الاتحاد

الملحق الثقافي

المضحكات المبكيات في ترجمات إليوت العربيات

يمكن القول إن البداية الحقيقية لترجمة شعر إليوت إلى اللغة العربية ترجع إلى أوائل الخمسينات من القرن الماضي، مع صدور كتاب عن دار مجلة ''شعر'' الذي شارك فيه: بلند الحيدري ود· ستورت، منير بشور، يوسف الخال، أدونيس، إبراهيم شكر الله· أعقب ذلك صدور كتاب الدكتور فائق متى (1965)، ثم توالت الترجمات التي قام بها مترجمون شتى: لويس عوض، صلاح عبدالصبور، ماهر شفيق فريد، توفيق صائغ، عبدالله الطيّب، عبدالواحد لؤلؤة، يوسف اليوسف، صبري حافظ، عبدالقادر الجموسي وآخرون لم تتم الإشارة إليهم في أيّ كتاب أو مقالة صادرة كالناقد والمترجم العراقيّ الراحل مصطفى عبود الذي قام بترجمة الرباعيات الأربع في السبعينات·

تجدر الإشارة إلى كتاب عبدالواحد لؤلؤة المكرس لترجمة (الأرض الخراب) وتفسيرها وتحليلها، وفيه يخصص فصلاً كاملاً لرصد أغلاط المترجمين الذين سبقوه، دون أن تغفر لهم حتى الأغلاط المطبعية الواضحة· كما أنه يؤاخذ المترجمين على تقديم الأبيات أو تأخيرها أو استخدامهم العامية في بعض المواضع، ولايرى أيّ فسحة للتفاوض في الترجمة على حّدّ تعبير (إيكو)، ويضرب مثلاً على ذلك بترجمة لويس عوض في بعض المواضع·
ولا تخلو ملاحظات لؤلؤة من صحة، لكنّ ما يضيرها هو وضعه لها في مستوىً واحد، فلا يبين منها للقارئ ما هو جوهري أو ثانوي في علاقته بالنص ككل· ولم تترك مآخذه هذه أيّ فضل لمن سبقوه، وحتى من مسه هذا الفضل قليلاً كالناقد يوسف اليوسف سرعان ما انقلب عليه، في أسلوب وتعليقات لا تتناسب وجديته الصارمة· بل أنه يفصح بتعليقاته عن ذوق آخر لا علاقة له بإليوت أو عالمه الشعريّ، فهو في معرض حديثه المستنكر عن الحب في أوروبا يستشهد ببيت لسليمان العيسى هذا نصه:
كلّ حبّ لا ينتهي بزواجٍ
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
ويستطرد في نفس الأسلوب: ''ويستمر الشاعر يرفع صوته عالياً وطويلاً (···) فلا تدري أين يكمن ذوقه الحقيقيّ في قراءته لإليوت، أم قراءته لسليمان العيسى؟
ولعل أغرب تعليقاته هذا: ''والقصيدة الأولى في المجموعة تحمل عنواناً يوحي باستخفاف الشاعر بالعاشق بروفروك وأغنيته لكننا نقرأ ستة أبيات مقتبسة من جحيم دانته بالإيطالية من دون الإشارة إلى موضع الاقتباس· والأبيات، على النقيض من عنوان القصيدة، رصينة، تدور حول مسائل مثل خيانة ذي المعروف (لا أدري ما يعني لؤلؤة بخيانة ذي المعروف؟)، عودة الروح من عالم الأموات، عذاب السعير في العالم الآخر، وبلغة أهمّ شاعر أوروبي في العصر الوسيط، مما يصفع القارئ على عينيه الجاهلتين ويناوله مرآة ليرى فيها آثار الجهل التي تركتها على وجهه صفعة الشاعر''·
إنه في تعليقه هذا ينسى ما أورده لأليوت من مقتطفات يؤكد فيها على ضرورة الاستجابة للشعر قبل الفهم، منها هذا المقتطف: ''وقد يكون مبعث الصعوبة أن القارئ قد قيل له، أو أنه قد أوحى لنفسه، إنّ القصيدة ستكون صعبة· والقارئ الذي يبلغه تحذير حول غموض قصيدة قد يقع في حالة من الحنق لا تتلاءم مع التلقي الشعري·· ولكن القارئ الأكثر نضجاً لا يحفل بمسألة الفهم، أو قل ليس من أول قراءة· إنّ بعض الشعر الذي شغفني هو شعر لم أفهمه من أول قراءة· وبعضه شعر لا أحسبني أفهمه حتى اليوم، مثل شعر شكسبير''·
وليس بعيداً عن هذا الرأي نقاد كثيرون منهم ليفيز الذي يستشهد به لؤلؤة كثيراً والذي يرى في كتابه ''اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي'': ''إن الأرض الخراب يجب أن تكون قصيدة على نحو بين مهما كانت صعوبتها·· لأنها قصيدة ذات استمرارية ذاتية· ورغم أنها ستفقد الكثير إذا ظلّت ملاحظاتها طيّ الكتمان، فإنّ النقد المهم هو أنّ القصيدة لا تعتمد على الملاحظات كثيراً''· (الترجمة العربية ص101)
ولا يختلف ناقد ثالث أحدث من السابقين عن هذا الرأي وهو ألفاريز في كتاب له يتناول فيه بعض الشعراء الإنجليز والأميركان ومن بينهم إليوت· ولعل أطرف ما قرأت هو رأي الناقد بيتر جونز في كتابه ''مدخل إلى الشعراء الأمريكان''، المتعلق بما يحتويه شعر إليوت من تضمينات تبدو أكثر ملاءمة في قصائده مما هي في الأصل أي أننا حين نقرأها في مصادرها نتذكر إليوت بينما لا نتذكر مصادرها حين نقرأ شعر إليوت لأنها أصبحت جزءاً من نسيج هذا الشعر· وبالتالي فإن محاكمة القارئ بالجهل لعدم معرفته بالمصادر تبدو واهية ولا سيما حين تبدو مرتبطة بالصفعة·
ولو عدنا إلى ترجمته لرأينا أن اتجاهه إلى الحرفية قد أضرّ بها كثيراً فبدت بعض الترجمات الأخرى أكثر طلاوة منها، وإن أعوزتها الدقة في بعض الألفاظ·
سأورد نموذجاً (الدراسة الأصلية تضم 4 نماذج تم إيراد نموذج واحد فقط لاعتبارات المساحة) من ترجمة لؤلؤة ومثيله من الترجمات الأخرى وأترك الحكم للقارئ:

Unreal city

Under the brown fog of a winter dawn,
A crowd flowed over London Bridge, so many,
I had not thought death had undone so many.
Sighs, short and infrequent, wer exhaled,
And each man fixed his eyes before his feet
Flowed up the hill and down King William Street,
To wher saint Mary Woolnoth kept the hours
With a dead sound on the final stroke of nine,
There I saw one I knew, and stopped him, crying: ?Stetson!
'You who were with me in the ship at Mylae!
'That corpse you planted last year in your garden,
?Has it begun to sprout? Will it bloom this year?
?Or has the sudden frost disturbed its bed'
'O keep the dog far hence, that is friend to men,
?or with his nails he?ll dig it up again!
'You! Hypocrite lecteur!- mon semblable, -
mon frere!'

مدينة الوهم

تحت الضباب الأسمر من فجر شتائي
انساب جمهور على جسر لندن، غفير،
ما كنت أحسب أنّ الموت قد طوى مثل هذا الجمع·
حسراتٍ، قصيرة متقطعة، كانوا ينفثون
وكلّ امرئ قد ثبت ناظريه أمام قدميه·
انطلقوا صعداً ثمّ انحدروا في شارع الملك وليم
إلى حيث كنيسة ماري ولنوث تعدّ الساعات
بصوتٍ قتيلٍ على آخر الدقّة التاسعة
هناك رأيتُ واحداً عرفته فاستوقفته صائحاً: سنتسن!
''يامن كنت معي على السفائن في ما يلي!
''تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،
هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟
''أم أن الصقيع المباغت قد أقضّ مضجعها؟
''أبعد الكلب عنها، فهو صديق للبشر،
وإلاّ فسيحفر بأظافره ويستخرجها ثانية!
(ترجمة لؤلؤة)

مدينة وهمية

تحت الضباب القاتم في فجرٍ شتائيّ،
جموعٌ تدفّقت على جسر لندن، بكثرة،
لم أكن أظنّ أنّ الموت قد أباد مثل هذا العدد
تأوهات، قصيرة، كانت تصعّد،
وكلّ سمّر عينيه أمام قدميه
تدفقت تصعد التلة وتهبط شاعر الملك وليم،
إلى حيث كنيسة القدّيسة مريم وولنوث، تعدّ الساعات
بصوت ميت عند الضربة التاسعة الأخيرة
هناك رأيت واحداً أعرفه، استوقفته، صارخاً:''ستانسن''!
''يامن كنت معي بحّاراً في ميلاي!
''تلك الجثة التي غرستها السنة الماضية في حديقتك،
''هل بدأت تنبت؟ هل ستورق هذه السنة؟
أم أنّ الصقيع المفاجئ أقضّ مضجعها؟
''أوه دعِ الكلب بعيداً من هنا، إنه صديق للناس،
''وإلاّ نبشها بأظفاره مرة أخرى !
(ترجمة أدونيس ويوسف الخال)

ترد في هذا المقطع ترجمة ''مدينة الوهم'' والصحيح هو ''المدينة الوهمية'' وثمة فرق بين المعنيين، كما أن الصفة التي تلحق الضباب وهي ''الأسمر'' تبدو من نافل الكلام، وكان الأولى به أن يترجمها بـ''القاتم'' كما فعل الخال وإدونيس، وهي أدق للتعبير عن الضباب حين يتكثف في لندن ويصبح قاتماً· مثلما تبدو ترجمتهما أدق باستخدام الفعل أباد لأنّ الفعل طوى لا يؤدي معنى الفعل باللغة الأصلية وما يرتبط به من عصف وتدمير· كذلك فإن استخدامه صفة قتيل للصوت وليس الميت هو غلط واضح لأنه بكل بساطة ميت للآذان الصدئة·· آذان الحشد العابر جسر لندن عند الساعة التاسعة وهي الساعة التي صلب فيها المسيح أيضا· أما ''أبعد الكلب عنها'' فالأقرب إلى روح النص ولفظه أيضاً، وأسلوب اليوت الحسيّ المليء بالحركة والإشارات: ''أوه·· دع الكلب بعيداً من هنا''·
وبعيداً عن ذكر الأغلاط وما يرافقها من تدقيق مرهق فإن مقاطع لؤلؤة تبدو ثقيلة متقطعة بعيدة عن الشعر مقارنة بالمقاطع الأخرى على كثرة أخطاء هذه المقاطع أيضاً· وإذا كانت الدقة نصب عين لؤلؤة في رصده للأخطاء وفي تفسيره وتحليله بل وترجمته فإن هذه الدقة تعوزه في أفكاره التي استغرقت مقدماته لتفسير القصيدة وتحليلها، يطرحها بشكل مسلمات وبتعميم يتناقض وحرصه على التدقيق والتشخيص، فهو يرى مثلاً أن شعر إليوت يرتكز على ثلاث دعائم من التراث: الأولى دانتي، والثانية الشعر الإنجليزي في القرن السابع عشر والثالثة الرمزية الفرنسية الممثلة بكوربير وبودلير ولاسيما بودلير في ''أزهار الشر'': ''ثمّ وجد ذلك التركيز المفرط، في التعبير بالاقتصاد المفرط في الألفاظ، كما في شعر بودلير، وخصوصاً في أزهار الشر'' ص24 ، وكان من نتائج ذلك، على حدّ تعبيره ''تضحية بوزن الشعر كما حددته قواعد العروض وتغيير في تركيب الجملة كما حددته قواعد النحو· لقد وجد إليوت كما وجد كوبيير ولافورغ وبودلير من قبله هذه التضحية بالوزن وهذا التغيير في النحو يجعل التصاق الشاعر بالفكرة أشدّ''·
غير أنّ نقّاداً كثيرين لا يرون هذا الرأي، ويشيرون إلى استخدام إليوت الشعر المرسل الذي استخدمه شعراء القرن السابع عشر، إذ وجد فيه استيعاباً أكبر لأفكاره مما لو استخدم طريقة سبنسر، كما يشيرون إلى ابتعاده ابتعاداً كلياً عن طريقة باوند والحركة التصويرية التي لم يكن أحد شعرائها، منذ قصيدته جرونتيون (يمكن مراجعة ذلك في كتاب ''الأزمة في الشعر الإنجليزي'' لبينتو)، وأنه أي إليوت لم يتأثر بكل الرمزيين بل ببعضهم، فهو، على العكس من ييتس، لم يتأثر بمالارميه ولا بفرلين بل بكوربيير ولافورغ·
لم يتأثر إليوت بلافورغ لأنه أكبر الشعراء الرمزيين كما يذكر ذلك لؤلؤة بل بطريقته الخاصة في استخدام إيقاع اللغة المحكية والصور المستمدة من الحياة المعاصرة والانتقال المفاجئ من الكثافة الغنائية إلى الواقعية الساخرة المتوترة على حدّ تعبير بينتو، كما أنه لم يكن أكبر الشعراء الرمزيين، وأهميته تكمن في طرائقه الشعرية في الكتابة· ولعلّ من فضائل إليوت هو تأثره بمن هم أقلّ مرتبة من غيرهم من الشعراء الكبار المعروفين·
أما بالنسبة إلى التضحية بوزن الشعر فلم يعرف عن بودلير أنه ضحى بالوزن في ''أزهار الشر'' بل جاء وفقاً للأوزان الفرنسية المعروفة· كما أن إليوت كان في غاية الدقة والبراعة في استخدامه الأوزان في أعماله الأخيرة ولاسيما ديوان القطط·
يرى لؤلؤة أيضاً أنّ ''طريقة الشعر الحرّ أساسية في التقويم الصحيح لشعره''، وهو لو اطلع على مقال إليوت (تأملات في الشعر الحرّ) لتريث قليلا في إطلاق مثل هذا الحكم· يرى إليوت في هذا المقال الذي كتبه مبكرا في 1917 أن مصطلح الشعر لا يعني شيئاً، وأن ليس ثمة شعر بلا وزن وإن غياب القافية يؤكد ضرورتها في بعض المواضع من القصيدة لإحداث أثر أو توتر متطلبين، وأن الشعر المقفى لم يفقد دوره بعد· ثمّ يصل إلى نتيجة هي: ثمة شعر جيد وآخر رديء·
ولو اتبعنا منهج لؤلؤة في ترصد الأغلاط لتبين لنا أن ترجمته لا تخلو من الأغلاط التي يمكن أن نضيفها إلى اغلاطه التي أوردناها في المقطع الذي استشهدنا به سابقاً لمقارنتها بما يقابلها من مقاطع أخرى مترجمة من قبل آخرين، فهو يترجم الساعة البنفسجية بـ''ساعة الشفق'' وهذه ترجمة تفسيرية غير صحيحة لأن إليوت يكرر الصفة في البيت ''والخفافيش بوجوهها الطفلية في الضوء البنفسجي'' الذي يترجمه لؤلؤة بـ''ضوء الشفق'' لان اللون البنفسجيّ، كما يوضح ذلك الناقد بروكس أحد ابرز شراح الأرض الخراب: ''هو واحد من ألوان الكنيسة الطقوسية، يرمز إلى الندم وهو أيضاً لون التعميد''·
كذلك يترجم لؤلؤة صيحة فيلوميلا بـ''زق زق'' والأصح كما وردت في الأصل ''جك جك'' لأنها أقرب إلى الصيحة وليست الزقزقة، فأغنية العندليب، كما يعلق على ذلك بروكس، لم تعد تملأ الصحراء بالصوت غير المغتصب لفيلوميلا المغتصبة بل هو مجرد صوت قبيح ''جك جك'' ويستشهد بروكس في هذا المقطع بما قال، تأييداً له، الناقد المعروف إدموند ولسن·
ثمة أغلاط أخرى مثل أممي أو يهودي لأن الأممي يشمل اليهودي بالإضافة إلى إيحاءاتها السياسية والأصح: ''أكنت يهودياً أم غير يهودي'' كما جاء في ترجمة الخال وأدونيس·
ولم تقتصر الأغلاط على قصيدة (الأرض الخراب) بل في ترجماته لعناوين القصائد الأخرى أو كلماتها الواردة في كتابه، كـهذا العنوان ''إلى حبيبته الخجول'' وهي قصيدة شهيرة لمارفيل يترجمها بـ''حبيبته الصدود'' أو كهذه الترجمة غير الدقيقة لبيت بودلير: ''حيث الطيف في وضح النهار يلتقط العابر''، والصحيح: ''الشبح''· وهو يؤاخذ محقاً يوسف اليوسف على حوشية ألفاظه بينما لا تخلو ترجمته من الحوشي في مواضع كثيرة مثل ''وجهه المدمل''، ''أجواب''، ''طغامة'' وغيرها·
كلّ هذ الملاحظات وغيرها لا تقلل من الجهد الكبير الذي بذله لؤلؤة في تقديم ما هو ذو فائدة في تقريب قصيدة هامة كقصيدة الأرض الخراب إلى القارئ العربي·
الأعمال الكاملة
في منتصف التسعينات صدرت ترجمة كاملة لأعمال إليوت الشعرية، قام بها الدكتور ماهر شفيق فريد، باستثناء (ديوان القطط) الذي ترجم منه مقتطفات مبرراً ذلك بوجود ترجمة ''ممتازة'' سابقة لهذا الديوان·
استهل الدكتور ماهر شفيق فريد ترجمته بالحديث عن تجربته في الترجمة وأغلاطه الفادحة التي دافع عنها دفاعاً مستميتاً أورثه الندم لاحقاً (وآمل ألاّ يمارس ذلك مع نقاده اللاحقين)، لكننا نراه من جهة أخرى ضنيناً بالإشارة إلى من سبقوه من المترجمين وموقفه منهم أو ما يشعر به من دين لهم أو عرفان، ومن دون ذكر للناقد والمترجم الدكتور عبدالواحد لؤلؤة الأولى بالعرفان من غيره لما بذله من جهد وسعي إلى الدقة وإن أخطأ السبيل إليها أحياناً، مثلما قد نخطئ نحن أيضاً، ومن دون توقف نقدي أو عرفاني من ترجمة لويس عوض بالذات وجهوده المتواصلة في تقريب إليوت إلى القارئ العربيّ منذ منتصف الأربعينات· بينما نجده من جهة أخرى يثني على ترجمة مليئة بالأغلاط، قام بها الدكتور صبري حافظ لديوان القطط، دون أن يشير الاثنان ماهر وحافظ أية إشارة، قريبة أو بعيدة، إلى ترجمة لويس عوض لبعض قصائد هذا الديوان وهذا يعكس جانباً أخلاقياً سائداً في نقدنا العربيّ·
وهو أي الدكتور فريد رغم إشارته إلى من سبقوه إلا إنه لم يستفد من أغلاطهم إذ كرّرها ثانية مثلما لم يستفد من صحيحهم لاًنه أخطأ فيه، فهو مثلاً يترجم ما ترجمه سابقوه بـ ''مسدل الشعر'' بدلاً من ''مسدلة الشعر'' في أحد المقاطع، لأنّ المتحدث هنا امرأة وهذا ما وضحه لؤلؤة وكلّ الشروحات الأخرى في اللغتين العربية والإنجليزية، وما جاء في ترجمة مجلة ''شعر'' ومتى· كما أنه لم يستفد من ملاحظة لؤلؤة في ترجمته هذه الأبيات: ''واها واها واها لهذه القطعة الشكسبيرية/ ما أرشقها/ وما أذكاها''·
يقول الدكتور لؤلؤة الذي أجدني متفقاً معه هنا: ''والواقع أن هذا اسم قطعة من موسيقى الجاز من نمط ''راك'' فهو لحن جاز يحمل اسم شكسبير كما يقال (سمفونية العالم الجديد) أو (تانغو اسبانيول)·
ولا أدري كيف يمكن لمترجم ألاّ يتوقف عند مثل هذا البيت: ''والمطاعم التي تغطي أرضها النشارة وتقدم أصداف المحار''· أين يمكن أن نجد مثل هذه المطاعم التي تقدّم لزبائنها أصداف المحار؟· ما يقصده هنا إليوت هو المطاعم القذرة التي تنتشر على أرضيّتها اصداف المحار·
ولأنّ لكلّ مترجم طرفته فإنّ طرفة الدكتور ماهر شفيق فريد هذه التي ترد في ترجمته قصيدة (صورة سيّدة):
''ولنشمّ الهواء في غيبوبة الطباق''، وغيبوبة الطباق هي ترجمة لـ: Tobacco trance أي نشوة التبغ الواردة في ترجمة فائق متى وترجمة أخرى للدكتور عبدالستار جواد·
وتمتلئ ترجمة ماهر شفيق فريد بمثل هذه الأغلاط التي لا تحصى· أما ترجمته لقصائد إليوت القصيرة المكتوبة باللغة الفرنسية، وهي أربع، فإنها أيضاً لا تخلو من الأغلاط الفادحة، دون أن يبرر ذلك معرفته المحدودة باللغة الفرنسية كما يذكر هو ذلك في مقدمته، لاسيما إنه أشار إلى اعتماده على بعض العارفين باللغة، فهو يترجم عنوان إحدى القصائد بـ''غير نقيّ من كلّ شيء'' وكان بإمكانه الاكتفاء بدلاً من هذا العنوان الطويل بكلمتين ''خليط زائف'' أو ''خليط ملفّق''·
كما يترجم أحد أبياتها بـ: إنّك لتدفع لمخي ثمناً غالياً· وترجمتها الصحيحة: إنك تخدعني أو: إنك تستهزئ بي· كما يترجم كلمة: Pourboire بـ ''الرضائخ'' وترجمتها بكلّ بساطة ''بقشيش''، وكلمة: Chatoukller بـ''جمشتها'' وترجمتها بكل بساطة ''دغدغتها''، ويستخدم جملة :''يهرش براجمه'' ويعني بها ''يقضم أظفاره''· بل أنه يترجم عبارة هي أول ما يتعلمه أي طالب مبتدئ بالفرنسية وهي: C'ea Dommage بـ''أيّ عارٍ مخزٍ''، وترجمتها الصحيحة هي: يا للأسف!
رغم ذلك، فأنّ ما بذله من جهد لا يمكن إنكاره، ولعلّه سيبقى علامة في ثقافتنا في تعريف إليوت إلى القارئ العربي في كل نتاجاته الشعرية·

اقرأ أيضا