صحيفة الاتحاد

تقارير

الصدمة الأميركية: ماذا يريد العرب من ترامب وماذا يتوقّعون منه؟

صدمت مفاجأة فوز المرشح «الجمهوري» دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية العرب، كما فاجأت العالم بأسره، فما من أحد توقّعها واستعدّ للتعامل معها، وللدقّة فما من أحد تمنّاها. اذ أن خيار المرشحة «الديموقراطية» هيلاري كلينتون كان يقترح بنسبة كبيرة استمراريةً لسياسات الرئيس الحالي باراك أوباما في العديد من الملفات الخارجية مع بعض التنقيح، أو تصحيحاً للأخطاء الفادحة التي ارتُكبت في ملفات أخرى تتعلّق جميعاً بالمنطقة العربية. ولذلك لم تكن هناك مراهنة عربية قوية على كلينتون وانما بعضٌ من الأمل والترقّب، بالنظر الى ما كان معروفاً عن خبرتها واقتراحاتها أيام كانت وزيرة للخارجية وما عرضته من نيات وأطروحات خلال حملتها الانتخابية. أما بالنسبة الى ترامب، فلم تكن هناك مواقف عربية مسبقة حياله، لكن هجماته على المسلمين عموماً وسلبية مقاربته للتعامل مع الحلفاء والأصدقاء وكذلك مفاهيمه المستهجنة لـ «مسؤولية أميركا» في حماية الدول الصديقة أثارت هواجس ومخاوف من أميركا جديدة تتأهّب للتخلّي عن التزامات حافظت عليها طوال عقود سابقة. أما وقد حصل غير المتوقّع وبات في البيت الأبيض رجل «غريب» على مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة، وحتى على السياسة الأميركية كما عُرفت لنصف قرنٍ مضى، فإن العواصم العربية الأساسية تشعر كما لو أنها في صدد «تأسيس من نقطة الصفر» للعلاقة مع أميركا، خصوصاً أن الرئيس الجديد لم يفوّت فرصة لتأكيد أنه ينوي إجراء تغيير جذري في طريقة واشنطن في التفكير وصنع القرار كما في إعادة تعريف ما يعتبره «مصالح أميركية»، فضلاً عن أنه صدم الداخل الأميركي قبل أن يباغت الشركاء الخارجيين بأن ما يعرفونه عن «القيم الأميركية» سيكون قيد مراجعة عملية صارمة، ذاك أن القاعدة الشعبية التي استند اليها للوصول الى الرئاسة تختزن كمّاً هائلاً من النقمة على النخبة التي أدارت «مؤسسة الحكم» في واشنطن وتسبّبت، كما يعتقد مؤيدوه وكما عبّر عنهم في خطابه، بكل المصاعب الاقتصادية والأمنية التي شهدتها أميركا، خصوصاً بتهاون تلك المؤسسة في مسائل الهجرة أو في الإنفاق على العمليات العسكرية.

تغيرات عميقة
لذلك تُطرح التساؤلات، بدءاً من أمس، عما يريده العرب من الرئيس الأميركي الجديد، وما يتوقّعونه منه، وما إذا كان انتقال الحكم من الحزب «الديموقراطي» إلى الحزب «الجمهوري» يمكن أن يكون في مصلحتهم؟ وبدايةً تصعب المفاضلة بين الحزبَين الرئيسيين، فولايتا جورج بوش الابن (2000 - 2008) جاءتا بـ «الحرب على الإرهاب» وما اكتنفها من تغيير عميق في نظرة الإدارة الأميركية إلى العالم العربي، أولاً في توجيه ضربة قاصمة لعملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ثم خصوصاً في غزو العراق واحتلاله وتأسيس استحالة حكمه بتوافق بين مكوّناته، وصولاً إلى انتهاز الوجود الأميركي لتأسيس تفاهم مع إيران على تقاسم النفوذ في العراق، وهو ما أدّى لاحقاً إلى الهيمنة الإيرانية الكاملة على هذا البلد.
ولم تكن ولايتا أوباما (2008 - 2016) تصحيحاً لإرث بوش الابن، إذ انطلقتا بعزم مندفع إلى معالجة الملف الفلسطيني- الإسرائيلي ما لبث أن تحوّل الى فشل كارثي استغلّته حكومات «اليمين المتطرّف» الإسرائيلية لتوسيع الاستيطان والتغوّل في القوانين العنصرية ضد الفلسطينيين، ثم أن الانسحاب الاميركي من العراق، تخلّياً عن الاحتلال، تحوّل إلى انهيار متواصل انتهى بسيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، وريث «القاعدة»، على أكثر من نصف مساحتي العراق وسوريا. أما الفشل الأعظم لأوباما فكان في انعدام الرؤية واتّباع أسوأ السياسات للتعامل مع ما سمّي «الربيع العربي»، إذ استغلّته واشنطن سواء لإجراء اتفاقات مع «الإسلام السياسي»، خصوصاً مع «الإخوان المسلمين» في مصر (تحديداً خلال وجود كلينتون على رأس الدبلوماسية) أو لانتهاز فرص إعادة رسم خرائط المنطقة بعدما أمعنت الأزمات والتدخلات الخارجية في تفكيك الدول والجيوش. وقد أدّى تركيز إدارة أوباما على انتزاع اتفاق نووي مع إيران إلى غضّ نظر أميركي عن تدخلات طهران في دول المشرق العربي كما في دول الخليج، ولم تخسر إيران برنامجها النووي بل قبلت بتجميده لفترة زمنية، إلا أنها ظفرت باعتراف غير مباشر بنفوذها حيثما استطاعت ترسيخ تدخّلها من سوريا والعراق إلى اليمن ولبنان والبحرين.

رؤية لم تتبلور
يستعد الرئيس ترامب لتسلّم الرئاسة الأميركية من دون أن تكون لديه رؤية واضحة ومحدّدة لسياسته إزاء المنطقة العربية، ومن الطبيعي أن ما يريده منه العرب أن يساهم ويساعد في انهاء الحروب الناشبة التي كانت للولايات المتحدة أدوار مباشرة أو غير مباشرة في إشعالها، والمؤكّد أنهم يريدون لها نهايات تمهّد للشروع في استعادة الاستقرار. وفي المقابل لا بدّ أن العرب يتطلّعون الى أن تبقى الولايات المتحدة ضامنة لاستقرار منطقة الخليج الوحيدة التي حافظت حتى الآن على أمنها وتماسك حكوماتها، وأن لا تكون السياسات الأميركية الجديدة عنصراً جديداً لمضاعفة الخطر عليها. ولعل ضمان أمن الخليج بات الدعامة الأساسية لأي بحث عن استقرار في المنطقة العربية. ولم تكن الأعوام الأخيرة مع أوباما، خصوصاً في غمار التفاوض على اتفاق نووي مع إيران وبعد توقيع هذا الاتفاق نموذجاً جيداً لتعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين أميركا ودول مجلس التعاون التي شعرت للمرّة الأولى بأن حليفها الأكبر يضع تلك العلاقات على محك علاقة غير مضمونة العواقب مع ايران، بل يدرجها في إطار حسابات استراتيجية متهوّرة وغير متوازنة.
لكن ضمان أمن الخليج لم يعد منفصلاً تماماً عن إنجاز حلول سياسية وعقلانية للأزمات الإقليمية التي فاقمتها سياسات الشحن المذهبي الإيرانية، فضلاً عن سياسة تفريخ الميليشيات المهمّشة لشرعيات الدول وسيادتها. وبالتالي فإذا كان الرئيس الأميركي الجديد يتطلّع إلى المنطقة بمنظور استراتيجي مختلف فعلاً عن موروثات «مؤسسة الحكم» في واشنطن يرى مصالح أميركا في منطقة عربية مستقرّة، فلا بد أن يعيد النظر في سياسات سلفَيه لتكون هناك محاربة مجدية للإرهاب ومعالجة عملية لتدفّق موجات اللجوء والهجرة ومساهمة فاعلة في مكافحة التطرّف في جذوره. ولأجل ذلك فإن الفرصة لا تزال متاحة لإصلاح الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إدارة أوباما في سوريا، خصوصاً أن معظم العواصم العربية المعنية نبهتها في حينه أن السياسات التي اعتمدتها لقطع الطريق على استشراء الإرهاب في سوريا هي نفسها التي فتحت الطرق أمام اختراقات «داعش» و«النصرة». كما أن الحرب الحالية على هذين التنظيمين أدّت لتوّها إلى نتيجة كارثية بالنسبة إلى المستقبل، لأنها تدّمر المدن السنّية وهي عصب الاقتصاد والتنمية.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه
وبطبيعة الحال لا تزال هناك فرص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه للحفاظ على شيء من التعايش في العراق، لكن التهاون الحالي إزاء ميليشيات «الحشد الشعبي» ينذر بتكرار تجربة إيران عبر نوري المالكي وما انتجته من إنعاش للتطرّف والإرهاب «الداعشي». بل من المؤكّد أن هناك فرصة لحل الأزمة اليمنية سياسياً، وهو ما لم يتوافّر قبل «عاصفة الحزم» بسبب انعدام الإرادة لدى إدارة أوباما حين أظهرت حزماً خجولاً حيال الانقلابيين ودفعتها حساباتها الإيرانية الى دعم احتضانهم رغم ترهيبهم للسلطة الشرعية وسيطرتهم بالقوة على البلد. ولا شك أن غياب الإرادة والحزم كانا ولا يزالان وراء انسداد الحلول السلمية في ليبيا وتعثّر الخروج من الأزمة في البحرين وتوطيد سيطرة «حزب الله» على لبنان.
كان المتوقّع من إدارة أوباما أن تكون مدركة للحقائق وصارمة في دعم الخيارات السلمية حينما تكون ممكنة، ولم تُدعَ الى ارسال قوات أميركية للمحاربة على الأرض أو للدفاع عن أنظمة على غرار ما فعلت روسيا. وهذا ما يمكن توقّعه - أو تمنّيه - عربياً من إدارة ترامب، غير المعروف في عالم السياسة، وبالتالي فإن الأفكار التي نثرها خلال حملته لا تُظهر نياته. فالأكثر وضوحاً عنده يتعلّق بالتزاماته تجاه إسرائيل وإمكان نقل السفارة الأميركية الى القدس. وقد يليه في الوضوح عزمه على التعاون مع فلاديمير بوتين الذي راهن عليه بشكل سافر، لكن أكثر ما لفت الكرملين في خطاب ترامب وسلوكه أنه ربما يشكّل مأزقاً لأميركا نفسها وأنه يريد تغيير قواعد عمل حلف الأطلسي فضلاً عن أنه لا يميل الى التدخل العسكري الخارجي، وهذه تتوافق جميعاً مع رغبات الرئيس الروسي. وربما ينظر العرب بإيجابية الى التعاون الروسي - الأميركي، غير أن النموذج الذي قدّمه جون كيري لم يفشل فحسب بل مكّن الروس من ترجيح الحل العسكري كما جازف بحقوق الشعب السوري ومن ثم تقويض أي حل سياسي.
تبقى فكرة أن ترامب ينوي إلغاء الاتفاق النووي مع ايران، تمشّياً مع سياسة معلنة للحزب «الجمهوري»، ليطرح مواصلة سياسة العقوبات بل تجديدها وتشديدها، معتقداً أنه يمكن أن يحصل على تعاون بوتين في هذا المجال. وبالنسبة إلى العرب فإن كلفة الاتفاق كانت باهظة جداً، سواء بالتغطية الأميركية - المستمرّة - للتدخلات الإيرانية أو بسياسة المجاملة والسكوت الأميركي المنهجي عن دور إيران في دعم الإرهاب. وبالتالي فإن كلفة إلغاء الاتفاق ستتطلّب نهجاً أميركياً مختلفاً لا يمكن القول إن لدى ترامب تصوّراً جاهزاً له أو أنه سيكون أكثر اهتماماً من أوباما في درء التداعيات الخطيرة عن الدول العربية الصديقة لأميركا.

*محلل سياسي لندن