الاتحاد

تقارير

إسرائيل... البحث عن الأمن بالجدران العازلة

ويليام بوث
محلل سياسي أميركي


يسابق المهندسون الإسرائيليون الوقت لاستكمال ما تبقى من «الحاجز الذكي» في مرتفعات الجولان خوفاً من امتداد الصراع في سوريا، أو باقي الجماعات المحاربة هناك إلى داخل إسرائيل، لا سيما بعد اندلاع المعارك على طول الحدود الفاصلة بين الجولان الذي تحتله إسرائيل وبين باقي الأراضي السورية للسيطرة على معبر حدودي.
وفيما تتزايد مخاطر تمدد الحرب السورية ووصولها إلى إسرائيل، تعكف هذه الأخيرة على استبدال حاجز قديم ومتهالك بآخر حديث مجهز بأحدث تقنيات الرصد من مجسات للاستشعار وكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وأجهزة رادار متطورة ترصد بدقة ما يدب على الأرض.
وعندما سينتهي الجدار الذي يمتد على طول 45 ميلا خلال الشهور المقبلة ستكون إسرائيل قد اتخذت خطوة أخرى على طريق تطويق نفسها بالحواجز، وبدلاً من إزالة الجدران القديمة تعمل إسرائيل على بناء وتعزيز حلقة الحواجز الأرضية والتحصينات المنيعة التي تحيط بها نفسها حتى بعد تراجع العمليات الفلسطينية وبروز مخاطر جديدة مثل احتمال صعود إيران النووية.
ويبدو أن إسرائيل أصبحت متخصصة على الصعيد الدولي في إقامة الحواجز المتطورة الأمر الذي جعلها ملتقى للوفود الدولية الراغبة في الاطلاع على تجربتها والاستفادة منها، لكن العديد من الإسرائيليين يعتبرون الإكثار من بناء الحواجز وتطويق الدولة بها من كل جانب هو دليل ضعف أكثر منه قوة، كما أن الحواجز المتزايدة عمقت من عزلة إسرائيل في محيطها، وهو ما عبر عنه الجنرال الإسرائيلي المتقاعد «نيشمان شاي»، وأحد أعضاء الكنيست الإسرائيلي، قائلاً: «بالنسبة لي الرسالة واضحة: السلام مع الجيران بدأ في الانحسار، والحواجز أصبحت جزءاً من الواقع».
ويبرر المسؤولون العسكريون في إسرائيل إقامة الحواجز بأنها توفر الحماية ضد جموع المحتجين كما تصد محاولات الاقتحام وتهريب الأسلحة ودخول المهاجرين غير الشرعيين، فضلاً عن منع وصول الأعداء إلى إسرائيل، لكن في الوقت نفسه يعترف هؤلاء المسؤولون أن الجدران مهما وصلت درجة تطورها لن تحمي إسرائيل من الصواريخ بعيدة المدى التي قد تطلق من إيران، أو لبنان، أو قطاع غزة.
وفي زيارته الشهر الماضي إلى الصين أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي، موضوع الجدران التي تقيمها إسرائيل قائلاً: «كما بنت الصين سورها العظيم لحماية نفسها تقوم إسرائيل بالأمر نفسه للدفاع عن مواطنيها». لكن الدولة العبرية لا تكتفي بجدار واحد، بل تكاد تطوق نفسها بالحواجز من كل جانب، حيث تقترب إسرائيل من إتمام حاجز في الشمال على الحدود مع لبنان خوفاً من التهديد الذي يمثله «حزب الله»، وفي الشمال الغربي تقيم إسرائيل جداراً آخر في مرتفعات الجولان، أما في الجنوب فتبني الدولة العبرية حاجزاً يحاذي سيناء المضطربة، والأكثر من ذلك يعمل مهندسو الجيش الإسرائيلي على وضع اللمسات الأخيرة لبناء حائط آخر على طول الحدود الهادئة مع الأردن بين البحرين الميت والأحمر.
ورغم الانتقادات التي يوجهها مراقبون دوليون إلى إسرائيل، ويستنكرون تحولها إلى «قلعة» معزولة، فإنه لا أحد من المسؤولين الإسرائيليين يفكر في إزالة تلك الحواجز، لا سيما وأن تدشينها تلته فترة من الهدوء والسلام.وتستشهد إسرائيل في هذا السياق بالجدار العازل وسط الضفة الغربية الذي يسميه الفلسطينيون بحائط الأبرتهايد، حيث بدأت الدولة العبرية في بنائه أثناء الانتفاضة الثانية التي اندلعت في عام 2002، وقد أُنجز منه حتى الآن 70 في المئة.
وبحسب وكالة الأمن الإسرائيلية، نُفذت داخل إسرائيل 146 عملية انتحارية بين عامي 2001 و2009 مع تراجع حاد بعد عام 2004، هذا التراجع في أعمال العنف أشار إليه الكولونيل «جريشا ياكوبوفيتش»، مدير قسم التنسيق المدني بالجيش الإسرائيلي، باعتباره أحد نتائج الجدار العازل في الضفة الغربية، لكنه ليس السبب الوحيد بالنظر إلى العوامل الأخرى التي قللت من العمليات الفلسطينية مثل التنسيق بين الأمن الإسرائيلي ونظيره الفلسطيني في الضفة الغربية، فضلاً عن سياسة السلطة الفلسطينية التي تنبذ العنف.
وعلى الجبهة مع مصر انتهت إسرائيل من جميع خطواتها لبناء جدارها عدا 125 ميلاً على طول الحدود مع شبه جزيرة سيناء، فالجدار الذي انطلق عام 2011 وتسارعت وتيرة البناء فيه، أقيم بهدف أساسي هو وقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين، ففيما كان عددهم يصل حسب الإحصاءات الإسرائيلية إلى عشرة آلاف مهاجر في السنة الماضية، أغلبهم من السودان وإريتريا الذين يتسللون إلى إسرائيل عبر مصر، تراجع هذا العدد بعد الانتهاء من جدار سيناء إلى شخصين فقط تم اعتقالهما في الشهر الماضي.
وعن هذه الجدران والحواجز التي تقيمها إسرائيل يقول الكولونيل «يوناثان برانسكي»، نائب قائد الفرقة المسؤولة عن تسيير الدوريات على الحدود مع غزة ومصر «هذه الحواجز تأتي بنتائج جيدة، رغم كل ما يقال عنها وعن منظرها القبيح إلا أنها تقوم بالمهمة الموكلة بها وهي حماية حدود إسرائيل».
لكن هذه النقطة شكك فيها مؤخراً وزير الخارجية الأميركي، الذي يسعى جاهداً لإطلاق المباحثات بين إسرائيل والفلسطينيين، حيث قال يوم الإثنين الماضي أمام اللجنة الأميركية اليهودية المشتركة «إن الذين يعتقدون بأن بناء جدار هنا، أو هناك، كفيل بتحقيق الأمن، وبأنه يمكن الاستمرار في ذلك، هم واهمون».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا