المدينة منذ عقود طويلة من الزمن، وتعتبر هذه الصناعة من النسيج الاقتصادي لساكني المدينة، ويتم صنع الأواني الخزفية بمهارة عالية من طرف خزفيين لهم تجربة طويلة في الميدان، ويبتكرون أشكالاً جديدة مع مرور الأيام، لكن من دون أن ينسلخوا عن الجذور الأصلية التي تركها الأجداد، وجعلوها أساساً لا يمكن المساس بها عند صناعة الخزف الآسفوي الذي يحمل طابع الأصالة المغربية التي لا تخطئها العين.
صناعة الخزف
ويضيف: هناك ركود مسَّ صناعة الخزف في هذه المدينة، لكننا لن نستسلم، ولن نترك محلاتنا أو نغير حرفتنا بحرفة أخرى، لأننا نحب الخزف، ونحب هذا الإرث الذي ورثناه عن أجدادنا، وهو ارث نفتخر به ونعتز به، ولا يمكن أن نهمل هذا الإرث على الرغم من الركود وغلاء المواد الأولية والأساسية لصناعة الخزف، فإننا نعطي لإبداعاتنا الخزفية كل ما نملك من وقت وجهد حتى نكون عند حسن نية الزبائن، وحتى يبقى الخزف الذي يُصنع في مدينتنا من أحسن الأنواع التي تُرضي المستهلك المغربي أو السائح الأوروبي.
موروث إسلامي عربي أمازيغي
أما الباحث المغربي كريدية إبراهيم فيقول: إن الفضل فيما حققه الخزف في هذه المدينة يرجع إلى الفنان الراحل بوجمعة العلمي، وهو جزائري الأصل والمولد والنشأة، وفرنسي الجنسية، والمولود في سنة 1890، بقرية تدعى القلعة بالقبايل العليا، في الجزائر، وحين حلَّ الفنان بوجمعة العلمي بمدينة آسفي، موفداً لمصلحة الفنون الجميلة، وجد صناعة الفخار الفني الآسفي تصارع البقاء، على مستوى عدد المعامل والمحترفات الباقية، إذ لم يبق منها سوى ثلاث، وعلى مستوى عدد العاملين بها من المعلمين، فعددهم بها صار لا يتجاوز معلمين اثنين، وكذا على مستوى تراجع الإنتاج والتقنيات المتوارثة عن معلمين فاسيين سابقين، وعلى مستوى المداخيل والأرباح، حتى أصبح العمل بهذه الصناعة مقروناً بالفقر والبؤس.


الفخار الآسفي يتميز بالخصوصية
حقق الفنان بوجمعة العلمي إنجازات داخل حدود الموروث الثقافي، المرتبط بهذه الصناعة العريقة، حيث أنقذها وطورها وأغناها ووسع شهرتها، وقد أعطاها نفساً جديداً، وأكسب الفخار الآسفي خصوصية، باتت تميزه حتى اليوم عن غيره من أنواع الفخار المغربي، وتسمو بمنزلته إتقاناً وتنوعاً وجودة، وأذاع شهرته ليس في المغرب وإنما في كل العالم تقريباً، عبر ما كان ينظمه من معارض، ويلقيه فيها من محاضرات واستجوابات، وما ينشره حولها من مطبوعات، ابتداءً من سنة 1922، داخل المغرب وبفرنسا ودول أخرى، وحمل إدارة الحماية على حماية هذا الموقع، وتصنيفه ضمن المواقع الأثرية المطلوب حمايتها وتخليدها، وذلك بإصدار مرسوم بهذا الشأن بتاريخ 19 نوفمبر 1920.

اقرأ أيضا