الاتحاد

الملحق الثقافي

سلطان العميمي يسرد سيرة وتجربة الشاعر الإماراتي سالم الجمري

يعتبر الشاعر الراحل سالم بن محمد الجمري صاحب ديوان ''لآلئ الخليج'' واحداً من أهم مرتكزات القصيدة النبطية في الدولة في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط، والطبعة الثانية من الكتاب الذي أصدره سلطان بن بخيت العميمي مؤخراً بعنوان ''سالم الجمري حياته وقراءة في قصائده'' عن منشورات هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث تؤكد الشعبية العارمة التي يحظى بها الجمري، باعتباره رائداً كبيراً من رواد كتابة القصيدة الشعبية المغناة، فقد حمل لوناً خاصاً به، واختلف شعره عن شعر غيره من أبناء جيله أمثال: راشد الخضر، أحمد الهاملي، محمد الكوس، راشد بن طناف وغيرهم· لقد مثَل شعر الجمري نموذجاً فريداً في كيفية كتابة القصيدة الشعبية المغناة لعدد كبير من الشعراء ومتذوقي الشعر العامي في الإمارات، انطلاقاً من أنه شكل ثنائياً مميزاً مع الفنان الشعبي المعتزل علي بالروغة·
شمس الشعر
ولد الجمري في دبي العام 1910 م، وفي الخامسة عشرة من عمره بدأت شمس الشعر تشرق على أرض مخيلته، وكان لمجالسته كبار شعراء عصره منذ صغره دور كبير في صقل موهبته التي برزت في ذلك الوقت، فتفتحت آذانه على قصائدهم، إضافة إلى ولعه وإعجابه بقصائد شاعر الإمارات الكبير الماجدي بن ظاهر الذي يعد قمة الشعر الشعبي في الإمارات، كذلك لقائه بالشاعر المعروف مبارك بن حمد العقيلي (1882 ـ 1954 م) وأيضاً الشاعر محمد بن ثاني بن زنيد، واحمد عبد الرحمن بو سنيدة، وخلفان بن يدعوه المهيري· ومن هؤلاء استمد ثقافته الشعرية· ومع نهاية الثلاثينات ترك الجمري منطقة ديرة التي عاش فيها أغلب فترات حياته السابقة، وانتقل إلى الشارقة ليستقر فيها، ويتنقل بينها وبين الحيرة وعجمان محققاً بعض المساجلات الشعرية مع الشاعر علي بن بطي الظفري، وكانت هذه المساجلات أقرب إلى الدعابة بينهما، إذ كان الجمري يمتدح الشارقة ويذكر سعة العيش فيها بقوله:
في الشارقة أنا صرت ملاَك
والله عطاني جنة الحور
وأنهار تسقيني بالأفلاك
أقطف ثمر من لب لغدور
ويرد عليه صديقه علي الظفري ممتدحا دبي:
خسران مصباحك وممساك
لي عدت لا زاير ولا ازور
وإلا أنا في عز مولاك
أصبح وأمسي زين لخصور
السفر الدائم
في رحلة الجمري أحداث كثيرة، ومنها عمله في مهنة الغوص على اللؤلؤ، كما عمل فترة في منطقة الأحمدي البترولية في الكويت، كما انتقل إلى الدمام في المملكة العربية السعودية العام 1952 محترفاً لمهنتي التصوير والكتابة، ثم تعرف إلى شاعر منطقة الإحساء ابراهيم بن دعلوج وتخلل ذلك بعض المساجلات الشعرية والوقوف على إنتاج بعض شعراء شبه الجزيرة العربية أمثال: حمد المغلوث، مبارك بن حمد العقيلي، محمد القاضي، محمد بن لعبون وغيرهم·
بعد ثلاث سنوات قضاها الجمري في الدمام، عاد مرة أخرى إلى دبي ليسجل مرحلة جديدة من حياته المرتبطة بسفر دائم، فبعد أن افتتح له محلاً في سوق السبخة لممارسة مهنة التصوير، اتجه إلى التجارة فسافر إلى الهند وهناك تاجر في الذهب والأقمشة والعطور، وظل لفترة طويلة متنقلاً ما بين دبي والهند وساحل عمان كما وصل إلى سيرلانكا وزنجبار واليمن، وتزامن مع رحلاته كتابة العديد من القصائد التي تلقفها المطرب الكبير علي بالروغة وأدى نحو مئة منها بصوته ومنها:
من ضميري دار دولاب المثل
شفت ظبي يا ملا ماله مثيل
هو خشف لو سولعي وإلا وعل
لو دماني فز من عقب المجيل
هو شعاع الشمس لو بدر كمل
لو ضياني جنديل ومسوي شعيل
هذا الى جانب قصائد عديدة للجمري قام بالروغة بغنائها، وما زالت محفوظة في ذاكرة الناس ومنها: يا حبيب الروح خبرني، مشكور راعي الهدية، لي زارني عشوية، ناح الحمام وشجاني، ويا طير سلم ع الحبيب، وغيرها· وعن تعامل الجمري مع الفنانين الشعبيين يقول: ''تعاملت مع المطرب حارب حسن ومحمد سهيل وغيرهما، وكان لقائي بهم يتم في دكاني بالراشدية ومن هذا المكان البسيط عملت مدرسة غنائية كانت ملتقى للمطربين والشعراء وكنا نتبادل القصائد والمشاكاة والحديث في شؤون الشعر الذي كان ينقل من واحد إلى آخر ''· أما تعاون الجمري مع الفنان محمد سهيل فقد كان في مجموعة من القصائد ومن أهمها قصيدته التي قال فيها:
غزال سلبني وأنا مجبل
رماني برميه على مقتلي
رماني برمية وقال
أعزمك يا هذا على منزلي
الجمري والأغنية الوطنية
لقد تغنى للجمري العديد من الفنانين المحليين ومن بينهم: سعيد سالم وميحد حمد فيما بعد، وبشكل عام يمكن القول إن ذلك شكل علاقة ممتدة ما بين شاعرنا والأغنية الشعبية وهو ما عاد بفائدة كبيرة على شعره الذي حفظ من الضياع، فالكثير من قصائده لا نجد لها توثيقاً سوى ما تغنى به المطربون، وهذا أيضاً ما حدث للقصائد الوطنية التي نظمها الجمري حينما كان متابعاً لمستجدات وتطورات الوحدة بين إمارات الخليج، وكان شعوره وإحساسه الوطني بأهمية الوحدة واضحاً وصريحاً في التعبير عن الرغبة الفعلية والمخلصة لأبناء الخليج كي يتحدوا، ويكفي أن نقرأ القصيدة التي قالها عندما سمع باقتراب موعد الوحدة بين إمارات الخليج، وهو البدوي البسيط الذي لا يشغل منصباً أو يسكن هاجسه جاه أو مصالح أخرى، وفي هذه القصيدة نجده مواطناً عربياً تسكنه القومية العربية ويجري في دمه الشعور بوحدة الدم والتاريخ بين أبناء المنطقة فيقول:
خذت الخبر من عند صوت الساحل
والحمد لله اتحدت الشيخان
والشعب راضي بالتوافق واحد
وطاب الفرح في قلب كل إنسان
وأخبارنا راحت بعيد وداني
وشعوبنا حامين برعمان
من ساحل الدوحة الى الفجيرة
كلنا إسلام وعصبة وإخوان
الشيخ زايد للمعالي يسعى
بالخير والمعروف والإحسان
''لآلئ الخليج'' هو الديوان الوحيد الذي صدر للجمري في حياته، وجمعت فيه بعض قصائده وتمت طباعته في بداية الثمانينات على نفقة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ''طيب الله ثراه''، ومن المهم الإشارة هنا الى أن هذا الديوان عندما صدر نفدت جميع نسخه نظر القلة الدواوين الشعرية الصادرة في ذلك الوقت، وأيضاً للشهرة الكبيرة التي وصل إليها الشاعر على نطاق ساحة الشعر الشعبي، ويعد الديوان في وقتنا الحالي من المطبوعات النادرة، فهو يتضمن 162 قصيدة تقع في 212 صفحة منها 141 قصيدة لصاحب الديوان وما بقي لشعراء آخرين وضع الجمري قصائدهم إعجاباً منه بمحتواها وكونها تعكس مساجلاته الشعرية معهم وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشاعر محمد الكوس، وأحمد بن خليفة الهاملي وحامد ابن خلف· وبالمجمل العام فقد تنوعت قصائد الديوان ما بين الشعر الوطني وشعر الحكمة والمديح والغزل والحماسة والمساجلات والرثاء والألغاز·
لحظات التكريم
من اللحظات المؤثرة في حياة الجمري، لحظة تكريمه في مهرجان الشعر النبطي في 16 من شهر ديسمبر عام ،1981 وأقيم المهرجان تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وكرم إلى جانبه شعراء آخرون هم، عجيل بن عبيد وراشد بن مكتوم وراشد بن طناف وسالم عبد الله خميس وسعيد علي صالح· لقد حصد الجمري العديد من الجوائز، لكنه يعتز كثيراً بحصوله على المركز الثاني في مسابقة الشعر الشعبي بتاريخ 5 مايو من العام 1982 عن قصيدته التي جاء في مطلعها:
غنى الحمام وهيج القلب بغناه
وادعى فؤادي مولع عاشق يرف
متولع يبكي على فقد مضناه
والدمع من عيني جرى ما بعد حفَ
في أيامه الأخيرة كان الجمري يشعر بالوحدة بعد أن أقعده التقدم في السن عن الحركة وألزمه الفراش ونظراً لذلك انقطع عن التواصل مع الناس، وقد صور إحساسه بتلك الوحدة في قصيدة تعد من أواخر ما قاله من الشعر:
يا الله من جفن جفا وحارب النوم
بايت سهير والخلايق نياما
لي من غضت عيني راوي لي حلوم
من جور دهري عقب سبعين عاما
أتذكر أيامي وأنا كنت شغموم
عصر الصبا ومسامرات النشامى
في الثامن والعشرين من فبراير عام ،1991 وفي منزله بمنطقة الراشدية بدبي رحل الجمري، وبذلك طويت واحدة من أروع الصفحات في تاريخ الأدب الشعبي الإماراتي· أما الكتاب الذي صدره لنا سلطان بن بخيت العميمي، فهو وافٍ وشامل لكل مراحل حياة هذا الشاعر الكبير، كما أن مضمونه مكتوب بطريقة لافتة من التوثيق وقراءة القصائد، مع التركيز على البعد الإنساني في حياة الشاعر الحافلة بالتنقل والسفر والتعلم من إبداعات الآخرين مما شكل رافداً مهماً في بناء القصيدة عنده والتي اتسمت بالشفافية والحنين وسرعة التأثير في القارئ·

اقرأ أيضا