صحيفة الاتحاد

دنيا

النسفي رئيس الحنفية و «علامة الدنيا»

النسفي

النسفي

العلامة النسفي أحد الزهاد من أئمة الفقه والأصول والتفسير، وتصانيفه الكثيرة تشهد له بالسبق والتقدم والاجتهاد، ولعلمه وورعه وفضله انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي في زمانه.
ويقول الدكتور مصطفى العرجاوي - عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر - ولد الإمام أبو البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود الملقب بالنسفي نسبة إلى نسف ببلاد السند، بين جيحون وسمرقند من بلاد ما وراء النهر، بقرية إيدج الواقعة بين خوزستان وأصبهان، ولم تذكر كتب التراجم تاريخ مولده.
ونشأ العلامة النسفي محبا للعلم وحفظ القرآن الكريم والكثير من الأحاديث النبوية الشريفة وهو صغير، وتردد إلى مجالس العلماء فأخذ الفقه والأصول والعربية واللغة ودرس الفقه الحنفي عن شمس الأئمة أبي الوجد الكردري، والإمام حميد الملة والدين علي بن البخاري الضرير، والعلامة بدر الدين محمد بن الكردري المعروف بـ “جواهر زاده”، وقيل إنه روى الزيادات عن أحمد بن محمد العتابي.
وعرف بالصلاح والتواضع والزهد والكرم، والتضلع في العلم وسعة الأفق وفصاحة اللفظ وطلاقة اللسان، ومحبته للفقراء والطلبة والإحسان إليهم، واشتهر بالترفع على الملوك، وعدم التقرب لأرباب الدولة، فكان لا يجتمع بهم إلا إذا أتوا إلى منزله، وأثنى على علمه ودينه العلماء.
قال عنه ابن حجر العسقلاني: “عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي علامة الدنيا”، وقال الحافظ عبد القادر في طبقاته: “أحد الزهاد المتأخرين صاحب التصانيف المفيدة في الفقه والأصول”، وقال ابن تغري بردي: “عبد الله بن أحمد بن محمود، الإمام العلامة شيخ الإسلام حافظ الدين أحد العلماء الزهاد، وصاحب التصانيف المفيدة في الفقه والأصول والعربية”، وذكره صاحب كتاب معجم المطبوعات العربية: “كان إماما كاملا عديم النظير في زمانه رأسا في الفقه والأصول بارعاً في الحديث ومعانيه”.
علامة الدنيا
وكان الإمام النسفي - رحمه الله - منكباً على الاشتغال والتصنيف ورأسا في الفقه والأصول، بارعاً في الحديث ومعانيه، فاضلاً محرراً مدققاً، ولعلمه ومعارفه الغزيرة وسعة أفقه وورعه لقبوه بعلامة الدنيا، وتصدر للإفتاء والتدريس سنين عديدة، وانتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه علماً وعملاً.
وذكرت كتب التراجم أنه كان يتميز بالسبق والتقدم والقدرة على التمييز بين القوي والضعيف، والحرص على عدم النقل في كتبه الأقوال المردودة والروايات الضعيفة، وعده بعض العلماء من المجتهدين في المذهب وقالوا إنه اختتم به ولم يوجد بعده مجتهد في المذهب الحنفي. وتتلمذ على يد العلامة النسفي الكثيرون من النجباء منهم الشيخ حسام الدين الحسين بن علي الصغناقي. وخلف الإمام النسفي مصنفات جليلة في الفقه والأصول والحديث والتفسير وعلوم العربية منها “كنز الدقائق”، وهو من أشهر مؤلفاته في الفقه والأصول، وهو متن معتمد في فروع الحنفية، لخص فيه الإمام ما عم وقوعه حاوياً لمسائل الفتاوى والواقعات فكان هذا المختصر الفقهي عمدة المحققين، منتقى من منتقى فائق، جمع أصول هذا الفن وقواعده، واحتوى على غوامضه وشوارده، ولقيمته الكبيرة تعدد طبعه وكتب عليه العلماء شروحاً عدة وأولوه عناية بالغة حتى قيل إنه أحسن مختصر أُلف في فقه الحنفية، وكتاب “منار الأنوار في أصول الفقه” و”كشف الأسرار في شرح المنار” و”الوافي في الفروع” و”الكافي في شرح الوافي” و”المستصفي في شرح منظومة أبي حفص النسفي” والمعروفة بالمنظومة النسفية في الخلاف، و”المصفى” و”عمدة العقائد في أصول الدين” و”الاعتماد في شرح عمدة الاعتقاد” و”المنافع في شرح الفقه النافع” و” فضائل الأعمال في الرقائق”.


“مدارك التنزيل وحقائق التأويل”

ويعد تفسيره “مدارك التنزيل وحقائق التأويل” من أجل كتب تفسير القرآن، وهو كتاب وسط في التأويلات، جامع لوجوه الإعراب والقراءات، متضمن لدقائق علم البديع والإشارات، ومتحل بأقاويل أهل السنة والجماعة، خال عن أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل. طبع في جزأين ببومباي بالهند سنة 1279 هـ، ثم طبع بمصر سنة 1306 هـ، ثم تعدد طبعه بعد ذلك في الشرق والغرب، ولفوائده العظيمة تقرر للتدريس على طلاب الأزهر سنوات طويلة، وكان عليه المعول والاعتماد في دراسة التفسير في جملة من معاهد العلم الشرعي بالعالم الإسلامي حقبة زمنية طويلة. وحقق الكتاب كاملاً تحقيقاً علمياً في عدة رسائل جامعية. وتوفي الإمام النسفي - رحمه الله - ببغداد سنة 710 هـ، ودفن في بلده إيدج.