الاتحاد

تقارير

الصين وأميركا: قمة التوقعات الكبيرة

آيزاك ستون فيش
واشنطن


كان كل شيء يبدو واعداً ويبعث على التفاؤل. ففي ديسمبر 2009، سافر الرئيس الأميركي إلى كوبنهاجن في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن اتفاقية ملزمة قانونياً تتعلق بتغير المناخ. وكانت قوة كاريزما أوباما وجهوده -وهو الذي جعل من تغير المناخ أحد أولوياته- إضافة إلى الزخم الموجود في الولايات المتحدة والعالم، قد جعلت من التوصل إلى نتيجة إيجابية أمراً محتملا، لكن لو أنه استطاع إقناع الصين، التي تعتبر أكبر ملوِّث في العالم، بخفض الانبعاثات.
بيد أن القمة كانت كارثة، حيث أوضح الصينيون صراحة أنهم لن يتنازلوا. ورغم الجهود الدبلوماسية التي بُذلت في اللحظات الأخيرة، وشارك فيها أوباما شخصياً، فإن الاتفاق النهائي لم يفلح في خلق إجماع عالمي جديد على وقف ارتفاع حرارة الأرض. وفي هذا السياق، يقول «فيكتور تشا»، من «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية»، وقد عمل كمدير للشؤون الآسيوية في البيت الأبيض من عام 2004 إلى عام 2007، يقول: «أعتقد أنه كانت لديهم توقعات كبيرة خلال عامهم الأول بخصوص الأشياء التي يمكن تحقيقها مع الصين... لكن بعد ذلك، توالت الإحباطات، بدءاً بموضوع تغير المناخ».
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، التقى أوباما مع الرئيس الصيني في إطار قمة دامت يومين في كاليفورنيا. غير أن المتخصصين في الشأن الصيني بواشنطن لم يتوقعوا نتائج كبيرة من حيث الإنجازات الملموسة من قبيل اتفاق لكبح القرصنة الإلكترونية، أو كبح الولايات المتحدة لسياسة «إعادة التوازن» إلى آسيا، وهي سياسة أغضبت الصينيين كثيراً. ويقول روي كامبهوسن، المتخصص في الصين بالبنتاجون سابقاً: «لقد ولت الأيام التي كانت تقبل فيها الصين دعم موقف أميركي وتتخلى عن رأي تبنته من قبل».
«شي»، وخلال لقائه مع مستشار الأمن القومي الأميركي توم دونيلون، استعداداً للقمة، قال لضيفه إن الوقت قد حان لبحث «نوع جديد من علاقة القوى العظمى». ولئن كان معنى هذا الكلام مفتوحاً للنقاش، فأفضل طريقة لوصفه ربما هي شراكة ندية لا يستطيع أي طرف فيها فرض تغيير على الآخر بدون تقديم تنازل يضاهيه من حيث الأهمية. وفي هذا الصدد، يقول «هو شيجين»، رئيس تحرير صحيفة «جلوبال تايمز» الصينية القومية: «أجل، إن كلا الجانبين قدما تنازلات... وكلاهما يتصرف بقدر كبير من الاتزان والتحفظ».
قمة كوبنهاجن انعقدت في وقت أخذ يدرك فيه العالم حقيقة أن الصين هي الفائز الأكبر في الأزمة المالية لعام 2008، إذ خرجت منها سليمة تقريباً. وفي هذه الأثناء، أخذت التوقعات بخصوص متى ستتجاوز الصين الولايات المتحدة اقتصادياً تظهر بوتيرة أكبر، كما بدأ الدبلوماسيون الصينيون يتجردون من الطابع المحافظ والتواضع النسبي الذي طبع معظم فترة حكم الرئيس السابق هينتاو. وهذا هو بيت القصيد، كما يقول دان بلومانثل، مدير الدراسات الآسيوية بمعهد المشروع الأميركي، عندما بدأت معظم النخب الأمنية الوطنية الأميركية تدرك أن الصين يمكن أن تمثل مشكلة.
والواقع أن معظم المكاسب السياسية التي حققتها الولايات المتحدة في آسيا منذ عام 2009 تحققت رغم الصين، وليس بفضلها. فتحرير بورما وعودة الدفء إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وميانمار، مثلا، تحقق جزئياً بسبب خوف حكومة هذا البلد من التغول الصيني. كما أن الولايات المتحدة تدين بتحسن علاقاتها مع كوريا الجنوبية واليابان وعدد من الدول الآسيوية الأصغر جزئياً إلى قلقها من صعود الصين. ثم إن عجز الصين عن كبح جماح كوريا الشمالية هو الذي أدى إلى تمتين العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وبين الولايات المتحدة واليابان.
ويعتقد «تشا»، الخبير في كوريا الشمالية، أن أكبر نجاح لإدارة أوباما في التعاطي مع بيونج يانج هو «إبلاغ الصينيين على نحو ذي مصداقية بأن الاستفزازات الكورية الشمالية إنما ستؤدي إلى رد كوري جنوبي»، وبشكل عام، أن تصرفات الصين تؤدي إلى استعداء جيرانها.
غير أنه حتى تلك المكاسب قد تتراجع بينما تعود وزارة الخارجية الأميركية إلى تركيزها التقليدي على الشرق الأوسط. فالعديد من الأشخاص الذين حدثتُهم في إطار الإعداد لهذا المقال، أشادوا بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ومساعدها القوي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي، كُرت كامبل، لجهودهما في الاهتمام بآسيا بشكل أكبر. وبالمقابل، فإن كيري زار الشرق الأوسط منذ تنصيبه في فبراير الماضي أربع مرات، بينما زار شرق آسيا مرة واحدة فقط. ويقول بلومانثل في هذا الإطار: «لا أعتقد أن كيري سيركز كثيراً على هذا الجزء من العالم، فكل وزراء الخارجية يرغبون في التميز عن الوزراء السابقين»، مضيفاً: «إن الصينيين سيكونون صرحاء في القول بأنهم سعداء برحيل الوزيرة كلينتون، لأنهم يعتقدون أن ذلك يمثل أمراً جيداً بالنسبة للمصالح القومية الصينية. والحال أن ذلك يمكن أن يكون شيئاً سيئاً بالنسبة للمصالح الأميركية».
ومما لاشك فيه أن العلاقات التجارية الصينية الأميركية تبعث على التفاؤل أكثر. فبنهاية عام 2013، قد تحل الولايات المتحدة محل الاتحاد الأوروبي باعتبارها أكبر شريك تجاري للصين، إذ من المتوقع أن ترتفع التجارة البينية إلى 450 مليار دولار، كما قال مؤخراً وي جيانجو، نائب وزير التجارة السابق، لصحيفة «تشاينا ديلي» الصينية. وفي هذا الإطار، قال مسؤول أميركي كان مطلعاً على التخطيط للقمة التي جمعت بين أوباما وشي، وطلب عدم الكشف عن هويته: «لقد حققنا بعض النجاحات التجارية خلال العام الماضي، مثلا عندما وافقت الصين على فتح سوقها في وجه مزيد من الأفلام الأميركية في فبراير 2012، وكذلك بخصوص انتصار الولايات المتحدة في قضية مهمة لمنظمة التجارة العالمية تتعلق بالفولاذ».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا