صحيفة الاتحاد

الإمارات

تبني الإمارات منهج الاعتدال يجعلها أنموذجاً للمجتمع المسلم

عباس شومان

عباس شومان

إبراهيم سليم (أبوظبي)

أكد فضيلة الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، أن مؤسسة الأزهر الشريف انتهت من تنقية الكتب والمناهج الدراسية بالأزهر الشريف، وإزالة ما يتنافى مع الواقع الحالي دون مساس بأصول الشريعة، بالاستغناء عن الحشو الموجود ببعض الكتب، من خلال لجنة تضم علماء في التخصصات كافة، مشيراً إلى أن اللجنة انتهت تقريباً من عملية التنقية، لافتاً إلى وجود رغبة حقيقية لدى الأزهر الشريف في إحداث تجديد شامل في كل القطاعات، باعتبار أن تجديد الخطاب الديني جزء من الحل وليس كل الحل لما تعانيه الأمة. وأكد الأمين العام لهيئة كبار العلماء في حوار لـ «الاتحاد»، أن الإمارات تعد أنموذجاً للمجتمع المسلم باحتضانها كل الطوائف وانتهاجها منهج الاعتدال والوسطية وشيوع التسامح في جنباتها على مستويي القيادة والمواطنين، مشيراً إلى أن مصر لن تنسى وقفتها بجوارها، خاصة بعد ثورة 30 يونيو، سواء على مستوى القيادة الرشيدة أو على مستوى الشعب الإماراتي المتميز بالهدوء والطيبة والتسامح وحب الخير للناس كافة، وهي الصفات التي ورثوها عن المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وورثها أبناؤه في هذا النهج القويم. وشدد على الدور المهم الذي تلعبه الإمارات في مواجهة التحديات التي تواجه العالم الإسلامي من خلال احتضانها لمجلس حكماء المسلمين ومنتدى تعزيز السلم، لافتاً إلى جهود مشتركة وتنسيق متواصل بين الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الشقيقة الإمارات وكل من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية لمواجهة التيارات التي ترتدي عباءة الدين.

ودعا شومان إلى ضرورة الاستفادة من دور وسائل التواصل الاجتماعي في توجيه المعلومات وبث الأفكار التي تساعد على استقرار المجتمعات ونشر السلام والمحبة، حيث أصبحت تلك الوسائل المحرك الرئيس لكثير من الأحداث في الآونة الأخيرة، مشدداً على ضرورة البعد عن التفاحش والتباغض وإشاعة الفتن وإيغار الصدور عبر تلك الوسائل بين أبناء الأمة العربية والإسلامية، وترك القيادات السياسية تحل القضايا العالقة.
وحذر فضيلته من الانبهار الزائد بالحضارة الغربية التي بنيت أساساً على يد العرب والمسلمين، حيث إن مقومات العدالة في هذه المجتمعات منقوصة، حيث تقرها بين شعوبهم ودولهم بينما تتجاهلها في القضايا التي تخص العالمين العربي والإسلامي.

تصحيح بوصلة الإعلام
وأبدى وكيل الأزهر انزعاجه من حالة التخبط التي تسيطر على الحالة الإعلامية والخطاب الإعلامي في كثير من الدول الإسلامية، واصفاً ذلك بأنه يتجه بمسيرة الأمة نحو مستقبل مجهول، مطالباً بضرورة ضبط الخطاب والأداء الإعلامي وإعادة رسم خارطة الطريق في المشهدين الإعلامي والثقافي إلى مساره الطبيعي، مشيراً إلى أن تناول مشكلات العالم الإسلامي إعلامياً بصورة المتهم دائماً، وتحميل أنفسنا والمنطقة أسباب الإرهاب، أديا بنا إلى الوصول إلى هذا التدهور، في وقت تغافل فيه الإعلام أننا ضحية مؤامرات خارجية.
ولفت وكيل الأزهر إلى أهمية الدور الفاعل الذي يلعبه الإعلام في المجتمعات بأكثر مما يقدمه أي شخص، فالخطاب الإعلامي يصل إلى الناس بصورة أكبر وأكثر انتشاراً، مشيراً إلى ضرورة إدراك الإعلام أنه ناقل وكاشف للواقع، وأن ينقد السلبيات ويشيد بالإيجابيات، مع البعد عن الإثارة وشق الصفوف والتحريض أو استخدام رسالته في تصفية الحسابات مع آخرين، وعدم الخوض فيما لا يهم الناس.
وقال: «إن الخطاب الإعلامي بحاجة إلى إصلاح حقيقي، كغيره من الخطابات، نحن في أزمة ومشكلة كبيرة، ومن يدعي أنه ليس مسؤولاً أو مشاركاً في الأزمة بطريقة أو أخرى فهو مخطئ».

ثقة زائدة بالغرب
وأكد الأمين العام لهيئة كبار العلماء أننا نعاني مشكلات متنوعة ثقافية واقتصادية وسياسية، منها ما تم رسمه لنا من خارج المنطقة للإيقاع بالمنطقة والعالم الإسلامي في هذه المشكلات، وأن ما زاد من حجم المشكلة هو ثقة الكثير من أبناء العرب والمسلمين في المجتمع الخارجي الغربي أكثر من اللازم، والنظر إليه على أنه النموذج الذي يقتدى به، والناتج عما تعيشه هذه المجتمعات من حريات فيما بينها وشعوبها نتيجة ما ينشر عنها من عدالة لشعوبها ومصالحها الخاصة، في حين أن هذه العدالة تلتوي وتنعرج عندما تتعلق بنا.
وقال إن حلول مشاكلنا ليست مستحيلة وتحتاج فقط لوعي وإدراك، وأن نحمل أنفسنا بقدر ما تتحمله دون تحميل أنفسنا فوق طاقتها أو ما يعرف بجلد الذات.
مشكلات في المناهج والكتب التي يستند إليها أصحاب الأفكار المنحرفة:
«ولفت إلى وجود مشكلات فكرية لدى الشباب ومشكلات في المناهج والكتب التي يستند إليها أصحاب الأفكار المنحرفة»، وقال: «نحن في الأزهر قمنا بتحديث المناهج، وحذف ما هو غير لازم وضروري، خاصة الاستطرادات الموجودة في الكتب، ومنها على سبيل المثال الغنائم التي أصبحت غير قابلة للتقسيم، حيث كانت الغنائم توزع في العصور الأولى بين الراكب والراجل، أما الآن فإن غنيمة الحروب دبابات ومدافع وطائرات، فكيف تقسم وما هي الجدوى من حشو الكتب بها، كما أن الجيوش الآن أصبحت نظامية وتنفق عليها الحكومات، وكذلك مشكلات الرق وغيرها أصبحت حشواً، وتدرس للباحثين للاسترشاد بها في بعض الأمور المستحدثة.. لذا قمنا بعلاج المشكلات الموجودة في الكتب التي يدرسها طلاب الأزهر من خلال لجان قامت لتنقية هذه الكتب».
وطالب شومان بضرورة أن نبدأ من تغيير أنفسنا، وألا نقف دائماً في صفوف المدافعين، ويجب أن نبدأ بالمواجهة ضد من يريدون الشر لمنطقتنا والتخطيط لهدمها والاستئثار بخيراتها، وهم معلومون للكافة، حيث يطرحون مشاريعهم ولا يخبؤون شيئاً، ومع ذلك نجد من بيننا من يسعى لخدمة هذه الأهداف، على الرغم من وضوح سياستهم والكيل بمكيالين ضد كل مصالح الأمة، ومع ذلك نحن لسنا في حاجة إلى تعميق العداء أو الدخول في حروب أو في صدام مع أحد، بل يجب علينا أن نسعى لإظهار سماحة الإسلام وقيمه ومبادئه التي تؤكد أهمية التعايش السلمي بين الديانات كافة.

حلول اقتصادية إبداعية
وعن الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها كثير من الدول الإسلامية، قال وكيل الأزهر: «مطلوب إيجاد حلول فكرية إبداعية اقتصادية، خاصة أن المجتمعات المسلمة تعاني الفقر، ومع ذلك نفاجأ أن الكثير من أبناء جلدتنا يستثمرون في غير البلاد العربية والإسلامية، فاقتصاد العالم الغربي يقوم حالياً على الأموال العربية والإسلامية، ونحن ندعو إلى تنشيط الاستثمار في الاقتصادات التي تعاني مشكلات اقتصادية وتنموية، وإيجاد فرص عمل، وغير ذلك، بما يخلق نوعاً من التعاون بين بلداننا العربية والإسلامية».
مطالباً بضرورة تجديد شامل لكل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية في بلادنا، خاصة أن جميع الأمور في مجتمعاتنا تحتاج إلى إصلاح ووقفة صادقة مع النفس، والاعتراف بوجود المشكلات، والسعي لإيجاد حلول لها.
وشدد د عباس شومان على أن الدماء التي سالت في منطقتنا العربية والإسلامية والعالم، يتحمل تبعاتها الساعون إلى نشر العنف فكرياً أو مادياً، وكذلك الساكت عنه والمداهن والقادر على العلاج ويرفض التدخل.

حق الحياة
وأضاف: «إن الشباب في المنطقة العربية والإسلامية يعانون مشكلات البطالة في معظم بلداننا، ولا بد من حمايتهم ووضعهم أمام المشكلة بالكشف الحقيقي عن أبعادها وتثقيفهم وتغيير تفكيرهم في العمل أو ما يعرف بالتفكير خارج الصندوق فنياً ومهنياً، وأن خطر البطالة على أي مجتمع أكبر من خطر الخطاب الديني، لأنها تتعلق بحياة الإنسان، وحقه في العيش حياة طبيعية»، داعياً إلى إفساح المجال للقيادات الشبابية في تولي المراكز القيادية المهمة.

لا إفراط ولا تفريط
وحول اتخاذ البعض قضية التجديد مطية لأفكار معينة، فند الدكتور شومان، قائلاً: «إن بحث مشروعية التجديد في الفكر الإسلامي يعد من الأمور العبثية التي تشبه جحد ضوء الشمس في ظهيرة صيف! لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى فهم طبيعة التجديد والتفريق بينه وبين الهدم والتبديد، وفي معرفة مؤهلات المجدد قبل الخوض في التجديد، فإقحام غير المؤهلين في التجديد يجعلهم كمريض ألقى نفسه في مخزن للأدوية لكنه لا يعرف الفرق بين هذا الدواء وذاك. كما توجد إشكالية أخرى تتمثل في أن كثيراً ممن ظنوا أنهم علماء بتحصيلهم بعض العلم، لا يفرقون بين النصوص المقدسة التي لا تقبل المساس، وهي نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة».

الجمود ضلال الدين
وقال: «ثمة فرق بين اجتهادات العلماء المبنية على الأعراف التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وبين المعصوم من البشر - وهم الأنبياء والمرسلون - والعلماء الأجلاء من سلفنا الصالح، فالخلط بين المقدس وغيره يوقع هؤلاء فيما وقع فيه من يتناول دواء دون معرفة بضاره ومفيده، وسواء في ذلك المنتهكون لقداسة المقدس وعصمة المعصوم ممن لا يقفون عند حد ويطعنون حتى في كتاب الله عز وجل، ويصفون الرسول الأكرم بما لا ينطق به عاقل ولا يكتبه قلم راشد، أو المبالغون في إثبات القداسة والعصمة ممن يرون اجتهادات السادة الفقهاء وأقوال العلماء قاطبة خطوطاً حمراء غير قابلة لمجرد النظر والتأمل، فضلاً عن التفكير في مناسبتها للزمان والأحوال، وكلا الفريقين على خطأ عظيم ومسلك غير قويم، حيث إنهم بين أمرين كلاهما يأباه شرعنا الحكيم، وهما الإفراط والتفريط، ومن ثم رأينا من يصف الفتوحات الإسلامية بالغزو والاستعمار، وسمعنا من يقول بعدم مناسبة بعض آيات القرآن الكريم للزمان، ووجدنا في المقابل من يمنعون التصوير ولعب الأطفال التي على هيئة الإنسان أو الحيوان، ومن يلزمون الرجال بتقصير الثياب والنساء بالقرار في بيوتهن، وينسبون هذا إلى فقهاء الإسلام، وينقلون بعضاً من عباراتهم استدلالاً على مزاعمهم، ويغفلون عباراتهم المحذرة من الجمود عند حدود ما انتهوا هم إليه من اجتهاد ناسب زمانهم وقد لا يناسب زماننا، كما أنهم تركوا لنا في بطون كتبهم ما يرشدنا إلى ترك بعض اجتهاداتهم والاجتهاد فيها بما يناسب زماننا وأحوالنا، فمن أقوالهم: إن الجمود على المنقولات أبداً من الضلال في الدين وجهل بمراد علماء المسلمين.

التجديد من لوازم الشريعة
أكد الدكتور عباس شومان أن التجديد في الفكر الإسلامي لازمة من لوازم شريعتنا السمحة لا يمكن أن ينفك عنها، ولا يمكن للشريعة أن تساير حاجات الناس وتواكب متطلباتهم من دونه، فالأحكام المحسومة التي لا تقبل التغيير ولا التبديل في الشريعة الإسلامية قليلة جداً، وتكاد تنحصر في أركان الإسلام وبعض المحرمات المحدودة، وفي المقابل نجد أن ما لا يُحصى من فروع الشريعة الإسلامية مرن يقبل التطويع ليناسب زمان الناس وأحوالهم. ونظرة عجلى إلى تاريخ التجديد والمجددين في الفكر الإسلامي، تظهر لنا اتفاق العلماء على أن مجدد القرن الأول هو الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويتفقون كذلك في أنه يأتي على رأس القرن الثاني الإمام الشافعي، ثم يختلفون بعدهما هل كان على رأس كل قرن مجدد واحد أو أكثر من مجدد، وإنْ كان ثمة اتفاق على أن التجديد في الفكر الإسلامي لم ينقطع في عصر من عصور الإسلام قديماً وحديثاً حتى انتهى إلى الشيخ شلتوت، ومصطفى الزرقا، وعلي الطنطاوي، والدكتور أحمد الشرباصي، مروراً بالشيخ محمد عبده، وغيرهم من العلماء الأفذاذ. وأضاف: «إن الناظر المدقق في تاريخ الإسلام والمستوعب لأحكام شريعته، يدرك أن الإسلام دين متجدد حتى في وصوله للناس، فأركان الإسلام وفرائضه الأساسية لم تنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفعة واحدة، حيث بدأ الإسلام بركن واحد وهو توحيد الله عز وجل والإيمان برسوله، وقد تمثل ذلك في الشهادتين، ويكاد ينحصر أكثر من نصف مدة الرسالة في إقرار هذا الركن وترسيخه في نفوس المسلمين، ثم يفرض الركن بعد الركن، ويتخلل ذلك بيان المحرمات والسلوكيات والأخلاقيات حتى اكتمل الدين قبيل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم..».

نقاشات «التواصل الاجتماعي» تزيد الفجوة
انتقد وكيل الأزهر النقاشات التي تدور رحاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام التي تزيد من الفجوة ما بين الشعوب باستخدام أساليب سب أو قذف في حق دولة أو شعب آخر، وعلى أبناء الأمة ترك القيادة السياسية اختصاص حل الأزمات فيما بينها، وليس الخوض لكل من هبّ ودبّ دون وعي في الشؤون السياسية، وإدارة الدول لأزماتها بعيداً عن الملاسنات، هو الحل الأمثل في التقريب ما بين القيادات والشعوب.