الاتحاد

الملحق الثقافي

من (الخائن) في ترجمة الأدب العربي؟

في ندوة عقدت في الكويت (ديسمبر 2004) قال أستاذ الأدب العربي والمترجم البارز روجر آلن إن داراً رباعية في لندن نشرت سنة 1988 ترجمته لرواية ''النهايات'' لعبد الرحمن منيف بشروط، هي: أن يكون هو المسؤول عن تكاليف النشر، وأن يتسلّم كلّ أربعة أشهر تفاصيل عدد النسخ المباعة والمبلغ المطلوب منه، أمّا إذا بيعت كلّ النسخ فما كان عليه شيء· وحين فسّر آلن العقد لمنيف غضب هذا الآخر جدّاً وأصرّ على دفع المبلغ، لكن آلن لم يقبل· وأنا أستعيد ما ذكره روجر آلن في ورقته المقدّمة لندوة الرواية العربية في الكويت، تساءلت: ما الأسباب التي تؤدي إلى عدم قبول الكتاب العربي في حال ترجمته إلى لغة أخرى منتشرة، أو حيّة، حسب التعبير الشائع؟ هل الإشكالية في النص، أم في النشر والناشر، وهل لدعم مشاريع الترجمة والترويج لها علاقة بذلك، أم أنّ المسألة ترجع إلى ذوق القارئ بهذه اللغات؟

بمعنى آخر، إذا استعرنا القول الشهير في تشبيه عملية الترجمة بـ''الخيانة''، فمن سيكون (الخائن) في ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوروبية؟
لنبدأ من النص:
سألت روجر آلن الذي بدأ بتدريس الأدب العربي وترجمته منذ 1968عن تجربته والمعوقات التي واجهته في ترجمة النصوص العربية، سواء في بنيتها اللغوية أو الأسلوبية أو التقنية؟
فأجاب: ''من المعلوم أن مشروع الترجمة يتطلب من المترجم معرفة جيدة وعميقة بلغتين وبثقافتين، الثقافة الأصلية والثقافة الـ''هدف''· وبالنسبة لعملية اختيار النص للترجمة، أطبق مبدأً استعملته منذ زمن طويل وهو أنني لا أترجم أي أثر أدبي لكاتب أو كاتبة لا أعرفه شخصياً، وهذا لأنني أعتقد أن الترجمة ـ على الأقل في أحسن أوضاعها ـ عملية مشتركة وليس منفردة· وفي الفترة الأخيرة اخترت للترجمة نصوصاً عربية تؤدي القارئ في اتجاهات سردية جديدة تجريبية، وليس النصوص الأكثر تقليداً في مجال الأجناس السردية والنصوص التي تستغل (على الأقل في رأي) توقعات القراء لأسباب تسويقية· فمثلاً ترجمت روايات تاريخية لمؤلفين مغربيين، بنسالم حميش وأحمد التوفيق، وأترجم الآن رواية أخرى لحميش ''هذا الأندلسي''·

قصائد حب غير مستساغة

السؤال نفسه، عن إشكالية النص العربي، وجّهته إلى القاص والشاعر الألماني من أصل سوري سليمان توفيق، وهو من أوائل من ترجم الأدب العربي إلى الألمانية وله أكثر من عشرين عملاً مترجماً إضافة إلى ثلاثة أنطولوجيات للأدب العربي بالألمانية، فردّ: ''في رأيي أن الترجمة ليست نقل النص إلى لغة ثانية حرفياً، وإنما علينا أحياناً أثناء الترجمة القيام بعملية تحويل· لأن قراءته باللغة الأخرى مختلفة· الترجمة قراءة ثانية للنص· وعندما يتم ترجمة النص فهو يٌصاغ من جديد· المترجم هو أيضاً منتج لهذا النص باللغة التي ترجم إليها وعليه الكشف عن خبايا النص من أجل إعطاء المعنى الحقيقي له حتى يفهمه القارئ الألماني، الباحث عن أشياء جديدة·
فكل لغة تتميز بحمولة ثقافية خاصة والمترجم يجب أن يكون ملماً باللغة وآدابها وتاريخها وثقافتها، سواء التي يترجم منها أو التي يترجم إليها· ويكون له علاقة بالأدب، إذا لم يكن أديباً· وأن يكون على اطلاع دائم على تطورات الأدب والنقاشات التي تدور حوله في البلدان العربية·
وأشير هنا إلى غياب النقد الأدبي لهذه الترجمات وذلك لندرة النقاد الملمين بالأدب العربي الحديث، وأيضا عدم وجود مراجع بالألمانية حول الأدب العربي الحديث''·
ويلاحظ توفيق عدم مراجعة النص من قبل الناشر العربي: ''هناك بعض الصعوبات التي تطرأ على عملية الترجمة لأسباب عديدة: فالغالبية العظمى من النصوص العربية المنشورة، الرواية، القصة والشعر غير دقيقة، لعدم وجود محرر أدبي في دور النشر العربية يراجع النصوص قبل نشرها· ففي ألمانيا مثلا هناك وظيفة المحرر في دار النشر· وهي وظيفة مهمّة لها مكانتها الأدبية· حيث يقوم هذا المحرر المتخصص بمراجعة النص ليس من ناحية القواعد اللغوية فحسب وإنما من ناحية الأسلوب وحذف التكرار والمبالغة والشطح والتناقض وكل ما لا يلزم·
أكثرية الكتاب العرب ما زالوا يكتبون للخطابة والإلقاء وليس للقراءة، خاصة في الشعر· ولهذا يصعب في بعض الأحيان نقل هذه النصوص إلى الألمانية التي هي لغة عقلانية أكثر ما هي لغة عاطفية· فمثلاً هناك صور وموتيفات انتهى زمانها في الشعر الألماني، ما زال الشعر العربي الحديث يزخر بها، و مثال على ذلك بُعد الحبيب أو الحبيبة في قصائد الحب الزاخرة، أي صعوبة الوصول إلى الحبيب والحبيبة· فالقارئ الألماني لا يستسيغ هذه الصور والتعبيرات لأنها لا تمثل له أي شيء، إذ لم يعد الحب هناك شيئاً ممنوعاً مثل ما هو في المجتمعات العربية·
فالقصيدة الألمانية هي قصيدة مكثفة تتعامل مع المعطيات الحديثة بينما أكثر الشعر العربي ما زال يتعامل مع معطيات غير محددة ملأى بالتعبيرات والكلمات التي لا يجمعها سياق''·
ويرى توفيق أن هناك إشكالية بين الكاتب العربي وبين تراثه حيث ''ما زال للتراث سيطرة على الثقافة العربية لغوياً وفكرياً، بينما الكاتب الألماني هو الذي يسيطر على تراثه، يبحث فيه ويخربه ويلعنه بعض الأحيان، يستخدمه كما يشاء من دون خوف، التراث مرجع له في الدراسات وليس محرّكاً له''· وهناك، حسب قوله ''معوقات أخرى يجب ذكرها وهي أن عملية النشر في البلدان العربية لا تخضع إلى قواعد· كل إنسان يستطيع دفع تكاليف الطباعة سيجد ناشراً لكتابه، أكان هذا النص جيداً أم لا، كما سيجد من يكتب عنه في الصفحات الثقافية· كثير من الأحيان تصلني إصدارات جديدة يرسلها لي الكتاب على أمل ترجمتها، لكنني أرمي أكثرها جانباً لأنها مملة وعقيمة أسلوباً ولغة ومحتوى· في ألمانية أتلقى سنوياً عشرات الكتب الجديدة لكوني ناقداً أدبياً أيضاً، لكن هذه الإصدارات تصلني من دور النشر وليس من الكٌتاب· كما أن هناك مشكلة أخرى ألا وهي ندرة القواميس والمعاجم العربية الألمانية، فلا يوجد سوى قاموس وحيد صدر عام 1952 ولم يتم تحديثه إلى الآن''·

فوقية فرنسية أم دقّة كتابة؟

الناقد السوري جمال شحيد لا نجده يتفق في مقال له (مجلّة الآداب ـ بيروت، 87 يوليو وأغسطس 1999) مع إجابة سليمان توفيق على سؤالنا، فشحيد إذ قال إن مترجمي الأدب العربي إلى الفرنسية يتمتعون عامة بجدية وتمكن إلاّ أنّه لاحظ ''أن بعض الفرنسيين يتعاملون مع النص الأصلي بفوقية تجعلهم يجيزون لأنفسهم تشذيب النص و(تمتينه) فهم يعتبرون أن إحاطة الكاتب بنصه غير منضبطة؛ فيسلطون عليه أحكامهم (الديكارتية) البتارة، ويظنون أنهم إن أبقوا على النص كما خرج من يدي الكاتب فسيفقد من رونقه وبهائه وسيخسر بالتالي عدداً من القراء، فيعيدون كتابة النص ويجردونه من بعض التفاصيل ويقدمون ويؤخرون حتى (يستقيم) النص فكأن الكاتب العربي ما زال في نظرهم طفلاً يحبو ولم يشتد عوده؛ وكأن الكتابة يجب أن تتبع نموذجاً أوروبياً بحتاً هو الفيصل والقسطاس؛ وكأن هناك كتابة أوروبية واحدة: فإما أن تكون الرواية العربية صنوا للكتابة الأوروبية أو نسخة عنها، وإما أن لا تكون''·
بعد سبع سنوات، أشار جونتر أورت مترجم الأدب العربي إلى الألمانية، في محاضرة له بعمّان (2006)، إلى رأي شحيد الذي شعر، كما قال، أنّه يخصه، وإن لم يكن مترجماً فرنسياً·
ووجهة نظر أورت كان قد فصّلها في محاضرة مشابهة في صنعاء (2004) إذْ أوضح أنه وأثناء ترجمته للنصوص الأدبية العربية إلى الألمانية يقوم، إلى جانب الترجمة ''بالتنقيح والتعديل والتكييف للجمل الأصلية في كثير من الأحيان كيلا تبدو ضعيفة أو غريبة في الصيغة المترجمة''·
ورأى أن ''ذلك طبيعي بخصوص بعض المجازات والتشبيهات الأدبية التي تنبثق من خصوصيات بيئة ولغة معينة، ويجب تعديلها في الترجمة حتى لا تفهم خطأ''، مثل كلمة (القمر) كرمز للجمال، كالقول (كانت جميلة كالقمر)· فهذه العبارة، يوضح جونتر ''يمكن ترجمتها بالطبع، ولكن يجب الانتباه إلى أن القمر، وإن كان يعتبر جميلاً باعتباره ظاهرة طبيعة في الغرب أيضاً، إلا أن استخدامه لوصف جمال امرأة يبدو غريباً ومحيراً للقارئ غير العربي، وربما كانت المشكلة أكبر بما يخص المطر، فهو يرمز في إطار اللغة العربية إلى الخلاص والخصوبة والنعمة وما هناك من معانٍ إيجابية، أما في الغرب (أي في الشمال جغرافياً) فالمطر يعتبر شيئا مزعجاً أو كئيباً باعتباره حدثاً شبه يومي يجعل الناس يتشوقون لدفء الشمس، لا أكثر''· وبالتالي، كما يقول جونتر، فإن إحدى أهم القصائد العربية (أنشودة المطر) لبدر شاكر السياب ''قد تظل غامضة وغير مفهومة في عيون القراء غير العرب، مهما بذل المترجم من جهود بديعة في نقل هذه الأنشودة إلى لغة أجنبية· وليس الحل بالـتأكيد أن تتم ترجمتها بـ (أنشودة الشمس)··''·
واعتبر أورت ''أن العديد من الأدباء العرب يكتبون بفصاحة وبلاغة لا يرقى إليهما الشك، إلا أن الضعف الناتج عن عدم خضوع بعض النصوص للعمل التحريري، أي تحريره من الأخطاء والعيوب، يشكل إشكالية خاصة للمترجم''، والذي ''يجد نفسه أمام ضرورة إدخال تعديلات أحياناً لأسباب لا تتعلق بخصوصيات اللغة العربية فحسب، بل تتعلق بعدم دقة الكاتب في الكتابة، أو بالأخص بعدم قيام دور النشر العربية بمراجعة وتنقيح النصوص قبل نشرها''، فعملية تحرير وتنقيح النصوص، حسب قوله، هي ''جزء لا يتجزأ من عملية النشر في معظم دور النشر الأوروبية، حيث يعتبر بديهياً إذ أن أفضل الأدباء ليس معصوماً من الخطأ''·
وذكر مثالاً بالجزء الخامس من رواية ''مدن الملح'' لعبد الرحمن منيف، حيث تم نشر مقتطفات مترجمة من النص في مجلة، فلاحظ وجود تناقضات سردية وعبارات غامضة وبعض التكرار، وحين رجع إلى النص العربي اتضح له ''أن العلة في الأصل، وبدرجة أقل في الترجمة''، ونوه إلى أن هذا المثال هو عن جزء صغير من رواية طويلة ولا ''يدل على ضعف الرواية التي لا يمكن التقليل من شأنها''· و أشار إلى أن إحدى دور النشر الألمانية رفضت رواية يمنية قام بترجمتها حيث اعتبرتها هشّة في بنيتها، مع الاعتراف بأهمية موضوعها·

أين العيب؟

في عدد من التصريحات الصحافية قال المترجم البريطاني أنتوني جوزيف كالدربانك (طامي السميري، جريدة الرياض ـ 2 نوفمبر 2006) أنه يتدخل في بعض النصوص التي يترجمها بعد مناقشة ذلك مع المؤلف ليعطي نفس الفكرة المقصودة بالنص الأصلي، ويرى كالدربانك وهو مترجم عدد من الروايات العربية أنه لا توجد عوائق بالنسبة إلى الترجمة نفسها فكل جملة في العربية قابلة للترجمة إلى الإنجليزية بطريقة أو بأخرى، لكن المشكلة كما يقول: ''تكمن في مدى تقبل القارئ الإنجليزي للرواية المترجمة، فتقاليد الأدب العربي تختلف عن التقاليد الإنجليزية من حيث تطوير الأشخاص وسلسلة الأحداث وتركيبها، وسمعت من قراء إنجليز قرأوا روايات مترجمة من العربية عن خيبة أملهم من ضعف الشخصيات، وأيضا مما يسمونه إفراطاً في العاطفية وقد يعود ذلك إلى خبرة القارئ الإنجليزي مع الرواية منذ قرون وصغر سن الرواية العربية''·
وبالنسبة للروايات ذات المنحى الشعري فقد توجد، حسب كالدربانك، مشكلة في ترجمتها فهناك ''شعرية في كل لغة ولكنها تعتمد على الأصوات والإيقاعات وبنية الكلمة نفسها أكثر مما تعتمد على الأفكار والدلالات أي الأشياء الخاصة جدا باللغة والملامح العميقة فيها''، حيث ترجمة النصوص الأدبية ''تحتاج إلى تصرف وكم كبير من الخيال والتخيلات، فكثيراً عندما أترجم نصاً أجد نفسي أمام الكلمة العربية ولكن الكلمة الإنجليزية التي تقابلها من حيث المعنى لا تنفع إطلاقاً في السياق الشعري لأنها قصيرة أو طويلة أو لا تبدأ بحرف معين الخ· واختياري في الآخر يقع على كلمة بعيدة من الأصل من حيث المعنى ولكن قريبة من حيث القيمة الصوتية''·
هذه الشعرية في الكتابة العربية ينظر إليها عميد المترجمين الألمان من العربية هارتموت فيندريش نظرة مختلفة، فحين سألنا شتيفان فايدنر، أحد المتخصصين في الثقافة العربية وله ترجمات للأدب العربي إلى الألمانية أبرزها انطولوجيا للشعر العربي الحديث، عن إشكالية الترجمة من العربية، أرسل إلينا مجموعة من مقالاته التي كتبها حول الموضوع· وفي إحداها أشار إلى تنامي ترجمة الأعمال العربية المتميزة وأنّه ''على الرغم من هذه الجودة العالية، يرى هارتموت فيندريش أن الأدب العربي لا يزال يعامل باستخفاف، فإلى جانب الأحكام المسبقة، تعد شاعرية الرواية العربية والتي تتعارض مع عادات القراءة الألمانية من العوامل المؤثرة في الاستقبال الجيد لهذا الأدب· فلو لم ينفتح القارئ الألماني ويكون مستعداً لخوض خبرات قراءة مختلفة، فلن ينجح حتى في تذوق أكثر الأعمال تميزاً''·
دنيس جونسون ديفز الحائز جائزة شخصية العام ضمن جائزة الشيخ زايد للكتاب، والذي أشار إدوارد سعيد إلى جهوده المتميزة في ترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية، يرى أهمية خصوصية أسلوب النص العربي، وأعتبر في عدد من التصريحات والكتابات أن إتباع المؤلف العربي للتقنيات السردية الغربية لا يحفّز على ترجمة أعماله·
في جانب الشعر، يُرجع شتيفان فايدنر التثمين المتدني للشعر العربي في الغرب إلى ''الحالة الاقتصادية والسياسية المزرية في العالم العربي''، فهذه الظروف، حسب قوله ''لا تترك بصماتها على الصورة التي يتجلى بها الشعر العربي في العالم الغربي فحسب، بل هي تترك بصماتها على الشعر ذاته، فبسبب هذه الظروف المزرية على وجه الخصوص لم يعد الشعر العربي يستمتع بذلك الرقي الذي من المفروض أن يستمتع به انطلاقاً من تراثه العريق وإمكانات شعرائه على العطاء والإبداع· بهذا المعنى فالثقافة العربية لا تعاني من عدم إدراك الغرب لقيمتها، بل تعاني من حقيقة أنّها لم تعط قواها الذاتية القدرة على التفتح والازدهار، إنها إذن لا تعاني من ضعف في عرض صورتها وحقيقتها فقط، بل تعاني من عيوب ذاتية لا يستهان بها، تعيق إمكانية عرضها على نحو إيجابي''·
إذا كان الحال كما ظهر عليه، في إشكالية أو معوّقات ترجمة النص العربي، فما هو حال النشر: إلى أي مدى يتم قبول العمل المترجم، وأين تكمن الإشكالية في هذا الجانب؟
يجيب سليمان توفيق: ''في ألمانيا يظهر سنوياً أكثر من مئة ألف كتاب جديد، وتوجد هناك آلاف دور نشر· وعلى الرغم من ذلك فالكتب العربية الحديثة المترجمة عددها ضئيل جداً، بمقارنة مع ما يٌترجم عن اللغات الأخرى مثل الإسبانية والبرتغالية والروسية وحتى الهولندية والبولونية والتركية· إضافة إلى أن أكثرية الترجمات ظهرت في دور نشر صغيرة ومتوسطة''·
ويسترجع توفيق العلاقة مع الناشرين قبل عقود، فيقول: ''في البداية تم التعاطي مع الأدب العربي الحديث على أساس أنه جزء من العالم الثالث· أي أن أهميته تعود للمواضيع التي يطرحها، وليس لقيمته الفنية والجمالية· واعتبر هذا الأدب منذ البداية أدباً سياسياً هادفاً، خاصة الترجمات التي تمت في ألمانيا الشرقية· كان الأدب العربي الحديث غير معروف في فترة السبعينات، وعندما كنا نعرض على الناشرين بعضاً من النصوص العربية كنا نلاحظ أنهم لا يهتمون بها· وقبل أن يحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل لم يكن أحد يعرفه، وبعد منحه نوبل بدأ الإقبال من قبل القراء الألمان على الأدب العربي الحديث بشكل ملحوظ وازدادت مبيعات الكتب، بعد أن كان هذا القارئ لا يعرف سوى حكايات ألف ليلة وليلة''·

صعبة ومحبطة

عملية النشر، كما يقول توفيق ''مسألة تجارية بحتة· فالناشر هو رجل أعمال يقوم بطرح بضاعته إلى السوق ويريد أن يسوقها· لذا نجده يختار النصوص التي يعتقد أنه يستطيع ترويجها، فيشتري حقوق النشر من الكاتب مباشرة أو من مندوبه· وهناك بعض دور النشر الصغيرة التي تقوم بالمجازفة في نشر نصوص لكتاب غير معروفين على أساس تسويقهم تجارياً''·
ويتحدث توفيق عن إحدى تجاربه في النشر: ''لقد قمت بجهدي الفردي بترجمة أكثر من عشرين كتاباً إلى الألمانية وأصدرت ثلاثة انطولوجيات للشعر العربي الحديث، وللقصة العربية وللأدب النسائي، عن كبرى دور النشر، وقد صدرت عدة طبعات عن الانطولوجيات وكتبت عنها كبرى الصحف الألمانية· ولكن لم تتكرم أي صحيفة عربية بذكرها· وهذا نجاح كبير خاصة لانطولوجية الشعر، إذا عرفنا أن الشعر صعب ترويجه في ألمانية· ونادرة هي الكتب الشعرية المترجمة التي تحظى بانتشار واسع· حتى أن دار النشر فوجئت بعدد المبيعات التي وصلت إلى ثمانية آلاف نسخة حتى الآن· ويجب ألا ننسى أن دور النشر الألمانية الكبيرة والمعروفة ما زالت تغلق أبوابها أمام الأدب العربي الحديث وخاصة الشعر· فالشعر العربي في ألمانيا غير معروف بشكل جيد· فقد ظهرت إلى الآن ثلاثة انطولوجيات للشعر العربي الحديث ودواوين لبعض الشعراء مثل أدونيس ومحمود درويش وأنسي الحاج وعبد الوهاب البياتي وفؤاد رفقة وسركون بولص وبدر شاكر السياب وأمل الجبوري وخالد المعالي وفاضل العزاوي وسعدي يوسف وجمانة حداد وعباس بيضون· وقد صدرت هذه الترجمات عن دور نشر صغيرة''·
كيف يرى روجر آلن مسألة النشر والناشرين من خلال تجربته؟
يجيب: ''كانت ولا تزال عملية النشر للنصوص المترجمة من اللغة العربية إلى الإنجليزية صعبة للغاية ومثيرة للإحباط وأصبحت في السنوات الأخيرة (يعني ما بعد سبتمبر 2001) حتى أصعب مما كانت من قبل وبسبب انخفاض ملحوظ في ميزانيات المطابع المعنية· وإذا كان جمهور القراء للأدب الأجنبي في العالم الناطق بالإنكليزية قليلاً نسبياً وأقل بكثير من الجمهور في الثقافات الأوروبية الأخرى (ولأسباب تتطلب بحوثاً عديدة مفصلة)، فكان اهتمام القراء بالإنجليزية للأدب العربي ضعيفاً جداً ولأسباب كثيرة، متعلقة بتاريخ العلاقات بين المنطقتين والثقافتين، دامت قرونا ولا تزال موجودة في سياق الموقف الثقافي المسيطر في كثير من الميادين الثقافية التعليم مثلاً والصحافة· وغني عن القول إن الترجمة قد تكون من أكثر الوسائل تأثيراً في أي عملية أو مشروع تحاول تغيير هذا الوضع المؤسف والذي يؤدي إلى····'' ولم يكمل آلن القول·
هل يمكن للدعم المالي أن يساهم في حلّ جانب من معوقات ترجمة الأدب العربي ونشره؟ وماذا تقدم هيئات ومؤسسات الدعم للترجمة من العربية، وماذا عن الدعم العربي؟
قال روجر آلن: ''من السهل جداً أن أجيب على هذا السؤال لأن المؤسسات عامة لا تهتم بالترجمة· هناك في واشنطن ال National Endowment for the Humanities توفر بعض المنح للمهتمين بمشاريع الترجمة ولكن المبالغ المتوافرة لهذا الغرض صغيرة جداً· والجواب بالنسبة للدعم العربي سيكون أسهل: فهو لا يوجد، وإن حاول بعض المسؤولين (وأذكر منهم الدكتور جابر عصفور) تأسيس مبادئ لبعض مشاريع التبادل في هذا المجال ولكن من دون نجاح· (ومن الواضح، لا بد لنا من أن نعتمد على مبادئ التبادل في هذا المجال)· والحق يقال، هناك بعض المبادرات الآن في هذا الميدان ـ خاصة في الخليج ـ يمكن أن تغير هذه الحالة المؤسفة التي تؤثر في عدة نواحٍ سلبية جداً على الصورة العامة للعرب في أميركا خاصة''·

منهج وخطة للدعم

برأي سليمان توفيق: ''أن ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الألمانية مسألة شاقة، ما زالت تتطلب جهوداً كبيرة، ودعماً من قبل المؤسسات الثقافية· فالمؤسسات العربية لا تهتم أبداً بذلك، فالسفارات العربية والملحقون الثقافيون في داخلها لا يدرون بأي شيء ولا يعلمون بأي حدث ثقافي عربي يجري بألمانية، حتى أنهم لا يدرون أن بعض كتّابهم قد ترجم إلى الألمانية· فقد اخبرني أحد الناشرين أنه كان يرسل نسخة من كل كتاب إلى سفارة الكاتب من دون أن يحصل على رد· حتى الصحافة العربية لا تكتب أي شيء حول النشاط الأدبي العربي في ألمانية''·
وعن المؤسسات الداعمة للترجمة قال: ''هناك مؤسسة ألمانية تقدم الدعم لترجمة الكتب الأدبية من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية· وقد ساهمت هذه المؤسسة بتقديم الدعم لترجمة عشرات الكتب عن العربية· ترجمة الأدب العربي إلى الألمانية بحاجة إلى منهج وخطة مثل دعوة المترجمين للقيام بورشات عمل، وتنظيم الندوات والدراسات ليتسن للناشر الألماني التواصل مع الكتاب والتعرف إليهم· إضافة إلى تنظيم ندوات تدريبية وتنظيم رحلات عمل للمترجمين، كما هو الحال لدى اللغات الأخرى· فهناك تقصير كبير من المؤسسات العربية في هذا الشأن''·
ويلاحظ توفيق أن ''ندرة النقاد والمتخصصين بالأدب العربي الحديث يجعل هذه المهمة صعبة· فالطلب على هذا الأدب ما زال ضعيفاً حتى يٌغري بعض المترجمين بالتفرغ لهذه المهمة، بحيث يستطيعون العيش من مكافأة الترجمة، كما في اللغات الأخرى· حيث هناك المئات من المتخصصين بهذه الترجمة· بينما الذين يٌترجمون عن اللغة العربية يقومون بهذه المهمة في أوقات فراغهم''·
ويتحدث عن بداية اهتمام المؤسسات بالثقافة العربية: ''في بداية القرن العشرين ازداد الاهتمام بالعالم العربي في ألمانيا· وكثرت الجامعات الألمانية التي تهتم بالحضارة العربية· وقد ظهرت أسماء ساهمت بقدر كبير في هذا المجال مثل بروكلمان صاحب كتاب تاريخ الأدب العربي المهم· الذي يعتبر إلى حد الآن المرجع الأساسي لهذا الشأن في اللغة الألمانية· وهناك ليتمان مترجم ألف ليلة وليلة وكذلك بارت مترجم معاني القران الكريم· ويوجد اليوم أكثر من عشرين جامعة ألمانية تُعني بالدراسات العربية وأهمها برلين وبون وفرايبورغ وغوتينغن ومنستر الخ··· كان للمستشرقين الألمان دور ريادي في ترجمة وتحقيق النصوص العربية القديمة وشرحها·
في نهاية القرن العشرين ظهر جيل جديد من المستشرقين الألمان الذين أبدوا اهتماماً واسعاً بالأدب العربي الحديث· الكثير منهم درس بعض السنوات في جامعات عربية، وكان لهم علاقات مع أدباء عرب معاصرين''·
ماذا يريد قارئ النص العربي المترجم؟ أليس ذوق القارئ هو من يحدد انتشار العمل الأدبي أولاً؟
سألت سليمان توفيق: ماذا يريد القارئ الألماني؟
فأجاب: ''القارئ الألماني يبحث عن قصص وروايات وسير ذاتية تُزيده معرفة من جهة، ومن جهة أخرى تشكل له قراءتها متعة ولذة بصرف النظر عن مصدرها· هو يبحث عن نصوص تحكي له عن أوضاع وأحداث لا يعرفها، غريبة عنه، ولذلك نجد أن الكتب الأدبية التي لها طابع محلي هي التي تصل إلى العالمية· إن المحلية مهمة جداً في انتشار الأدب عالمياً· لان القارئ لا يريد أن يقرأ أشياء يعرفها''·

أدب متوقع ومعلوم وماذا عن القارئ الإنكليزي؟

لسوء الحظ، قال روجر آلن ''القراء القليلون للنصوص العربية المنشورة في اللغة الإنجليزية يفضلون كثيراً قراءة النصوص المترجمة التي تؤكد توقعاتهم فيما يخص القيم الثقافية والبيئية إلخ·· وبوجه الخصوص في ميدان الكتابات النسوية· وفي الميدان نفسه والمنطق نفسه لا يريد هؤلاء القراء أن يقرأوا نصوصا تعرض لهم أمثلة لاختلافات عنيفة عن قيمه الثقافية وتتحدى وسائله العادية في قراءة النص السردي الخيالي· فأحب القراء للغة الإنجليزية (ثلاثية) محفوظ مثلا لأنها لم تتطلب منه مواجهة غير المعلوم وغير القابل للفهم في مجال التسلسل التاريخي للسرد وتصوير الشخصيات الخ·· وأحبوا كذلك ''عمارة يعقوبيان'' مؤخراً للسبب نفسه· وقامت دار نشر إنجليزية بنشر ''بنات الرياض''· ولكن كيف سنقنع القارئ الأميركي بامتياز أمثلة كثيرة للرواية العربية؟''·
العبارة التي تشير إلى أن الترجمة خيانة والمترجم خائن تكاد تكون متداولة في كلّ اللغات، حتى أن البعض ذهب إلى تمجيد هذه الخيانة، بل إن بورخس تحدث عن نصوص مترجمة تفوقت عن النصوص الأصلية، مع أن الفعل هذا لم يكن، من دون وجود النص الأصلي·
من (الخائن) في ترجمة الأدب العربي؟
صفة الخيانة، من خلال هذا العرض لإشكالية الترجمة تنحو، كما يبدو، في اتجاهين، فهي خيانة جميلة إذْ تحقق مطلب الترجمة في كل جوانبه، كما قد لا تصبح كذلك حين تظل خيانة معيقة لأي تطلع في هذا المجال·
وهنا نسأل: هل تكفي مبادرة القاهرة بإنشاء مشروع للترجمة يترأسه المفكر والناقد جابر عصفور؟ وهل تكفي مبادرة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بإنشاء مشروع (كلمة) المعني أساساً بالترجمة إلى العربية؟ أليس الأمر يتعلّق بالتوزيع، وبالتالي بالتسويق والإعلان، وقبل ذلك بجودة النص وتميز طباعته؟ وإلى متى ستظل أسئلة ترجمة الأدب العربي ملحّة عند الكاتب نفسه ولدى المؤسسات الثقافية المعنية بالدعم والنشر والانتشار؟

ترجمات الأندلس: مرجعيات النهضة

حسب الكثير من الباحثين فإنّه تم في بغداد خلال الفترة من القرن الثامن إلى العاشر الميلادي ترجمة العديد من الكتب اليونانية في الفلسفة والعلوم إلى العربية، حيث اغتنت بالتفسيرات والجدل الواسع حولها، وشكلت بعد ذلك بداية الترجمة من العربية إلى اللاتينية في الأندلس (أسبانيا)، والتي اعتبرت أبرز عوامل النهضة في القرن الثاني عشر، فحركة الترجمة التي كانت إنجازاً لعدد قليل من رواد الفكر في طليطلة وبرشلونة وبامبلونا كانت تهدف، حسب مقال الألماني داغ هاسّة (مجلة: فكر وفن 79 ـ كولونيا)، إلى ''سد فجوة ضخمة في مرجعيات العلوم الغربية، وبخاصة في مجال العلوم الطبيعية، من خلال الأعمال العربية، ومن هؤلاء: الإنجليزيان أديلارد أوف باث وروبرت أوف كيتون، وهيرمان فون كاترينا من دلماسيا، والإيطاليان بلاتو دي تيفولي وغيرهارد فون كريمونا''، وهذا الأخير ترجم وحده سبعين عملاً من العربية إلى اللاتينية، وترجم زميله الأسباني دومينيكوس غونديسالينوس ''نصف دستة كتب''· وتشير بعض المصادر أن ترجمة ابن المقفع ''كليلة ودمنة'' كانت من أوائل من ترجم إلى اللاتينية·
فيما بعد شكلت أول ترجمة للفرنسية (1704) لكتاب (ألف ليلة وليلة) قام بها أنطوان غالان، ثم إلى الإنجليزية، الحدث الأدبي الأهم في الغرب· وظل هذا الكتاب محل أبحاث وترجمات عديدة منها ما قام به قبل سنوات أندريه ميكيل وجمال الدين بن الشيخ وكلود بريمان في فرنسا، وكذلك ما قامت به كلاوديا أوت في ترجمتها الليالي إلى الألمانية من نسخة نادرة تتجاوز نواقص وأخطاء غالان، ومعتمدة على المخطوطة العربية الأكثر قدماً في طبعة محسن مهدي·
إلى ذك ليس هناك مصادر متخصصة ترصد تاريخ الترجمة من العربية في العصور اللاحقة باستثناء بعض الإشارات، فقد ازدهرت في بعض المراحل الترجمة إلى العربية، فيما كاد أن ينعدم نشاط الترجمة منها، فمثلا يذكر باحثون أن في عهد محمد علي في مصر (1805 ـ 1849) تم نقل أربعمائة وأحد عشر كتاباً إلى العربية، بينما ترجم كتاب واحد فقط من العربية إلى الفرنسية·
فيما بعد، وفي العصر الحديث، حسب بعض الإشارات التاريخية فقد نشر عام 1937 للكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية روايتها الأولى بالفرنسية بعنوان (الحرملك)· كما نشرت عام 1932 لطه حسين ترجمة بالإنجليزية لكتاب (الأيام)· وفي عام 1947 نشرت في لندن أول ترجمة إنجليزية لرواية عربية وهي ''يوميات نائب في الأرياف'' لتوفيق الحكيم، والتي ترجمها، حسب آلن، محاضر اللغة العربية في جامعة كمبردج أوبري إيبان (المعروف فيما بعد وزيراً لخارجية إسرائيل)· وفي مطلع سبعينات القرن الماضي بدا واضحاً اهتمام الفرنسي بيار برنار بالثقافة العربية حين أسس دار (سندباد) التي ترجمت العديد من الأعمال الأدبية·

اقرأ أيضا