الاتحاد

رأي الناس

القدس.. صرخة لإنقاذ السلام

صدمة كبرى وجهها ترامب للقضية العربية الأبرز والأقدم، فإعلان الرئيس الأميركي عزمه نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، أشبه بصب الزيت على النار، أو بالأحرى، إعادة الصراع العربي - الإسرائيلي إلى مربعه الأول.. ولنا هنا وقفة كبرى.. فبدلاً من أن يتم تركيز السياسة الأميركية على استئناف مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، وبعد 7 سنوات من خلط الأوراق في المنطقة جراء موجات «الخريف» أو بالأحرى «التهريج العربي»، الذي جعل بفوضاه وهلوساته القضية الفلسطينية تتراجع كثيراً في أولويات الشعوب العربية، ها هي إدارة ترامب، تتخذ خطوة أحادية، لا طائل من ورائها سوى رفع أصوات المتطرفين، وفتح الباب مجدداً أمام المتاجرين بالدين.
ما يحزنني أن جهود السلام المخلصة- التي أقدم عليها الرئيس المصري أنور السادات ودفع حياته ثمناً لها، وكذلك اسحق رابين، الذي اغتاله التطرف الصهيوني- ذهبت سدى، فتارة ينشغل العرب بقضايا هامشية، وأخرى يتم استهداف المنطقة بتدخلات خارجية وصراعات إقليمية على النفوذ، وفي كل مرحلة ينسى المجتمع الدولي القضية الفلسطينية، ونعود من جديد إلى إعادة تعريفها وشرحها في المحافل الدولية، كي لا يعلو صوت تل أبيب على صوت الفلسطينيين الرازحين لأكثر من نصف قرن تحت ربقة احتلال لا إنساني في القرن الحادي والعشرين.
القضية الآن لا تحتاج إلى العبث السياسي، ولا للارتجال الذي يبدد الجهود، ويعيد التوتر بوتائر مخيفة إلى المنطقة. والبديل الوحيد هو العودة من جديد لمساعي السلام والتسوية وإحيائها وإلا ستنزلق المنطقة أكثر وأكثر في أتون التطرف، ولن يكون تطرفاً من المسلمين فقط، بل سنجد تطرفاً يهودياً، وصعوداً لتيارات يمينية دينية تجعل المنطقة تشتعل بحرب دينية.
إدارة ترامب اخطأت بإفصاحها الآن عن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، لأنها بذلك تقول للمعتدلين قبل المتطرفين، إنه لا أمل في التسوية ولا جدوى من أوسلو وما بعدها من محاولات جادة للتسوية وإحياء سلام الشرق الأوسط.
إن أكبر خطأ وقع فيه المجتمع الدولي عند التعامل مع المظلمة الفلسطينية الكبرى هو أنه استسلم لوضع سيناريوهات حلها بعيداً عن أروقة المجتمع الدولي، فلا شك أننا الآن على يقين تام بأن الوسيط الأميركي لم يعد «وسيطاً» لأنه يتدخل بأحادية فجة ويغير من المشهد لصالح تل أبيب ويترك الفرصة سانحة أمام كل المشككين في مساعي السلام، وهؤلاء كُثر، وكل منهم يبكي على ليلاه، ذلك لأن معظم المشككين في عملية السلام، يتاجرون في دماء الفلسطينيين، فها هي إيران استقطبت منذ عقود «حماس» و«الجهاد الإسلامي» لتعميق الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، وها هي تيارات الإسلام السياسي تجتهد من أجل زعزعة استقرار المنطقة وخلخلتها أمنياً كي تنشغل الأنظمة المستقرة بالاعتبارات الأمنية وتنسى التسوية السلمية والمشاريع التنموية.
والقدس ستضل عربية إسلامية رغم كل التعجيزات التي بدأها ترامب، وإذا كان السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي، فإن العرب لديهم أيضاً العديد من أوراق اللعبة، وهناك اتجاه عالمي للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، والعرب بدأت تتغير قناعاتهم بضرورة السفر إلى القدس ومؤازرة أشقائهم المقدسيين، وعدم ترك الساحة للكيان الصهيوني والمتطرفين، ولازال العالم ينظر لإسرائيل على أنها دولة احتلال في القرن الحادي والعشرين، أما قرار الرئيس الأميركي فلابد من العدول عنه بشكل أو بآخر، وقريباً.

مراد نور الدين- العين

اقرأ أيضا