الاتحاد

الملحق الثقافي

المستشفى المركزي·· مضافة خمس نجوم

أثناء هدم المستشفى القديم لإعادة بنائه

أثناء هدم المستشفى القديم لإعادة بنائه

أول ما لفت انتباهي عند وصولي إلى أبوظبي في الأول من يناير عام 1971 هو الدفء· ولعل البرد الذي قدمت منه في دمشق وبيروت هو الذي جعلني التفت للجو الدافئ الذي غمرني منذ اليوم الأول للوصول· وامتد هذا الدفء من الجو للنفوس·· فالجميع يلقاك بحب بدءاً بالمسؤولين وانتهاء بالذين تتعرف عليهم لتجد أنهم وصلوا حديثاً ربما قبلك بأيام للعمل في هذا البلد الواعد·· أبوظبي·· شعرت يومها بأن جميع من يقيم في أبوظبي يشكلون أسرة واحدة·· ليس لأن العدد كان قليلاً·· بل لأن روح المحبة والألفة والود هي التي كانت سائدة·

حتى المستشفى الوحيد الذي لم يكن عدد الغرف فيه يزيد عن خمسين غرفة كان في تلك الأيام يشكل إنجازاً مهماً·· ولقد تمكنت من خلال الشهر الأول من إقامتي في أبوظبي من التعرف على جميع الأطباء العاملين فيه وربط علاقة صداقة معهم·· لأن عددهم لم يكن يزيد على عدد أصابع اليدين·
الآن أحتاج لإحصائية رسمية لأعرف عدد المستشفيات والعيادات المتخصصة المنتشرة في مدينة أبوظبي وحدها·
عندما أتحدث الآن عن ذلك المستشفى القديم·· أجد ذلك الصرح الطبي العظيم مستشفى الشيخ خليفة والذي يضاهي أكبر الصروح الطبية في العالم فأشعر بالسعادة والارتياح ولكنني:
خلقت وفياً لو رجعت إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وهذا ما يجعلني أسترجع أيام مستشفى أبوظبي القديم، والدور الذي قام به في تلك الأيام الأولى·· أيام البدايات·
كان القائد رحمه الله يعتبر أن جميع من يعمل أو يقيم في أبوظبي سواء من المواطنين أو الوافدين هم أسرته·· يوفر لهم في ذلك المستشفى العتيد العلاج الكامل وحتى الدواء اللازم مجاناً ومن غير أي مقابل·· رغم أن أبوظبي في تلك الأيام كانت تعتمد على دخلها البترولي والذي كان يشكل مائة بالمائة من مصادر الدخل في تلك الإمارة·
ولم يكن الإنتاج يزيد على خمسمائة ألف برميل في اليوم، أما سعر البرميل أو دخل الحكومة من البرميل فكان أقل من دولار واحد، ولكن لأن الجود ينبع من النفس لا من القدرة المادية فقد حفل زمن البدايات بقصص وحكايات كثيرة عن جود ذلك الرجل الذي حمل همّ شعبه وقال قولته المأثورة:
''إذا كان الله قد منّ علينا بالثروة فإن أول ما فعلناه لكسب رحمته ورضاه هو تسخير هذه الثروة لخدمة الشعب''·
وهذا ما كان فعلاً، وما زالت القيادة الحكيمة والرشيدة لهذا البلد الطيب دولة الإمارات العربية المتحدة تسير على هذا النهج بل تصل إلى ذرى وقمم لم تصل إليها أية قيادة لأي شعب من شعوب العالم·
عندما أعود بالذاكرة إلى ذلك المستشفى الذي لم يبق منه الآن إلا الموقع، وأتذكر كيف كنا ننظر إليه بالإعجاب والإكبار لأنه كان يضم خيرة الأطباء وأحدث الأجهزة الطبية المتوفرة في ذلك الزمن أفهم بوضوح لماذا أصر القائد ''رحمه الله'' على تخصيص ركن في الإذاعة والتليفزيون بعنوان ''صحتك''·· أعده وقدمه لسنوات طويلة صديقي وزميلي في الإعلام مفيد مرعي·
كان ''رحمه الله'' مهتماً حتى بالتفاصيل ويريد أن ينشر الوعي الصحي لدى جميع من يسكن أو يقيم في أبوظبي·
سمعتها منه وفي عدة مناسبات: العقل السليم في الجسم السليم·· ونحن نريد أصحاء لا مرضى·· ودرهم وقاية خير من قنطار علاج·
وكان يحفظ الكثير من شعر المتنبي·· ولكن البيتين اللذين سمعته يرددهما أكثر من مرة للمتنبي هما اللذان يصف فيهما الحمى:
وزائرتي كأن بها حياءً
فليس تزور إلا في الظلام
فرشت لها المفارش والحشايا
فعافتها وحلت في عظامي
جناحان
كان ذلك المستشفى الذي كنا ندعوه وقتها المستشفى المركزي يتألف من جناحين، واحد للرجال والآخر للنساء·· وكانت عيادات الأطباء تنتشر في هذين الجناحين وفي مبانٍ صغيرة أشبه بالفلل والبيوت·
عندما أدخلني طبيب الأنف والأذن والحنجرة إلى غرفة في ذلك المستشفى بسبب التهاب قوي أصاب حلقي، تحولت تلك الغرفة إلى مضافة استقبلت جميع من أعرفه وحتى من لا أعرفه·
كانت عيادة المريض وزيارته تعتبر من الأولويات في أجندة جميع المواطنين والمقيمين·· الرعاية التي شملتني غير مسبوقة بالنسبة لي وكان لذلك أثره النفسي الكبير، حيث ساهمت راحة النفس في إعطائي القوة والتصميم وقاومت ذلك الالتهاب اللعين الذي جعل الأطباء يشكون لقوته بأنه مرض الدفتيريا·· وكانت التجربة جديدة ورائعة، فالعناية الطبية ونظافة الغرفة وسخاء ما يقدم للمريض من طعام وشراب جعلني أشعر أنني في فندق خمس نجوم لا مستشفى مبتدئ·
وكان الأطباء المختصون في ذلك الوقت من خيرة الأطباء، يحصلون على رواتب عالية ويتمتعون بمزايا غير عادية منها السكن وبدل السيارة وتذاكر السفر ومجانية التعليم للأولاد وحتى الماء والكهرباء كانت الحكومة تدفع الفواتير الخاصة بهم·
أحدهم وهو الطبيب صلاح جادو ''من مصر'' يرجع الفضل في إنقاذ ذراع ولدي جهاد بعد الحادث الذي وقع له في مصعد العمارة·· فقد قام بإجراء عملية سريعة شهد له بكفاءته ونجاحه فيها أطباء لبنان الكبار بعد أن عرضنا عليهم ما حدث·· وتمكن من إنقاذ الذراع بكل براعة·
أكثر من ثمانية وثلاثين عاماً مر الآن، ومازلت ألتفت في كل مرة أسير فيها في شارع المطار القديم إلى منعطف المستشفي المركزي الذي تغيّر كلياً·· لتطل علي في المكان نفسه تلك الوجوه القديمة التي مازالت ابتساماتها محفورة في جدار الذاكرة·
آه كم أود أن أتوقف في ذلك المكان لأبحث عما تبقى من آثار ذلك المستشفى القديم·· ولكنني أعلم الناس أنه لم يتبق إلا شيء اسمه الذكرى وأسميه الحب·

اقرأ أيضا