الاتحاد

رمضان

العراق: مخاوف وتطمينات متبادلة من هيمنة التيار الإسلامي

د· رسول محمَّد رسول:
تصاعدت في العراق مؤخرا حمّى المخاوف والتطمينات المتبادلة حول احتمال هيمنة اتجاهات العمل الإسلامي على العملية السياسية المؤقتة القادمة في البلاد· ونظرة استقرائية للواقع تكشف لنا أنه مثلما توجد في العراق الحالي اتجاهات للعمل العَلماني، توجد كذلك اتجاهات للعمل الإسلامي، ومثلما يمثل الخطاب العَلماني العراقي طيفا متنوعا فيه ما ارتمى في أحضان العَلمانية على النمط الغربي التقليدي والأمريكي الجديد الذي يتزعم لواءه أقطاب المحافظين الجُدد، كذلك يمثل خطاب العمل الإسلامي طيفا متنوعا تجد فيه المحافظ والتقليدي، وتجد فيه أيضا من يرتكن إلى العمل الإسلامي الجذري (الراديكالي)، بل وتجد فيه المتطرِّف في راديكاليته ومناهضته للتغيير الجذري في العراق الجديد بوصفه تغييرا منمّطا وفق الرؤية الأميركية المُستحدثة·
وفي خضم هذا المشهد المتنوع الحراك في العمل الإسلامي ـ الديني أو العكس، أفرزت العملية الانتخابية التي جرت في الشهر الفائت صعود التيار الديني الشيعي المتنوّع الحراك في مشهده الخاص به من حيث رؤيته إلى نمط الحكم الذي سيسود خلال الشهور القادمة حتى نهاية العام الجاري، وهو النمط الذي بدت مخاوف وتحذيرات عدَّة تُحاط به من صوب العَلمانيين والليبراليين العراقيين، ومن ضفّة اتجاهات إسلامية سنية المذهب، بعضها تقليدي وغيرها جذري، وآخر جذري متطرِّف، مخاوف انطلقت من نوازع سياسية وأخرى جهوية وثالثة مصلحية ورابعة استراتيجية·
المظلة والاختلاف
وإذا كانت المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق قد أكدت مرارا على أنها لا تسعى إلى العمل بنظرية ولاية الفقيه، ولا بنظرية حكومة الخلافة الإسلامية التقليدية كما طرحتها الرؤية الإسلامية التقليدية لدى الإخوان المسلمين أو الجهادية السلفية لدى نظام طالبان في أفغانستان، فإنَّ هذا التأكيد من جهة المرجعية العليا يُعدُّ الآن المظلة التطمينية التي ستمنح فئات كثيرة في المجتمع العراقي بطائفتيه، السنية والشيعية، وباتجاهاته السياسية، العلمانية والليبرالية والقومية، قدرا من الاطمئنان المُضاعف بأن أكبر مرجعية دينية فاعلة بالبلاد لا تسعى إلى تكريس حكم إسلامي يعتمد الشريعة الإسلامية رؤية ومنهجا وعملا بمنحى حِرَفي في المستقبل·
بيد أن هذا التطمين الفقهائي رفيع المستوى، والاطمئنان الناتج عنه، لا يبدوان كافيين، من جانبهما، لطمأنة اتجاهات سياسية ودينية وجهويَّة أخرى في المجتمع العراقي! فالجماعات الإسلامية السنية الجذرية ذات الاتجاه المتطرّف مثل جماعة (أنصار الإسلام)، والجناح العراقي في جماعة (التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين)، وإلى حد كبير الجماعات السلفية (الوهّابيون العراقيون)، لا ترفض أن يكون في العراق حكما إسلاميا، لكنها ترفض أي اتجاه غير اتجاهها الذي تريده وتسعى إلى تحقيقه بالعراق على غرار أنموذج الخلافة الإسلامية الذي كرسه نظام طالبان في أفغانستان لسنوات سابقة قبل هزيمته خلال الحرب الأميركية عليه·
تحذيرات الليبراليين
وإذا كانت هذه الاتجاهات الدينية قد جعلت من الفضاء الإسلامي مجالها لتمارس أيديولوجيتها في العمل الإسلامي كما تراها وتسعى لإحلالها، فإن اتجاهات قومية، ومن ثم عَلمانية وليبرالية عراقية ترفض في غالبيتها أي نظام حكم إسلامي بالعراق، وترى في التطمينات الدينية المرجعية العُليا كنزا لا بد من استثماره لصالح نأي العراق عن أي نظام حكم إسلامي، وقد عملوا على ذلك إلاّ أنّ مخاوفهم زادت عندما ترشحت قائمة (الائتلاف العراقي الموحَّدة) التي عَنت بأنَّ مُرشحي الأغلبية الشيعية هم الذين سيترأسون العملية السياسية ونظام الحكم المؤقت بالعراق لغاية نهاية العام الجاري، ومن هذه المخاوف ما أعلنه مؤخرا إياد علاوي رئيس الوزراء المنتهية ولايته بعد الانتخابات، حيثُ حذَّر العراقيين، وإلى حد كبير الأميركيين، من أي نظام حكم ديني سياسي يأتي إلى العراق منطلقا من إقراره بأن الحكومة القادمة هي حكومة إسلامية، مستندا في ذلك على نتائج الانتخابات التي عززت موقف الأصوليين الشيعة ذوي الميول السياسية ضمن قائمة (الائتلاف العراقي الموحَّد)·
ومن المعلوم ان الاصوليات الشيعية المنخرطة في مجال العمل الإسلامي التي توقعت ترشحها في الانتخابات كانت قد خاطبت المجتمع العراقي بكل فئاته واتجاهاته الدينية والعلمانية والتوفيقية والمجتمع العربي والإسلامي والدولي بأنها لا تسعى إلى إحلال أنموذج حكم إسلامي بالعراق من جهة، ولا تسعى إلى إحلال دكتاتورية سياسية أو طائفية في ممارستها لمسؤلية الحكم سواء في المرحلة الانتقالية القادمة أو المرحلة الدائمة ابتداء من عام ·2006
استحقاقات
وإذا كانت التطمينات الفُقهائية العليا مظلةً لعدم ولادة نظام حكم استخلافي إسلامي ما، فإنَّ تعدُّد اتجاهات البيت الشيعي، بأصولياته الدينية وباتجاهاته الليبرالية، هي الأخرى تمثل مظلة داعمة لتجنب أي تطرف ما من شأنه السعي إلى إحلال أنموذج الحكم الإسلامي بالعراق، فالمشهدُ الأصولي الشيعي متعدِّد الأقطاب من ناحية الرؤية السياسية والدينية إلى الحكم، ففيه أصوليات دينية شيعية معتدلة لا تؤمن بنظرية ولاية الفقيه ولا بنظرية الخلافة الإسلامية لأنها ما زالت تعتقد بنظرية عصر الغيبة· وفيه أيضا اتجاهات علمانية لا تفرِّط بالدين كليا ولا تتعامل مع مرجعيتها العَلمانية كخطاب نابذ لأية مرجعية أخرى غيره، وفيه أيضا اتجاهات أصولية أخرى تميل إلى العمل الإسلامي السياسي الذي يفضل تكريس الخلافة الإسلامية على غرار أنموذج ولاية الفقيه في إيران كـ (التيار الصدْري، وتيار منظمة العمل الإسلامي) إلى حد ما وغيرها· إن هذا الاختلاف يبدو اليوم قوة لإحلال التوازن في العمل السياسي الإسلامي لدى البيت الشيعي الذي ترشَّح عن الانتخابات الماضية إلى ممارسة الحكم في المرحلة القادمة، وأعتقد أن هذا الاختلاف هو السبب الرئيس الذي كان وراء تطمينات الأصولية الشيعية للمجتمع العراقي والدولي بشأن لا إسلامية الحكم المحضة في العراق الانتقالي·
لقد أخذت التكوينات المُترشِّحة إلى ممارسة الحكم في المرحلة القادمة هذه الأصوات والقوى بنظر الاعتبار، لكنها أيضا أخذت في اعتبارها مجمل الاتجاهات الأخرى، خصوصا الاتجاهات الحزبية ذات المنحى القومي والوطني التي لا تنطلق من الخطاب الديني في ممارسة عملها إنما من منطلق علماني أو شبه عَلماني في حراكها السياسي، فهي لا تريد الانفراد بسلطة القرار في الحكم أو في حراك العمل السياسي لأنها عندما انخرطت في العملية السياسية الجديدة بالعراق أدركت استحقاقات المجتمع العراقي بكل أطيافه، وأدركت استحقاقات الموقف الأمريكي من نظام الحكم في العراق· وفي ضوء كل ذلك ليس من المحتمل أنْ يُمارس مرشحو قائمة الائتلاف الشيعية أية انفرادية دينية أو طائفية أو أيديولوجية من شأنها إشعار الآخرين بأن استحقاقاتهم على الحكومة القادمة ستتم مصادرتها·

اقرأ أيضا