صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

طروادة وفتنة السرد

مشهد سينمائي لحصان طروادة (أرشيفية)

مشهد سينمائي لحصان طروادة (أرشيفية)

حنا عبود

فتنة السرد في رواية ما بعد الحداثة
نعتبر السرد في رواية ما بعد الحداثة عودة إلى السرد الذي استخدمه هومر في الملحمتين الخالدتين، الإلياذة والأوديسة، كما استخدمه غيره مما وصلنا من الأدب اليوناني، فلو نظرنا في صناعة السرد اليوم لوجدنا أنها تقوم على «الأسرار»، سواء أكانت هذه الأسرار واقعية بالكامل، كما في رواية «شيفرة دافنشي» أو بقية روايات دان براون، أو كانت أسراراً غير واقعية، ولنقل خفية كل الخفاء، كما في رواية «العطر» لزوسكيند، أو أي منتج لروايات ما بعد الحداثة، وحاولنا أن نعثر على رواية واحدة من الرواية التي استحوذت على ألباب القراء لا تقوم على الأسرار، فلم نجد. ونعتقد أن المكانة الرفيعة التي احتلها الفن الروائي في هذه الأيام تعود إلى هذه الناحية، وعندما نقول الأسرار، لا نعني أن كل كاتب يتبع نسقاً مشتركاً مع غيره، فالأسرار كثيرة من جهة وأنواعها متعددة من جهة ثانية، قد تقترب من الأحاجي وقد تدخل في الألغاز، وقد تنكشف في النهاية، وربما لا تنكشف أبداً. إن العزف على وتر الأسرار هو النغمة السائدة في الإيقاع السردي لرواية ما بعد الحداثة. من الطبيعي أن تكون هناك مجالات واسعة أمام الكاتب اليوم، بعد هذا التقدم الهائل في الميدان المادي والتعقيد السكاني، مختلفة عن مجالات الكاتب القديم، الذي كان مقتنعاً أنه لا توجد أسرار خارج الميثولوجيا، فاعتمدها مصدراً لكتابته. اليوم عاد الكاتب إلى الأسرار عن طريق العلم، ولكن القارئ لا يهمه أي طريق يسلك الكاتب، المهم أن يجد للكتابة لذة تسيطر على مشاعره وأحاسيسه، وتجعله متفاعلاً مع ما يقرأ. لم يعد للمنبع الاجتماعي لبلزاك وزولا وفلوبير وجي دي موباسان ذاك التأثير الذي يستغل العلاقة الاجتماعية، في سرد ما بعد الحداثة. هذا المنبع خفّ إلى درجة بعيدة، وصارت «الأسرار» بكل أنواعها المعتمد الأكبر لفتنة السرد.
وقد وجدنا كلمة فتنة مناسبة للعمل السردي كل الملاءمة، ويقابلها باللغات الأوروبية fascination تماماً، والمقصود بها أكثر مما تعنيه كلمة التشويق بكثير، ففن السرد الآسر لا يجعل القارئ يترقب فقط، بل يدفعه إلى المشاركة في ترتيب المخارج، والقبض على الحتمي والتصادفي وما يربطهما... الخ. فإذا اعتبرنا «هومر» من الأدباء فقط، قلنا إن رواية ما بعد الحداثة لم تعد إلى الفلاسفة اليونانيين الأوائل وحدهم، بل عادت أيضاً إلى الأدباء اليونانيين الأوائل. ومن الجانبين يمكن القول إن رواية ما بعد الحداثة تصنع «ميثولوجيا» خاصة بها، ربما يكون اسم «فتنة السرد» أنسب لهذا المرتكز الأدبي المشترك، عراقة وحداثة.

طروادة نمط أوَّلي
نشأ أدب الغرب من قصة طروادة. نظم هومر فيها ملحمتين ضخمتين، الإلياذة والأوديسة. الأولى قبل سقوطها والثانية بعد سقوطها. الأولى بريّة والثانية بحرية، ومن هاتين الملحمتين ظهر الأدب اليوناني وتطور، وعلى هذا الأدب اعتمد الأدب الغربي كله، وقد جمع فرجيل في ملحمته «الإنياذة» كلاً من المزايا البريّة والبحرية، فقسمها الأول بحري والثاني بري، ومنذ ذلك الوقت والغرب يستلهم في أدبه السردي هذه البداية العظيمة، ولم يبقَ كاتب إلا استفاد من طروادة، أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس... كتب نثرية كثيرة «دمار طروادة» «اختطاف هيلين» «وصف اليونان»... إلخ. وشخصيات قصة طروادة أمثال أجاممنون وإفيجينا وأورست وكليتمنسترا وكاسندرا وبريام وهيكابي وبنيلوبي وأوديسيوس الإيثاكي وممنون الأثيوبي وبنتيسيليا ملكة الأمازونات، وأخيل وهكتور وإينياس... إلخ. شخصيات ملهمة، ويعود إليها النقاد في كثير من مواقفهم. أما الحرب الجوية، فتأخرت حتى القرن العشرين، ولم نسمع بحرب النجوم إلا من الرئيس الأميركي ريجان. وتحتل المعارك الفضائية اليوم المساحة الأكبر من فن السرد المكتوب والمنظور. أما الرومانس فعلى هذا النوع انتظار ظهور الإسكندر، وحروبه العالمية حتى يزدهر ازدهاراً شاملاً، وإن كانت أوروبا الحاضنة الكبرى له.
خلق الأدب الطروادي نمطاً كبيراً من الأنماط الأولية، والفرق اليوم بين سرد ما بعد الحداثة والسرد الطروادي، أن الثاني اعتمد التاريخ الأسطوري، وجعل الأزمات المتلاحقة يحلها الآلهة، بينما الأول يعتمد التاريخ الواقعي، بعد أن يدخل عليه الكثير من الأسرار المحيرة والألغاز التي تدل على مهارة التعليل وإحداث فتنة في القارئ تكاد تصل إلى ما وصلت إليها الملاحم القديمة.
ليست طروادة نمطاً أولياً مقتصراً على الأدب والفن، بل هي نمط أولي لشراسة الطواغيت، وتكررت على مدى التاريخ، في الإمبراطوريات القديمة، التي كانت تمسح المدن بالتراب مسحاً، وما بابل والبصرة ومدن الأناضول سوى مثال من أمثلة كثيرة، وفي الإمبراطوريات الحديثة، تبرز هيروشيما وناجازاكي كأمثلة عصرية، واليوم نرى بأم العين تدمير المدن على يد طواغيت الإمبراطوريات الحديثة، فيتزعزع إيماننا بأن البشرية ارتقت إلى الدرجة التي تحمي الناس من الإبادة والمدن من التدمير.

فتنة السرد في «طروادة»
طبعاً استلهم سرد قصة طروادة فتنته من الميثولوجيا، فلو أمعنا النظر في الحادثة لوجدنا أن القصة تبدأ واقعية جداً، فمجيء باريس سفيراً إلى إسبارطة شيء عادي ومألوف، وعشقه لهيلين شيء مسبوق وملحوق، فهنا يعتمد السرد على فتنة الحدث الواقعي المفاجئ. أما بقية القصة فقد تولى السرد صياغتها. ماذا لو أن الجيوش صعدت ظهر السفن ومخرت البحر نحو طروادة؟ لا شيء، سوى أن القصة تخلو من الفتنة والجمال والتشويق. أما عندما تهب الريح الشمالية وتمنع السفن من الإقلاع، فإن هذا فن يأخذ بالقلوب، لأنه يخلق منعطفاً مفاجئاً، وحتى تحل هذه العقدة يقول العراف إن على أجاممنون أن يضحي بابنته إفييجينا، كما فعل يفتاح بابنته عندما خرجت لاستقباله، حسبما ورد في العهد القديم. وسبب تقديم هذا القربان أن أجاممنون نفسه طارد غزالاً للربة ديانا وقتله، وجاء أوان العقاب، وهو أن يضحي بابنته قرباناً حتى تسمح الربة للرياح المواتية أن تهب لتنطلق السفن، ويهز هذا السرد كيان القارئ، فكيف يمكن تقديم ضحية بشرية بريئة، لذنب لم تقترفه، بل اقترفه أبوها عفوياً وهو صيد غزال؟ كانت البشرية قد تخطت مرحلة القربان البشري، وانتقلت إلى الضحية الحيوانية قبل زمن طروادة وأجاممنون، ويراعي السرد هذه الناحية فيلجأ إلى حيلة أخرى، وهي أن دياناً استبدلت إفيجينيا بضحية حيوانية، تماماً مثلما استبدل ملاك الرب إسحق بكبش من الماشية. وبعد أن تستقر إفيجينيا كاهنة في معبد دياناً في مرفأ تاورس، ينطلق الأسطول الحربي من أوليس، وبما أن السرد مركز على الحدث البري، فقط صمت عن الرحلة البحرية، ولم يقدم كلمة واحدة، بينما في رحلة عودة أوديسيوس ومنيلاوس وسواهما جرت أحداث بحرية عديدة، ابتكرها السرد ليلعب بالقارئ حتى فر عرض البحار.
ولما كان من الواجب ترك فسحة من الراحة في قصة تدور كلها على الحرب، فقد ابتكر السرد خلافاً لا يقنع أحداً، وهو اشتراط أجاممنون إذا أطلق ابنة الكاهن خريسيس أن يأخذ بدلاً منها بريسيس، وهي من سبايا أخيل، الذي يضغط عليه رؤساء الجيش عليه حتى يقبل، وإلا أودى الشقاق بنصرهم، فقبل وتخلى عن بريسيس، ومقابل ذلك انسحب من ميدان القتال وتقهقر الإغريق. هكذا كأن السبايا كانت نادرة!
خذ أي قصة من قصص طروادة تجدهم يعتمدون السرد الذي يجذب القارئ ويمسك به، فلو أن بحارة أوديسيوس لم يفتحوا القربة التي حبس فيها رب الهواء الرياح الهوجاء، لكان وصل إلى إيثاكا، وطرد خاطبي بنيلوبي وانتهت القصة بعشرين صفحة، ولكن فتح القربة جعل السفينة تعود من حيث أتت، وبهذه اللعبة الميثولوجية أمكن للسرد أن يفعل فعله، فأطال الرحلة وأدخل المزيد من التشويق عليها، وجعل القارئ لا يمل الانتظار، مثل بنيلوبي.
سار فرجيل على طريقة هومر، وجمع بين الملحمتين فجعل البطل يخوض البحار أولاً، ثم تبدأ مسيرته البريّة، لكن فرجيل لم يستخدم مثل هذه الألعاب كثيراً، بل اعتمد على لغة متقنة تبالغ في الوصف، ولكنها لا تخترع تلك الحيل التي ابتدعها الإغريق، كحشر سبب تافه جداً في مسألة خطيرة جداً استرضاء للقارئ. كان هومر قادراً أن يجعل الإغريق ينتشلون جثة أجاكس ببساطة، ولكنه يلعب لعبة السرد فتتأرجح الجثة بين الطرواديين والإغريق، وعيون القراء متسعة، كأن في أجاكس سراً مقدساً يجب الدفاع عنه، وهناك الكثير من الألعاب التي ابتكرها السرد، كادعاء أوديسيوس الجنون، فأخذ يحرث شاطئ البحر ويزرعه ملحاً... إنها ألعاب تشبه حكايات جداتنا لأحفادهن في السرير.
كل هذه الألعاب تحوّلت إلى أسرار في قصة ما بعد الحداثة. والشهرة التي حققتها رواية ما بعد الحداثة أنها تتعامل مع الأسرار في الوقت الذي لم يدع العلم باباً مغلقاً على سرٍّ إلا فتحه، وترك نوافذه مشرعة، وطرح حتى أمام أطفال اليوم من المعلومات ما يعجز عن تحصيله أهل طروادة، أيام زمان، وبما أن اللغة تخلق الأسرار بلعبة فنية فإن الفن اللغوي اليوم هو الحافظ الكبير لرواية ما بعد الحداثة، كنوع من التعويض عن أفعال الآلهة الوثنيين الذين كانوا يدهشون في توقيت تدخلهم، وفي إتقانهم للوظيفة الموكلين بها.

طروادة إلى الأبد
لو لم تكن طروادة مدينة رائعة تستهوي القلوب بجمالها وأسوارها التي بنتها الآلهة وإليها تشخص أبصار العسكر الطامعين، لما تجمعت كل هذه الجيوش. وبالفعل عاد كل مقاتل إلى منزله ومعه ثروة كبيرة. المدينة دمرت بالكامل، وأحرقت بالكامل، فأحرقت القصور، كما أحرقت البيوت الصغيرة، وفعل السيف فعله في السكان، فالقسم الأعظم تشرد ناجياً بنفسه، وقتل كل من بقي في المدينة، وحتى لا يعود بريام يشرف على أملاكه من قصره المنيف أوقدوا فيه النار، وجعلوها تندلع في كل منزل، وكل شارع، وراحوا يقتلون النساء والأطفال حتى لا تعود طروادة تنتج طرواديين، وحتى لا تعود خزائنهم تنوء بالكنوز، وحتى لا تعود السفن العابرة تدفع مكوساً مرتفعة. صحيح أنها غنية، ولكن التاريخ لم يذكر أنها كانت عدوانية.
يقول جلبرت تشسترتون إن نهاية طروادة لم تنته... والنار التي أهلكتها لم تهلك.
كل الذين دمروا طروادة لقوا حتفهم، بعضهم مباشرة، وبعضهم بعد حين، وبعضهم قتلته زوجته، وبعضهم ابتلعه البحر، وبعضه جنَّ وراح يحارب ما يتوهمه عدواً... لم يبق منهم إلا لعنة التاريخ، أما طروادة، فقد ظلت تذكر ضحية جريمة مروَّعة، وتكررت طروادة كثيراً في كل القارات، وبخاصة بعد أن استولى العسكر على السلطة في أواسط القرن الماضي، في القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. مدن دمرت وسوَّيت بالأرض، أفواج هائلة من السكان هجِّروا، وأفواج قتلوا، وكما حمل أخيل لقب «مدمر المدن» كذلك أطلق الأدب عليهم هذا اللقب إلى جانب الألقاب السلبية الأخرى. في القديم كان آلهة الوثنيين يتعهدون المدن الصالحة، فتعهدت أثينا مدينة فسماها سكانها باسمها، وكان ملائكة التوحيديين يدمرون المدن الفاسقة، فدمروا سادوم وعامورة، وحوَّلوا المغتصبين والمعتدين والآثمين إلى أعمدة من الملح. طواغيت هذه الأيام يدمِّرون كل شيء، مع أنهم يعرفون كيف سيذكرون في المستقبل. ترى هل تظل الطواغيت تظهر في القارات الثلاث حتى قيام «حكومة كل العالم» التي حدثنا عنها عمانوئيل كانط، والتي زعم أن هذه الحكومة تفرض دستوراً واحداً لكل الدول، وتتشدد في محاسبة المخالف حتى لا يصير طاغوتاً؟

صناعة السرد
فلو نظرنا في صناعة السرد اليوم لوجدنا أنها تقوم على «الأسرار»، سواء أكانت هذه الأسرار واقعية بالكامل، كما في رواية «شيفرة دافنشي» أو بقية روايات دان براون، أو كانت أسراراً غير واقعية، ولنقل خفية كل الخفاء، كما في رواية «العطر» لزوسكيند، أو أي منتج لروايات ما بعد الحداثة.

لعنة التاريخ
كل الذين دمروا طروادة لقوا حتفهم، بعضهم مباشرة، وبعضهم بعد حين، وبعضهم قتلته زوجته، وبعضهم ابتلعه البحر، وبعضه جنّ وراح يحارب ما يتوهمه عدواً... لم يبق منهم إلا لعنة التاريخ