صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

نحو إعادة صياغة خريطة الثقافة العربية نحو إعادة صياغة خريطة الثقافة العربية

الكتب كنوز للمعرفة  (أرشيفية)

الكتب كنوز للمعرفة (أرشيفية)


أعرب أحمد العسم، نائب رئيس فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، المدير التنفيذي لفرع الاتحاد في إمارة رأس الخيمة، عن سعادته وافتخاره بصدور مثل هذا المرسوم الوطني، الذي يعلي من شأن الفكر والثقافة، ويأخذ بيد المثقفين والمفكرين، ويصوب جهودهم، وأحلامهم في بناء مجتمع معرفي راسخ، عماده الإنسان، وفكر الإنسان، حيث يشمل الجميع، مواطنين ومقيمين، من دون تمييز. ورأى في قانون القراءة الجديد أنه يكرس بناء الإمارات العربية، كوطن للقراءة، عربياً، نحو إعادة صياغة خريطة الثقافة العربية، والانتقال بها إلى فضاء أوسع، يعيد تعريف الفعل الثقافي، كفعل حياتي راسخ وعريض، ويجعله نمط عيش مشتركاً، لتصبح الثقافة.. ثقافة الإنجاز والإبداع، وقيم المساءلة، والمسؤولية الاجتماعية، والتسامح، والانفتاح على الأفكار الجديدة، والاستجابة الإيجابية للتحديات والمتغيرات القادمة.

مجتمع المعرفة
وقالت موزة المسافري، مديرة المركز الثقافي وتنمية المعرفة في رأس الخيمة: إن قانون القراءة، الذي أصدره صاحب السمو رئيس الدولة، يساهم في ترسيخ مداميك استدامة القراءة في مجتمع دولة الإمارات العربية، كما أن القانون حدد مسؤوليات تتولاها وزارة الثقافة وتنمية المعرفة. ونحن كمنظومة تابعة لوزارة الثقافة وتنمية المعرفة، سنساهم في تنفيذ البرامج الموكلة إلينا، خاصة في مكتبات مركز وزارة الثقافة وتنمية المعرفة في رأس الخيمة. وبذلك سنحقق الهدف المرجو من جعل القراءة عادة في حياة المواطن والمقيم في دولة الإمارات، التي حددت خطواتها بالوصول إلى مجتمع علمي قائم على العلم والمعرفة.
من جانبه، قال عبد الله محمد السبب، مسؤول التأليف والنشر في اتحاد كُتّاب وأُدباء الإمارات: إن «القانون الوطني للقراءة».. يذهب بنا نحو هدف واضح وصريح، حيث الحماية الفكرية للقراءة البشرية في أي زمان وأي مكان، وفي كل الأحوال والظروف، مستنداً على ضوابط وأطر وطنية كفيلة بمنح حرية القراءة للفئات العمرية المتباينة، وللفئات الوظيفية المختلفة، غير آبه بالمقولة الفقيرة كالحول والحيلة «الغاية تبرر الوسيلة»، فـالثقافة كنز لا يفنى، والقراءة مفتاح الثقافة الغنية، بمعطياتها وعطاءاتها، و«الكتابة» وسواها من نتائج، إنما هي ثمرة يانعة في كل وقت وحين، إذا ما أحسنا القراءة التأملية والفكرية الخلاّقة في كتب من صنف ولون، سواء من عصور ثقافية سابقة، أو خلال العصر الحالي بمشاربه ولغاته كافة، انطلاقاً من الرسالة النبوية الثاقبة: (من عرف لغة قوم أمن شرهم).
وأضاف السبب: إن قانون القراءة الوطني يذهب بالقاطرة العربية، التي تقودها الإمارات العربية نحو المستقبل، مستمداً طاقته وحيويته من الماضي بعراقته، ومبادئه وأسسه، المنطلقة من الرسالة القرآنية الافتتاحية للرسالة الإسلامية الثقافية (اقرأ).. وهكذا قانون، يمر بنا على مراحل عمرية متصاعدة، بدءاً من الطفولة المبكرة، ووصولاً إلى ما لا نهاية. فشكراً للمُمَكِّن، صاحب السمو الوالد القائد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، على قانون وطني إماراتي يعيد للقراءة كرامتها، ويتيح للبشرية حرية التجوال في بحور الكتب، من كل حدب وصوب.
وقال د. هيثم الخواجة، المسؤول الثقافي في فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات برأس الخيمة: إن رؤية القيادة الرشيدة تتميز بالإخلاص، والمعرفة المعمقة من أجل بناء الإنسان. ومع هذا المرسوم الحضاري، الرائد في نوعه، عربياً، تتسلم الإمارات مدارج الحضارة الفكرية، نحو ترسيخ مجتمع العلم، القائم على المعرفة، بصنوفها وأنواعها كافة، خاصة أن المرسوم يتميز بشموليته، ولا يستثني أياً من القطاعين العام والخاص، وأولى اهتماماً خاصاً بالمدارس، التي تشكل اللّبنة الأولى والأساسية، في تشكيل جيل قارئ ومثقف. ورأى الخواجة أن قانون القراءة الوطني يدعو للفخر والاعتزاز لكل إنسان عربي، فهو ليس بادرة حضارية فقط، بل هو خريطة طريق لمستقبل يعلي من شأن الفكر الإنساني وثقافته.

يحفظ اللغة العربية
يقول الشاعر ناصر البكر الزعابي، منسق الاتصال المؤسسي باتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فرع رأس الخيمة: القانون الوطني للقراءة بمثابة البشرى لجميع القراء في دولة الإمارات. وهذا الخبر السعيد، من شأنه أن يدعم الحراك الثقافي في بلدنا المعطاء، خاصة في هذه الفترة غير مسبوقة من الإصدارات، والاهتمام العالي بعام القراءة، الذي وجّه به صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ويشكل دعماً لا محدوداً للمثقفين والأدباء. كما أنه وسيلة للحفاظ على إرثنا الأصيل، وهويتنا العربية، ويشكل دعماً معنوياً هائلاً للكتّاب، ليحثّنا على المزيد من الجدّ والاجتهاد، كما يساهم في إعداد جيلٍ للمستقبل، نشأ على توعية وأسس سليمة، حيث لاحظنا اهتمام المؤسسات الثقافية بعام القراءة.

مبادرة فريدة

الكاتبة فاطمة المنصوري، مسؤولة العلاقات العامة في فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، قالت: منذ أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن 2016 كعام للقراءة، وأنا مؤمنة أن العام لن ينقضي إلا بمبادرة فريدة من نوعها، تجعل القراءة العمود الفقري للحياة اليومية في الإمارات. لكن حقيقة لم يتبادر إلى ذهني أن يشرع قانون قرائي بهذه الأركان، التي تدعم ثقافة القراءة، وتجعل منها نمط حياة، يتبعه من يعيش على هذه الأرض المباركة، وأن يخصص قانون للقراءة، مثل غيرها من المشاريع الصحية، والاقتصادية. وعليه أرى أن نعمل، جاهدين، أفراداً ومؤسسات، لزرع ثقافة هذا القانون، حتى نصل للنتيجة المرجوة منه، وعلينا كأفراد ومثقفين أن نكون عوناً، لا عبئاً في تنفيذ هذا القانون، وأن نتحمل المسؤولية المجتمعية في مد يد العون، بكل ما يمكننا تقديمه من أفكار وأعمال، أو نتاجات معرفية، تساهم في بناء أرضية صلبة لمجتمع معرفي، ينهض بالقراءة. وأثق أنه بعد أعوام قليلة ستكون الإمارات الدولة الرائدة بين دول المعرفة، ذلك أن القراءة ستبني جيلاً محصناً بالمعرفة، غني باللياقة العقلية والجسدية السليمة.

نهضة للإنسان
الناقدة عبير الحوسني، المنسق العام لفرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات - رأس الخيمة، قالت: عندما يحظى الشعب بقانون مقنن ومدروس يدعم القراءة وينتصر للمثقف، يجب عليه أن يقدّر هذه المبادرة الفريدة، التي حرمت منها العديد من الدول النامية. القانون الوطني للقراءة الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هو حق تغافل عنه الأفراد، فذكّرتهم به الحكومة والقيادة الرشيدة، التي ترى أن نهضة الإنسان وعمارة الحضارات لا تكون إلا بالقراءة. فهو قرار استثنائي، يضع تنمية رأس المال البشري، وبناء القدرات المعرفية والذهنية، في قائمة الأولويات، باعتبارها الدعامة الأساس في بناء مجتمعات المعرفة، وهو وعي يعكس الخبرة والنظرة الثاقبة، وثقة القيادة.

ينظم الفكر المعرفي
من جانبها، قالت الكاتبة لولوة المنصوري: إن مبادرة القانون أنعشت قيمة القراءة، وأعادت للفكر مكانته. فأن تصبح القراءة عادة، فهذا ما نطمح إليه، لترسخ الإمارات قيمة القراءة في نفوس أبنائها، انطلاقاً من أسس علمية، ونظرية، تطبيقية، تهدف إلى تغيير سلوك المجتمع، والرقي بأفراده، ومؤسساته. فالقراءة ليست عملية عشوائية، بل هي حالة إبداعية منتجة، تحتاج إلى قانون يلم شمل المبادرات ويرسخها، والأهم من ذلك أن تتحول عادة القراءة إلى مهارة، شأنها شأن الفنون الأخرى في الحياة. وفضلاً عن ذلك لكون القراءة مقرونة بشرط حرية الاختيار، وتفرغ القارئ، فأكثر القراءات التي يجبر عليها المرء لا تولد سلوكاً جديداً لدى القارئ. وهنا أذكر بضرورة تطبيق المؤسسات والدوائر والوزارات في الدولة، لما جاء في القانون، من تخصيص ساعة يومية للموظف للقراءة اليومية، وأن يتم تعزيز مهارة القراءة، بالتحفيز والربط بين المعلومة والسلوك. فهذه القواعد التي حددها القانون بدقة ووضوح، تجعل القارئ مبدعاً، ومنتجاً للنّص المقروء، متذوقاً ماهراً، لا يستعجل ما يقرأ. ونحن اليوم بحاجة ماسة لهذه الاستراتيجية، التي رسمها القانون الوطني للقراءة.
الكاتبة أمل إسماعيل - رئيس الفريق التنفيذي لمبادرة «رأس الخيمة تقرأ»، قالت: إن القانون تتويج لجهود رواد المبادرات الثقافية والمعرفية، من معلمين وكتّاب ومثقفين ومهتمين، وهو انعكاس لبصيرة نافذة لقيادة الإمارات، تتخذ من «اقرأ» نهج حياة، تنقشه على شهادة كل مولود على أرض الإمارات، ثم تتولاه بالرعاية، وتذلل أمامه كل السبل المعرفية، على نطاق الأسرة والمجتمع والمدرسة والعمل، لتصبح حياته برمتها امتداداً لتلك البذرة الأولى، ونحن في «رأس الخيمة تقرأ» نطلع بدورنا الثقافي والمعرفي، ونسعى لتطوير مبادراتنا في السنوات المقبلة، لنحتفي بهذا القانون الرائد والحيّ، فلا أجمل من أن يكون اتحادنا روحاً وجسداً، وهوية وأرضاً وقلماً.
من جانبها، قالت الشابة، حصة الغيص، مدير قسم الموارد البشرية في دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة: تدرك قيادة الإمارات بأن ترسيخ مفاهيم التميز والابتكار يبدأ بترسيخ القراءة والثقافة بين أفراد المجتمع، لذا فإن ربط ذلك بأداء موظفي الحكومة، يعني أننا نؤسس لمؤشرات أداء وظيفي ومعرفي مبتكرة، ستحدث اختلافاً جوهرياً في سوق العمل، ومعايير لاختيار الموظفين مستقبلاً، ناهيك عن برامج التميز والتمكين الوظيفي، التي تشكل بصمة حكومية لكل إمارة من إمارات الدولة.

ترسيخ «حبّ القراءة»

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي، يقول في هذا الإطار: فكرة نبيلة هذه التي أولت القراءة موقعها المركزيّ من منظومة تكوين الإنسان. وقرار جريء هذا الذي سنَّ قانونًا يُساعد الجميع على ترجمة الفكرة إلى واقع. وإذا كان صحيحًا أنّ القوانين لا تغيّر الواقع بمفردها، فإنّ تغيير الواقع مستحيل في غياب قوانين تُساعد الشعوب ونُخَبَها السياسيّة والثقافيّة على ترجمة الأفكار والقِيَم إلى مُعطى راسخ من مُعطَيات الحياة اليوميّة الجماعيّة، أي على توفير ظروف المُواطَنَة المنشودة المُحصّنة. وليس من شكّ في أنّ قانون القراءة في مفهومه العميق والشامل، إذا أشفع بما يتطلّبه من حماسةٍ ووطنيّة، لن يلبث أن يبرهن للجميع عن «محوريّته» في بناء المُواطَنة المنشودة وتحصينها. ويتعلّم الطفل كيف يقرأ كتابًا، فيتعلّم كيف يقرأ الوُجود. يحبّ قراءة الكتاب فيحبّ قراءة العالَم. يحبّ الكتابَ فيحبّ الحياة. ذلك أنّ مفهوم القراءة يتجاوز الكتاب ليشمل كلَّ ما يُيسّر للفرد والجماعة تعيينَ خياراتهما، وتحديدَ مصيرهما، وتقديم إضافتهما إلى العالم. ومن ثمّ أهميّة ترسيخ «حبّ القراءة» ككلّ في عقول الناشئة ووجدانهم، بما يضمن إحياء اللغة وتحرير العقل وتنشيط الخيال وتحفيز الوعي النقديّ ، والتدرّب على الحوار وإدارة الاختلاف في كنف الاحترام وتوثيق روابط المُجتمع، وتمتين اللّحمة بين مختلف المكوّنات، للتنشئة على شروط «العيش معًا» في الداخل والخارج. والأمل في أن يترسّخ هذا القانون في العقول والوجدان، كي يتحوّل إلى ذهنيّة عامّة. من دون أن ننسى نفاذَ هذه المُبادرة إلى جوهرِ الشيء الثقافيّ ككلّ. فالقراءة هنا كنايةٌ عن النشاط الثقافيّ الإبداعيّ. والقانون إشارةٌ إلى الحرص على أن يُصبح الشأنُ الثقافيّ شأنًا وطنيًّا مُلزِمًا، غير موكول إلى الاجتهادات الشخصيّة. الأمر الذي لا يمكن إلاّ أن يخدم مُثقّفي الإمارات ومُبدعيها، لأنّه يُساعد دائرتَي إنتاج الثقافة وتلقّيها على التعمُّق والاتّساع. فالشكر لمن بادر، والتهنئة كلّ التهنئة لمن استعدّ لتحويل المُبادرة إلى واقع معيش.
من جهته، أكد الشاعر المصري فريد أبو سعدة أن «قانون القراءة» الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، يذكرنا، في ريادته بالمنطقة العربية، بـ«الخليفة العباسي المأمون»، إبان ازدهار الحضارة العربية، ويجعل الإمارات، بما تتوسع فيه من معارض للكتب، ورعاية للمسرح العربي، ومهرجانات للثقافة، وجوائز للأدباء والشعراء، «عاصمة الثقافة والقراءة والمعرفة».
إن هذا القانون يعطي دفعة قوية مهمة، وغير مسبوقة لمبادرات حماية اللّغة، وتشجيع القراءة، لتساهم في تحقيق التفاهم والحوار المتبادل والانسجام بين أفراد المجتمع، وهذا القانون وضع مسارات جديدة لحل أزمة المطالعة، وآليات التعاطي مع القراءة. ويساهم في تحوّل الإمارات إلى منارة للفنون والثقافة بالمنطقة والعالم، ونموذج فريد للتسامح والتنوع الثقافي والفكري بين مختلف الجنسيات.
وقد تضمن القانون إنشاء الصندوق الوطني للقراءة، إدراكاً للواقع الذي تعيشه المنطقة العربية بأكملها، والفقر المعرفي الذي أصاب المجتمعات، وهو يدق نواقيس الخطر، من أجل النهوض بالمستويات الفكرية لدى جميع أفراد المجتمع.
قال رياض خليف، القاص والناقد التونسي: إنه من المفرح أن تسمع أن دولة عربية قطعت خطوات عكس التيار العاصف، وسمت بمرتبة الكتاب والقراءة والمطالعة نحو مكانة مرموقة، في زمن تستهدف فيه الثقافة الراقية من طرف مؤسسات كثيرة، تنتشر في البلاد العربية، وترسخ موت الثقافة الجادة. ومفرح هذا القرار الإماراتي الراقي الذي يدعم مكانة الكتاب والكتّاب، ويثبّت أواصر مجتمع المعرفة، وهو قرار يحمل بين طياته الكثير من الثورية، فالمراهنة على الثقافة، وعلى الكتاب، مشروع ثوري بامتياز، فحين تعلن دولة أن الكتاب من أهم مشاغلها، وتضع له قوانين، وتبرمج له مجالس وزارية سنوية خاصة، وتسهل ترويجه وتشجع على تداوله، فاعلم أنها أعلنت التحدي الحقيقي، وشمرت عن ساعد الجد من أجل إنقاذ العقل الإنساني، وإعادة بوصلته نحو المعرفة والقراءة، وهذا ليس بغريب على دولة الإمارات، ولعلنا نذكر مشروع تحدي القراءة العربي الذي نقل هواجس القراءة إلى كل مدينة وقرية عربية، ومس شرائح مهمة من أطفال وتلاميذ العرب، إن قانون القراءة الإماراتي رسالة إلى كل الحكومات العربية لتعلم أن ثقافة الكتاب والمطالعة هي السد المنيع ضد أخطار كثيرة، وأن ثقافة الحياة هي ثقافة الكتاب والمعرفة، وليس الصخب والفوضى وثقافة التغييب والتخدير، وأن صناعة مجتمع يلهث خلف الكتاب، مثل الخبز اليومي، غاية سامية، من شأنها تحقيق تحول اجتماعي، وبث المزيد من الرقي والتوازن لدى الشعوب، فهنيئاً للمثقف الإماراتي بهذا القانون، وهنيئاً لهذا الشعب بقيادة تحرضه باستمرار، وتشجعه على أن يقرأ، ويكون صديقاً دائماً للكتاب، وتبث فيه هاجس المعرفة...إنها الدولة العربية الاستثناء، التي تفتح أبوابها للكتاب، وتتقدم نحوه بخطوات استثنائية.

جيل مثقف
الكاتب والباحث الموريتاني، منّي بونعامة، أكد أن القراءة تعتبر معراج صعود الأمم والشعوب، وأساس نهضتها وتفوقها، تقدمها وازدهارها، ومن دونها لا يمكن لأمة أن تنهض أو تتقدم، وأمة لا تقرأ هي أمة تعيش خارج التاريخ، ولا وجود لها أو مكان في سلّم التقدم البشري والحضاري.
ويمثّل قانون القراءة تواصلاً مع مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص عام 2016 عاماً للقراءة في الإمارات، تماشياً مع توجيهاته السامية الرامية إلى ترسيخ قيّم القراءة والمطالعة داخل المجتمع الإماراتي، لخلق جيل مثقف وناضج، وواعٍ بمسؤولياته وما يناط به من مهام، لذلك يدخل قانون القراءة في صميم التوجه الحضاري والثقافي لدولة الإمارات في عهد القيادة الرشيدة، ذلك أن القراءة تعدّ مظهراً حضارياً وسلوكاً ثقافياً ينمّ عن وعي الشعوب وتشبثها بالنهوض وتعلقها بالتقدم، وقد حثّ الإسلام في أول تعاليمه على القراءة، لكونها مفتاح المعرفة. كما تعدّ أداة لإذكاء وعي الشعوب وتنويرها وتبصيرها بما يدور حولها، من قضايا وأمور قد تطال هويتها وكينونتها، وتساوم بقاءها ووجودها. كما تعدّ القراءة وسيلة ناجعة لصقل المواهب وتنمية المدارك وتقوية الخبرات، واللّحاق بركب الأمم المتطورة والشعوب المتحضرة.
إن تفرّد هذا القانون، في أهدافه ومراميه، يشي بالرغبة الجامحة في جعل القراءة عادة يومية، لما ينبني على ذلك من مقاصد نبيلة، حيث يشكّل عامل جذب وتحفيز لأفراد المجتمع كافة، من موظفين وغيرهم، لإحراز التميّز المطلوب، في وقت تتوجه فيه الأنظار إلى الإمارات التي تقدّم اليوم أنموذجاً متميزاً وفريداً، في سياقها العربي والإسلامي، يتجاوز فكرة الموسمية في العمل الثقافي. فالإمارات تحوّلت في عام القراءة إلى واحة غنّاء، وشجرة وارفة، يتفيؤ ظلالها كل مرتاد، ويرتوي بمعينها العذب الزلال.
د. مصطفى الغرافي، أستاذ البلاغة والنقد بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس في المغرب، كتب لـ«الاتحاد الثقافي» من وحي القانون: يذكر دنيال بناك في كتابه «متعة القراءة» أن فعل القراءة لا يحتمل الأمر. ما يدل على أن القراءة شأن شخصي لا يحتمل الإلزام. لكن المثقف المنشغل بهاجس القراءة والإقراء لا يملك إلا أن يرحب بإصدار قانون القراءة بدولة الإمارات، الذي يعد أول مبادرة لتشجيع القراءة بطريقة مقننة، وتعود أهمية هذه المبادرة لكونها تضع على الدولة التزامات واضحة، يتعين عليها تنفيذها، من أجل النهوض بأوضاع القراءة وتشجيع القراء، فليس يخفى على أحد الأهمية القصوى التي يكتسيها فعل القراءة في عصر الانفجار المعلوماتي، فهي المدخل الأساس لكل تحول مجتمعي، أو إقلاع حضاري منشود. وما من شك أن التقدم الحضاري لا ينشأ من فراغ، لكنه يتكوّن ويتطور انطلاقاً من مساهمات سابقة يؤدي تحصيلها والبناء عليها إلى طفرة معرفية، تكون نتيجتها الطبيعية بزوغ «مجتمع المعرفة». وهنا تبرز أهمية القراءة، باعتبارها أداة مهمة في كل تحول تاريخي وحضاري مرتقب، إذ تمثل الوسيلة المثلى التي تمكن الفرد من شحذ فكره وتنمية ثقافته؛ لأنها تكسبه مهارة التعلم الذاتي التي تتيح له تجديد معلوماته وتعميق معارفه، في مجالات الثقافة والعلوم، التي تشهد تطوراً مشهوداً على مختلف الصعد والمستويات.
ويضيف مصطفى الغرافي: لا سبيل للنهوض بأوضاع القراءة، ما لم نعمل على ترسيخ تقاليد تشجّع على إنتاج الكتاب وقراءته. وعلى الدولة أن تنهض بواجباتها في هذا المجال، عبر أجهزتها ومؤسساتها. وقد أحسنت دولة الإمارات بسنها لهذا القانون، الذي يتوقع أن يجعل من «فعل القراءة» سلوكاً يومياً، مما يمهد الطريق أمام بزوغ «مجتمع المعرفة»، ويعجّل بظهوره.
ويرى المفكر الإسلامي التونسي أنس الشابي، أن كل ما يمكن أن يشجع على القراءة، ويرفع من شأن الكتاب ويقرّبه من الناس، مُرحّب به، ولا يمكن إلا أن يجد المساندة والدعم، إذ عرف الكتاب منافسة غير متساوية، مع ظهور الوسائط الحديثة، جعلته ينزل عن المرتبة التي احتلها، منذ عرفت البشرية الكتابة كأداة أساسية للتعليم والتثقيف، هذا التراجع أدّى إلى ضمور عدد القراء والمقتنين للكتاب، الذين أصبحوا يفضلون الوسائط الأخرى، لسهولة تناولها وإمكانية العثور عليها في أي وقت، وبيسر وسهولة، ولأن لأحكام السوق ضروراتها، فإن صناعة الكتاب لم تعد صناعة مربحة، فالكتاب منتوج مادي، إن لم يجد من يقتنيه، فإن صانعه حتماً سيتوقف عن طبعه، لهذا السبب يأتي إصدار قانون للقراءة في وقته.
ومن خلال اطلاعي على ما جاء فيه، أستطيع القول إنه سيساهم في إنقاذ جملة المهن والصناعات المرتبطة بالكتاب، طبعاً ونشراً وتوزيعاً، غير أن الجانب الأهم هو تمكين الناشئة من مباشرة الكتاب منذ نعومة الأظافر، وتحبيبه إلى أنفسهم، ليتربى الجيل الجديد على حب المعرفة، ومن الجدير بالملاحظة أن تحقيق هذا الهدف أعد له قانون القراءة الجديد جملة من الأسباب لتحقيقه، من أهمها:
1) تعميمه على مختلف الأجيال، بحيث تصبح القراءة حقاً، كالصحة والتعليم وغيرهما، ممّا لا تستقيم الحياة إلا به، وهو ما اصطلح على تسميته «الحقيبة المعرفية للمواليد»، التي ستصاحب الإنسان طوال حياته.
2) ترسيخ القراءة كعادة محببة ومرغوب فيها، سواء في العمل أو المقهى، أو غيرهما من الأماكن.
3) المحافظة على الكتاب، وهو ما اصطلح على تسميته بتدوير الكتاب، أي نقله من قارئ إلى آخر، والمحافظة عليه، باعتباره إرثاً بشرياً لا يجوز التفريط فيه.
وتبقى الإشادة بما ورد في هذا القانون من إعفاء لكل «مواد القراءة من أي رسوم أو ضرائب، لغايات التأليف، أوالنشر، أو الطباعة والتوزيع، وتوفير تسهيلات للمؤلفين والمحرّرين ودور النشر بالدولة»، وهو ما سيُمَكِّن الصناعيين من تجويد المصنوع والتخفيف من كلفته.

نظرة مستقبلية
أكد الإعلامي والكاتب المصري الكندي خالد سلامة، أنّ الإمارات تبرهن أنها «الدولة» التي تتمتع بنظرة مستقبلية، بعيداً عن الشعارات، وقال: لا أكتب لأجامل، لكن لأكون مكعباً صغيراً في «موزاييك» التاريخ، الذي لا يمكن لأحد أن يتعلمه أو يتعرف إليه سوى بالقراءة، وقانون القراءة الذي سنته الإمارات أعاد ذاكرتي لأيام ذهبية، فأهم ما يميز مسيرة الإمارات اهتمامها بالإنسان، ولعل قانون القراءة يأتي ليكون التاج على رؤوس كل تلك المشروعات الحضارية، التي تزيد من مكانة الإمارات، ومن يعيش على أرضها، ومن يرسم سياساتها منذ عصر «زايد الخير».
إن قانون القراءة هو امتداد لقوانين وسنن كثيرة، وهو امتداد لوزارة السعادة، التي لم يعرف عنها العالم أجمع، سوى بالقراءة، وفي واحدة من أكثر الدول تقدماً في مجال التعليم، مثل كندا، حيث أعيش هنا، فكل إماراتي، وكل من يعيش على أرض الإمارات، يجب أن يفخر بأن قيادة هذه الدولة انتبهت، وفكرت، وعملت، ووضعت القوانين التي تحمي الصغير وتهتم بالكبير، وتحفظ التراث، وتصوغ التاريخ، بل وتضمن أن الأجيال المقبلة في كل أنحاء العالم يمكنها أن تقرأ، مهما كان المكان، ومهما كانت السن، ومهما كانت التحديات، حيث تستمر الإمارات اليوم في إجادتها لفن «رسم المستقبل»، ولا شك في أن القراءة تأتي على أولويات تلك القيم، بل هي القيمة التي تعلى من شأن كل فرد، مهما كان دوره. وقد كنت فخوراً عندما «كتبت» عن مهرجان دبي، وكنت أول فائز بجائزة الصحافة العربية لدى إطلاقها، واليوم أفتخر عندما أكتب مرة أخرى عن قانون القراءة: هنيئاً للإمارات وأهلها.

الموظف القارئ
وفقاً للقانون، تلتزم الجهات الحكومية المعنية في قطاع الموارد البشرية، تمكين الموظف من الحصول على وقت للقراءة التخصصية في مجال عمله ضمن ساعات العمل الرسمية، واتخاذ التدابير اللازمة لدعم أنشطة القراءة، وتبادل المعارف والخبرات في محيط العمل، وتوفير الفرص للموظفين للحصول على مواد القراءة التخصصية المطبوعة أو الإلكترونية المناسبة. ويتعين على الجهات الحكومية المعنية، وفقاً للقانون السعي لتوفير مكتبات عامة أو مرافق للقراءة في مختلف مناطق الدولة، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في إنشاء المكتبات والمراكز الثقافية بمنحه مجموعة من الحوافز والتسهيلات والأراضي المناسبة، وتحفيز مراكز التسوق على توفير مساحات تجارية بأسعار تنافسية لمشاريع المكتبات العامة فيها، والعمل كي تكون المكتبات العامة مناسبة لاستخدام الأشخاص ذوي تحديات القراءة وذوي الإعاقة الحركية. كما يتعين على الجهات المختصة بإدارة المكتبات العامة توفير خدمات استخدام مرافق المكتبة واستعارة الكتب واستخدام الشبكة الإلكترونية والمعلومات الرقمية مجاناً ووضع الآليات المناسبة لاستخدام مرافق القراءة طيلة أيام الأسبوع ولساعات ممتدة، إضافة إلى العمل على إعادة تصميم المكتبات العامة بصورة جاذبة عبر تطوير أنظمتها، وتحديث المحتوى ليناسب جميع فئات المجتمع، ووضع معايير لاعتماد المرشحين لوظيفة أمين المكتبة، والسعي لتطوير كفاءات موظفيها.

التكامل التام بين المنظومة التعليمية وبين القراءة
يركز «القانون الوطني للقراءة» على ضرورة التكامل التام بين المنظومة التعليمية وبين القراءة، حيث ينص على أن تتولى وزارة التربية والتعليم والجهات المعنية بقطاع التعليم تطوير المناهج والأنظمة التعليمية لتعزيز مهارات القراءة لدى الطلبة، وإلزام المنشآت التعليمية الخاصة بتطوير مناهجها الدراسية لتمكين الطلبة من تطوير قدراتهم اللغوية، وإلزام المنشآت التعليمية كافة بتوفير مكتبات تتناسب مع احتياجات الطلبة واهتماماتهم. كما يركز على وضع معايير دولية لتقييم المكتبات في المنشآت التعليمية والإشراف على تطبيقها وإلزام جميع المنشآت التعليمية وضع خطة سنوية لتشجيع القراءة بين الطلبة، وكذلك إلزامها وضع برامج لتطوير مهارات المعنيين من العاملين لديها، بجانب اعتماد ثقافة وسلوك القراءة ضمن المعايير الخاصة بتقييم المنشآت التعليمية، ووضع الأنظمة اللازمة لتقييم القدرات اللغوية والذهنية للطلبة، إضافة إلى غرس ثقافة احترام الكتاب والحفاظ عليه بين الطلبة، ووضع الإجراءات اللازمة لإعادة استخدامه أو تدويره أو التبرع به.

القراءة سلعة رئيسة تعفى من أي رسوم أو ضرائب
ينص القانون على أن تتولى وزارة الثقافة وتنمية المعرفة إنشاء قاعدة بيانات شاملة وموحدة للمكتبات العامة في الدولة، إضافة إلى المكتبات التابعة للمؤسسات العامة، وأن تعمل على تأسيس مكتبة وطنية تمثل أرشيفاً فكرياً لحفظ وأرشفة الإنتاج الفكري المقروء من التلف والضياع، وإتاحته للجمهور والأجيال المقبلة، وأن تلتزم دور النشر الوطنية بتقديم ثلاث نسخ من كل كتاب منشور في الدولة إلى المكتبة الوطنية لغرض الإيداع القانوني أو نسخة إلكترونية لكل منتج آخر من مواد القراءة.
وانطلاقاً من أهمية دعم نشر مواد القراءة وتوزيعها يجب أن تعامل مواد القراءة في الدولة كسلعة رئيسة تعفى من أي رسوم أو ضرائب لغايات التأليف أو النشر أو الطباعة أو التوزيع، بما في ذلك رسوم الحصول على الرقم المعياري الدولي الموحد للكتب ISBN، ولا يجوز الترخيص بالنشر أو التوزيع لأي كتاب من دون أن يكون حاصلاً على هذا الرقم.