الاتحاد

تقارير

تركيا: التنمية لن تضمن الديمقراطية

دارون أجيموجلو
أستاذ الاقتصاد في معهد ماساشوسيتس للتقنية


خلال السنوات العشر الماضية، كان هناك تفاؤل عام في العواصم الغربية خصوصاً واشنطن، بشأن الديمقراطية التركية، وهو ما كان يرجع لحد كبير للقفزات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها حكومة حزب «العدالة والتنمية» برئاسة أردوغان.
والمتفائلون بالديمقراطية التركية، كانوا من المؤمنين بنظرية التحديث الشهيرة لأستاذ العلوم السياسية «مارتين ليبسيت» القائمة على فكرة أنه عندما يصبح بلداً ما أكثر رخاءً فإنه يتبع ذلك تلقائياً أن يصبح ذلك البلد أكثر ديمقراطية»، وهو ما كان يعني في الحالة التركية أن النجاح الاقتصادي لأردوغان سيضع حتماً نهاية لأسلوبه السلطوي في الحكم.
ولكن تلك النظرية لا تفيد كثيراً في تفسير ما بدأ الأسبوع الماضي في ميدان «تقسيم» في اسطنبول. فحتى قبل قيام قوات الأمن التركية بفض تلك الاحتجاجات التي بدت سلمية بوحشية، كان الاعتقاد بأن تركيا في طريقها للتحول لديمقراطية ناضجة- ونموذجاً لباقي دول الشرق الأوسط- قد أصبح غير قابل للدفاع عنه.
فالذي كان يحدث على أرض الواقع في ذلك البلد، هو أنه في الوقت الذي كان حزب «العدالة والتنمية» يعزز فيه قبضته على السلطة، كانت درجة تحمله للآراء المخالفة تقل تدريجياً. وفي سياق ذلك، فقدت المؤسسة القضائية ما كانت تتمتع به من درجة محدودة من الاستقلالية، كما تم الزج بطائفة عريضة من نقاد الحكومة تتراوح ما بين ضباط عسكريين رفيعي الرتب، إلى صحفيين، في غياهب السجون، من دون الحصول على محاكمات عادلة في معظم الأحيان.
وفي هذا السياق، لوحظ أن المناط بهم العمل كحصون للدفاع عن الديمقراطية في تركيا لم يميزوا أنفسهم تماماً خلال الاحتجاجات، التي وقعت هناك الأسبوع الماضي، كما لم نسمع إلا نادراً عن انتقادات لرئيس الوزراء من داخل حزبه- باستثناء توبيخ خفيف من الرئيس عبد الله جول.
فحزب «الشعب الجمهوري»، وهو المعارض الرئيسي في تركيا، الذي أسسه «أتاتورك»، مازال مقيداً بنوع من المفارقة الزمنية، تدفعه للتركيز على قيم الوطنية والعلمانية للدولة التركية دونما عن أي شيء آخر. أما الإعلام التركي، فقد أدمن الإذعان على ما يبدو، حيث لم يهتم بتغطية كيف تحولت حركة احتجاج صغيرة ضد إنشاء مركز تجاري جديد إلى حركة جماهيرية عفوية تتحدى سلطوية أردوغان. وهكذا، ففي حين كانت «سي.إن.إن» تنقل الحدث مباشرة من قلب ميدان «تقسيم»، انشغلت القناة المحلية «سي.إن.إن- تركيا» بعرض برنامج عن طيور البطريق.
وهكذا يمكن القول إن ما بدأ في صورة احتجاجات سلمية من قبل مئات المتظاهرين بميدان «تقسيم» يمكن أن يُعرّف الديمقراطية التركية لسنوات قادمة، وذلك لسببين هما:
الأول: إن الديمقراطية لا تنحصر فقط في صناديق الانتخابات، خصوصاً عندما يكون الاختيار الذي يتم من خلال تلك الصناديق غير جذاب، مثلما كان عليه الحال في التجربة الديمقراطية التركية. لتوضيح المقصود من ذلك يتعين علينا معرفة أن الديمقراطية البريطانية، قد وصلت لسن النضج في القرن التاسع عشر، وهو ما كان يرجع جزئياً للاحتجاجات في الشوارع، التي لم تؤد فحسب لمنح امتيازات لمن كانوا من قبل محرومين من كل امتياز من الفقراء، وإنما أدت أيضاً لتكوين حزب معارضة قوي خارج من رحم تلك الاحتجاجات هو «حزب العمال». على أساس هذه الخلفية يمكننا القول إن الأعداد الكبيرة من الناس الذين تدفقوا على الشوارع في عدد من المدن التركية في مواجهة قوات أمن باطشة، يمكن أن تكون هي التي ستدشن وصول الديمقراطية التركية لسن النضج.
الثاني: هناك فرصة حقيقية أن تلك الاحتجاجات والحركات السياسية التي قد تفرزها، ستسمو على الانقسامات البالية والعميقة الجذور التي ميزت الحياة السياسية في تركيا خلال العقدين الماضيين، والتي أشار لها أردوغان نفسه في خطبه له قال فيه:«هناك فصل بين الأتراك البيض والأتراك السود ورئيسكم طيب أردوغان ينتمي للفئة الثانية»(هذا المصطلح ليس له علاقة بالألوان وإنما يقصد به الأتراك الذين يحظون بكافة المزايا من مال وصحة وتعليم ورفاهية- البيض- والأتراك المحرومون من كل ذلك- السود).
على الرغم من أن المؤسسة العسكرية التركية كانت تستخدم الدين من وقت لآخر كسلاح في مواجهة اليسار السياسي خصوصاً بعد انقلاب عام 1980 العسكري، فإن أهم التحديات لحكم النخبة العلمانية في تركيا- الأتراك البيض- كان يأتي من الأحزاب الدينية المحافظة، التي أعلنت بجرأة تمثيلها لفئة الأتراك السود.
ومنذ عام 1997 بدأت تركيا تسير على طريق الديمقراطية التدريجية، وبدأ المحرومون يحصلون على المزيد من التمكين، ومع ذلك فإنها لم تقطع أشواطاً كبيرة على طريق الديمقراطية الليبرالية، بل أصبح المجتمع التركي مستقطباً بين أنصار الأرثوذكسية العلمانية، وبين حزب «العدالة والتنمية»، الذي استخدم تحت قيادة أردوغان قوته المكتسبة وثقته المتزايدة بالنفس الممتزجة بسلطوية واضحة، للانتقام من المؤسسة العسكرية والنخبة المحظوظة، والنقاد الآخرين.
وإذا أصر الإعلام التركي على تجاهله، فإنه سينتشر، وذلك بعد أن خرج المارد من القمقم وأصبح من غير الممكن إعادة عقارب الديمقراطية التركية للوراء.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا