الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعر متفرّد يصدح خارج السرب

ضمن منشورات جامعة سيدي محمد بن عبدالله سلسة الإبداع، صدر مؤخرا ديوان جديد للشاعر المغربي الدكتور محمد السرغيني تحت عنوان غريب وهو: ''وصايا ماموث لم ينقرض''· وقد جاء هذا الديوان في 216 صفحة من الحجم المتوسط، ويأتي هذا العمل بعد دواوين الدكتور السرغيني الأخرى وهي: ''من فعل هذا بجماجمكم''، ''بحّار جبل قاف''، ''الكائن السبائي''، ''وجَدتك في هذا الأرخَبيل''، ''ويكون إحْراق أسمائه الآتية''·
يتضمّن هذا الديوان بنى أسطورية مهمة، وينفتح على المُثل العُليا للكون، يحتوي على تضاريس الكون: الثقافات، والهويات، أي أن الشاعر في هذا الديوان ينزع إلى مَحكي كوني بامتياز· يكتب السرغيني في مفتتح ديوانه: ''كتبت مباشرة بهذه المجموعة من المواد: الصمغ والجليد والقصب والشمع والفولاذ والأفكار· كانت النتيجة أن الصمغ تمنّع على أوراق البردي، وأن الجليد تزلجت فوقه مواخير العالم، وأن القصب طالب بحصّته من تراث الغابة، وأن الشمع قمع أشعته جبرا لخاطر عود كبريت، وأن الفولاذ اتهم مرونته بالتواطؤ مع العصر الزجاجي، وأن الأفكار الأبكار لم تُنْتشلْ بعد من مخطوطاتها الثّيبات· أقصيت الندم الجبري عما فعلت· الفرص عديدة والقابل منها للانتهاز لا يضيع إلا مرة واحدة على رأس كل ثلاثة أجيال· كسّر الرعد والبرق والريح والمطر الطوفاني كبرياء أسلاك الكهرباء المتلاحمة''· ثم يقول ''عمت الظلمة· أعلنت الوكالة المستقلة لتوزيع الكهرباء عن إصابة النور بطمث سابق لأوانه· وإذ جلست إلى الفقرة الأخيرة في كتاب إشعاعي، بدت لي في الظلام نماذج مشبوهة من النهارات والظهيرات والأصائل والعشايا· لم ينذّ عن بصري المكفوف حتى الديناصورات الوقح المتبرج في كينونته السينيمائية''·
يقول السرغيني: ''أعرف كيف أجوّف النقطة وأقعّرها· كيف أسوي وضعية الخط المبعوج أو اللولبيّ أو المتجعّد أو الواصل بين جسرين· كيف أميز بين لونين مخصيّ وفحل· أعرف جميع متعلّقات الأعداد بالخطّ الزِّناتيِّ أو بحساب الرمل· أعرف تدعيم القماش بنسيجه، والإطار بزواياه، واللوحة بهديلها· فلماذا لا أرسم؟ تنبّهت إلى أن حياة المادّة سريّة· نبضها فيها· وعليّ نقل حيّادي وهذياني إليها حَيّيْنِ· بدأت ارسم بريشة الذين أحبهم: دوائر وأحياز، نتوءات ومغاور، حفر وقمم· ولمّا حلّت لحظة التلقيح بالحركة وبالتواصل الممكن، بدا لي أنني احترف الرسم بالصيغة الألفبائية، (صيغة حرّضت نفسي بكبير إلحاح على نسيانها) وبدا لي أن من يحاول إبادة المطلق من فضاء اللوحة كمن يرغم السلحفاة على نسيان ازدواجيّتها، على نسيان عهارتها البرّمائية· عدت إلى صوابي· اكتشفت أن الظاهر يحجب باطنه شماتة به· لم أرسم لا قُبَّرَة شتائيّة ولا عروسة بحر ولا طفولة بشفافيّة ملاك· وقفت عند الشيء· أغدقت عليه وابلا من وساوسي· أعددت للماء مكانا لائقا بين اللون وظلّه· توأمت اليد والعين والفرشاة ودفء الحركة والإيقاع· في خلايا متنافرة المعدن متجانسة الدلالة كمال المخلوق· هكذا تابعت الرسم خارج العلامات·لست سجين أرومة واحدة· أنا ابن كلّ الأرومات· طويل من عمره يمتدّ من ''هابيل'' إلى أحداث القرن العشرين، قصير عمر من ميلاده وموته في حقبة أفقيّة أو عموديّة· وريد وودج وعروق وشرايين لضخ الدم· دمي منه الوحدة وفيه الاختلاف، يسيل ولا يتوقّف إلا لتحيّة جسر عائم· مقتنع أنا ببركة العشاء الأخير : طعام جائع يسدّ رمق ثلاثة جوعى''·
كما يعمل الشاعر على تعميق علاقته الروحية بين أقطاب شعرية وفكرية وفلسفية شهدها القرن الماضي وعرفها التاريخ· فنجده يحتفي بأسماء أعلام السياسة والفكر والأدب من قبيل تشي غيفارا، أوديب، المسيح، عام الفيل، فيرجينيا وولف، نيتشه، إرم··· نرى الشاعر محمد السرغيني ينفتح على الأسطورة وعلى التحليل النفسي، وينفتح ويستحضر أشعارا فانية ومتون مستذكرة، كما ينفتح على التاريخ والحضارات ''البساطلة، ''الهكسوس''، ''العثمانيين''·
تظهر ثقافة الدكتور محمد السرغيني وأستاذيته وموسوعيّته في ما يكتب من عوالم· يُؤثر ويَتأثّر بالتجارب الشعرية التي عرفتها الحداثة الشعرية والعربية والعالمية، لكن يبقى عالمه متفردا يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل في الشعر ليصنع عالما ضاجا يصعب حصره· ننصت إليه حين يقول: ''دهاليز مظلمة رغم بياض الثلج المتساقط عليها في الشهر الأول من السنة الأولى في هذا القرن الملحميّ: وطواط جبليّ يتحرّش بمجتمع نمل تاريخيّ، وكتيبة جنود يحصون في العراء ما غنموه من أسلاب، وجيل كالصاعقة لا أذكر اسمه وصرّاف مدلّس يعدّل ميزان القوّى المتصارعة، وكواكب ماؤها أصدق من الرؤى، وفواكه الحلم طعمها الليليّ نهاريّ·
يعتقد البعض أنني سوف أترك بعد هجرتي من يتذكّر ضخامة طموحي أو من يقيم مأتما لإحباطاتها، أو من يرى أنها تستحقّ إفلاسا بحجمها· أما أنا فسوف أترك على الحقيبة إنسانا أنا من معدنه، وإنسانة أنا من مبيضها الحيّ، ورجالا مستنسخين منّي سلبا وإيجابا، وأشخاصا ارفضهم مقيما وأحنّ إليهم ظاعنا، وغابة أسماء لا ظلّ لأشجارها وامرأة صبيّة استثمرت عواطفي فيها، وملهمة لم تنقذني نقمتي عليها من كآبتها، وسِفْرا حيّا شُلَّت عن كتابته يمناي· الانسجام واسع جدُّ واسع· في سواحله بؤرة ارتكاز زئبقيّة· لكنّ الفوضى أكثر اتّساعا وأقلّ بيروقراطيّة، فلا سواحل لها ولا محاور قطبيّة تدور حولها· فرضيّاتها ومسلّماتها تغيّر جنسها بتدخّلات طبّية· وما يوضع الحجر الأساسي لبيت الطاعة حتّى يصبح مشروع قمع الشغب الرصين جاهزا متراوحا بين الاتباع والابتداع· أنا هنا محاصر بين هذين الاختيارين·لم أفعل شيئا مهمّا بحواسّي غير تبذير الإمكان رغبة في الحلم· أحببت أن أكون جائرا فكُنْتُهُ بعنادي الفطريّ/ المكتسب· أحببت أن أتمرد لكي أنقح ''كُوجيطُويَ'' من الشوائب والطفيليّات· سبقني ''الكوجيطو'' إلى التصفيق بكفّ واحدة مع الغائبين لتمرير صفقات ومشاريع وهميّة· أحببت أن يقف الزمان إجلالا للمزولات التي تضبط نبضاته· وقف الزمان إجلالا لماضيه وفاجأني مخضرما متنقّلا، بيتي على ظهري كالسلحفاة''·
قارئ الديوان يجب أن يكون ملمّا بالثقافات الكونية الحاضرة والغائبة، الحية والميتة· فالسرغيني يستعرض الأسئلة والأخبار ويَصِف عوالم ممكنة وأخرى مستحيلة، يفتح آفاقا للتجربة الشعرية والشُّعورية على آفاق روحية وفلسفية، ففي هذا الديوان نرى الشاعر لا يعير أهمية للشكل فحسب، بل يوسع ما أمكن تجربته لتَسْتَضْمِر مضامين وأشكالا عديدة عن جنس الشعر وما ألِفناه في حاضر شعرنا· وهذا ما يجعل من الديوان مَنْجزا إنسانيا ملحميا والشاعر لا يجنّس ديوانه وهي التفاتة ذكية منه وهو العارف بأمور القصيدة وبواطنها، يتجاوز الشعر ليسْتَضْمِر مدونات أخرى منها ما له علاقة بالذات ومنها ما له علاقة بالمحكي ومنها ما له علاقة بالمُثل والقيم العليا والأسطورة التي تتشكل منها البنيات الكلية للإنسان، يملأ الصفحة حينا ويتلاعب بالبياض كما يشاء يلعب باللغة بحرفية وخبرة قلما تتأتى لغيره من شعراء اليوم·
يتقرب من الكِبار ويستحضر في نصوصه عظماء المدونة الشعرية العالمية يقول: ''رامبو'' مراهقا تقرّب من قات اليمن، و''غوته'' كهلا دوّل عشقه الفارسيّ، و''بوشكين'' يافعا حاور افريقيّة بلغة قيصريّة، و''إليوت'' شيخا ألجم غضبه بكاثوليكيّة مسكونيّة، أما من لازم الحداد على مدى عمره فكثير، المعريّ وابن الفارض ورابعة العدويّة· في حين دأب الباقي من الشعراء الأيتام على الترحّم على أبي الطيّب قبل أن يتأكّدوا من التفاصيل التي ألمح إليها ابن عربي ومن بعده جلال الدين الرومي''·

اقرأ أيضا