الاتحاد

الملحق الثقافي

القرد في زمانه

يومئ المعرّي في ''رسالة الغفران إلى ما آل إليه أمر الأمة حين ابتليت بحكّام ظَلَمَةٍ، فيطفح كلامه بنوع من الشّجن المكتوم، لا سيما حين يجزم بأن الناس في زمانه اعتبروا المذلّة قدرا وتناصحوا قائلين: ''اسجدْ للقِرْدِ في زمانه وقُلْ لَهُ يا مَلك الزمان''· حتما كان المعري يصدر عن وعي تاريخيّ واضح بأن جور الحكام سيظل يقتاد الأمة إلى خرابها جيلاً بعد جيل· وهو إنما اختار لُزُومَ بيته ونذر على نفسه أن لا يمدح أحداً من حكام زمانه لأنه كان على وعي بأن السلطة والجريمة صنوان في التاريخ العربي· والناظر في المتون العربيّة القديمة يلاحظ أن الخيال يعجز عن ابتداع نموذج يعادل في فظاعته وقسوته ووحشيته صورة المستبدّ التي ترسمها تلك المتون حين تحدّث عن الحاكم العربي منذ الغساسنة في ما قبل الإسلام· لذلك كثيراً ما تنفتح الصورة التي ترسمها المتون القديمة للشّراسة التي واجه بها الحكام الناس، على الوحشيّ والفظيع والمروّع· فالخليفة المملّك على الناس، الرّاعي أمور دينهم، السّاهر على أمور دنياهم، هو نفسه يمكر حتى بأهله وأقاربه؛ فيوهمهم بالأمان ويستدرجهم إلى مجلسه حيث يقتلهم ذَبْحاً على مرأى من أقاربه وحاشيته·
ينقل الطبري مثلاً ما فعله عبد الملك بن مروان بعمرو بن سعيد بن العاص، فيكتب: ''دخل عمرو، فرحّب به عبد الملك وقال: ههنا يا أبا أميّة يرحمك الله، فأجلسه معه على السرير وجعل يحدّثه طويلاً، ثم قال يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنّا لله يا أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: أَوَتَطْمَع أن تجلس معي متقلّدا سيفك؟ فأُخِذَ السيف عنه، ثم تحدّثا ما شاء الله·· ثم إن عبد الملك قال: يا غلام ائتني بالحربة، فأتاه بالحربة، فهزّها، ثم طعنه بها، فلم تجز، ثم ثنّى فلم تجز، فضرب بيده على عضد عمرو، فوجد مَسَّ الدّرع، فضحك ثم قال: ودَارِعٌ أيضاً يا أبا أميّة! إن كنت لمعدّا، يا غلام ائتني بالصمصامة، فأتاه بسيفه، ثم أمر بعمرو فَصُرِعَ، وجلس على صدره فذبحه·· وانتفض عبد الملك رِعْدَةً، وكذلك الرجل زعموا يصيبه إذا قتل ذا قرابة له، فحُمِل عبد الملك عن صدره فوُضع على سريره·· وأُلقي رأس عمرو إلى الناس وإلى أصحابه''·
هذه العلاقة المروّعة بين السلطة والناس الذين أخضعتهم بالغلبة والقهر هي التي جعلت الغزالي ينصح متلقيه قائلا: ''أما الرجلان فاحفظهما عن أن تسعى بهما إلى باب سلطان ظالم فإن المشي إلى السلاطين الظلمة معصية كبيرة''· وهو الذي جعل الخطابي البستي يجزم في ''كتاب العزلة'' قائلا: ''إن على أبواب السلاطين نَتْناً كمبارك الإبل والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئاً إلا أصابهم من دينكم مثله''· عبثا قَرَنَ ابن خلدون بين الظلم وزوال العمران· وعبثا شهّر الكواكبي بطبائع الاستبداد· عبثا· عبثا·· وقبض الريح·

اقرأ أيضا