الاتحاد

ألوان

«النخلة».. سلال الخيرات في واحات قصر الحصن

حرفة الخلابة مرحلة مهمة في حياة المزارع (تصوير عبدالعظيم شوكت)

حرفة الخلابة مرحلة مهمة في حياة المزارع (تصوير عبدالعظيم شوكت)

واحات غناء تروى حكايتها لزوار قصر الحصن في دورته الرابعة، تستقبلهم بكلمة ترحيبية «مرحبا»، تحكي حكاية عشق أبناء الإمارات لهذه الأرض الطيبة التي نسجت فيها الكثير من تفاصيل الحياة أيام زمان، ممزوجة بروح الماضي عبر الكثير من الحرف التقليدية التي مارسها أجدادنا بكل صبر وإتقان.
على رمالها الذهبية التي تتناثر يمينا وشمالا هناك تفاصيل كثيرة تجول في منطقة الواحات في قصر الحصن، وخاصة تلك الشجرة المباركة التي تقف شامخة وارفة في قلب الواحة، يستظل بها أبناؤها ويجني منها ثمارها من «التمر» الخالص، تتشكل من تلك النخلة، جذعها وسعفها، حرف تقليدية منسوجة بالكثير من الصناعات التي تقاوم الزمن.

هناء الحمادي (أبوظبي)

من يتجول في منطقة الواحات غالبا ما تلفت انتباهه سلال التمور المنوعة التي تصطف في انتظار من يتذوقها ويتعرف على أسمائها ومذاقاتها الطيبة وألوانها المختلفة، حيث يستقبل صالح السعد ضيوفه بالتمر والهيل مسهبا في الشرح عن أهم التمور الموجودة في الإمارات، ومبينا أن زراعة النخيل أمر ضروري لسكانها ، لما تمثله النخلة من مصدر غذائي أساسي لا يمكن الاستغناء عنه. ودولة الإمارات العربية المتحدة أيام زمان هي إحدى المناطق التي كثرت فيها زراعة النخيل على امتداد مساحتها، وهي الزرعة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لا بل هي أقدم من ذلك بكثير، وهي لا تنفصل في سياق وجودها التاريخي عن تاريخ وجود النخيل ونشأته في الجزيرة العربية أو أماكن انتشاره الأخرى، خاصة أن الإمارات محاطة بمناطق مذكورة في التاريخ، تؤكد أنها عامرة بالنخيل.
ويوضح أن الدولة تضم الكثير من التمور لكن يبقى «الخلاص» هو النخلة الأكثر زراعة فيها وهي أولى تباشير الصيف، أما النوع الثاني فهو «الخنيزي» الذي يعتبر من أجود أنواع التمور الإماراتية، ويتميز بلونه الوردي الغامق وشكله البيضاوي. ويحتوي على نسب عالية من السكريات والأملاح والفيتامينات والمعادن.

تنظيف التمور
أما منى المشايخي وعذيبة الزيدي، فقد أكدتا أن تنظيف التمور مهنة قديمة، كان المزارع يمارسها بصبر وجلد، وتقول المشايخي: «يتم فرز التمور، وتصنف حسب أحجامها وأشكالها ولونها وطعمها ودرجة نضجها ونسبة الرطوبة التي يجب ألا تتعدى 30%، ويتم استبعاد التمور غير الصالحة للتعبئة كالثمار غير الناضجة تماماً والجافة وما نقر منه الطير. ثم بعد ذلك تبدأ «عملية التنظيف»، وهي عبارة عن إزالة الشوائب العالقة على السطح الخارجي للثمرة كالأتربة والغبار وغيرها من الشوائب. لتأتي «عملية الغسل» بعد فرز وتنظيف التمر المراد كنزه، ويتم غسله عن طريق استخدام مصفى مثقب «منخل» حيث يغمر التمر في ماء نظيف لإزالة الأتربة والغبار ثم يرفع بسرعة ويصفى من الماء، ثم بعد ذلك ينشر ويمرر عليه تيار هوائي بواسطة منفاخ كهربائي لتجفيفه من الماء العالق به ثم يترك فترة تتراوح بين 30 و60 دقيقة.

صناعة الخوص
جولة أخرى تكشف لنا مهنة تراثية كانت الأمهات يعملن بها بأناملهن المخضبة، حيث كن يتقن ويتفنن في صناعتها، ويبدعن في خيرات النخلة، فالسعف هو من المواد الأولية التي وفرتها النخلة في الماضي، وبالجلوس مع الوالدة سعيدة صالح التي تسف الخوص بكل حرفية ومهارة، وتشارك للمرة الرابعة في المهرجان،رأيناها تصنع الكثير من القطع التراثية من سعف النخيل التي تتوزع في مختلف أركان البيت مثل، «السرود والمبردة، والمهفة، والجفيرة». لافتة إلى أن المرأة الإماراتية كانت قديماً تقوم بتزيين البيوت بالحصر المزخرفة المصنوعة من خوص النخل. وتضيف أن من أهم الأدوات التي تصنع من الخوص هي «السلال والحصير والسفرة».
وتبين الوالدة سعيدة أن للخوص نوعين أحدهما هو «اللّبة»، وهو لين وصغير الحجم ناصع البياض ويسهل تشكيله، ويستخدم في صنع منتوجات معينة، والثاني هو بقية أوراق النخيل وهو طويل وخشن، ويجب غمره بالماء حتى يلين ليسهل تشكيله. ويمكن صبغ الخوص بعدة ألوان غير الأبيض، مثل الأخضر العنابي والبنفسجي وغيرها بأصباغ معينة تتوافر في محال العطارة.
أما بالنسبة لطريقة صبغ الخوص، فتؤكد أنها تتم عن طريق غلي الماء في وعاء كبير ثم وضع الصبغة المطلوبة فيه، ثم وضع الخوص وتركه خمس دقائق في الماء ثم وضعه في الظل، أما فيما يتعلق بالخوص الأبيض فتوضح الوالدة سعيدة أنه يكتسب هذا اللون نتيجة تعرضه للشمس فيتحول من الأخضر إلى الأبيض. وبعد ذلك، تبدأ صناعة الخوص، وذلك بصناعة جديلة عريضة وطويلة حسب المنتج وعندها يتم التشكيل عن طريق إبرة عريضة وطويلة وخيط قد يكون من الصوف.

صناعة الحبال
حرفة قديمة وتقليدية مارسها آباؤنا وأجدادنا، حيث يحرك صانعها أصابعه للأعلى والأسفل في مشهد يدعو للانبهار والذوق الإبداعي. برغم صعوبة إمكانية تعلمها إلا أن الكثير من أبائنا وأجدادنا ترتسم على قسمات وجوههم الخبرة والمهارة في صنعها. وفي منطقة الواحات في قصر الحصن الوضع مختلف فكل من يقترب من الوالد حمد علي حمد يجده يعشق التراث ويعمل به، وكعادته كل يوم يجلس على الحصير ليمارس حرفته، يبدأ يومه بهمة ونشاط وسط الزوار والسياح الأجانب الذين يراقبونه عن كثب، ويتابعون كيف يمرر يده لصناعة الحبال، وكيف يصوغ تلك الصناعة المحملة برائحة الأرض وخضرة النخيل، فيصنع من الليف أشكالاً مميزة تعبر عن رونق الماضي وجمالياته.
يحكي حمد علي قصة هذه الحرفة الشعبية القديمة التي لم تندثر بعد، ويقول: «تعتبر صناعة الحبال من الحرف اليدوية التي أصبحت مهددة بالاندثار في الوقت الحاضر، ليحل بدلاً منها الكثير من الأنواع المصنعة، فصناعة الحبال قديماً كانت من الليف الذي يؤخذ من النخيل حيث «يُفتل» الليف ثم تُصنع الحبال منه، وبعد ذلك يمرر على النخيل ليكون ملمسه ناعماً.ويواصل الستيني حديثه قائلاً «كانت الحبال في الماضي شيئا أساسيا في العديد من أنشطة الحياة اليومية، مؤكدا أنها موروث قديم، بل هي حرفة مشتركة للجميع، غير أنها في هذا الوقت بدأت تندثر تماماً، ولم نعد نشهدها إلا في المهرجانات التراثية، ففي القديم لم يكن يخلو بيت من هذه الصناعة.

خراريف شعبية
عرفت الحكاية الشعبية المتداولة بين عامة الناس في المجتمع الإماراتي بالخروفة، والخروفة جمعها خراريف، وأصلها خرافة، وعرفت على أنها الحكاية الخيالية التي يصعب أن يصدقها عقل بشري، وغالبًا ما تحكى بالليل، لتأخذ طابع التشويق والحماسة للاستماع لها، وكانت الجدات والأمهات يمزجنها بالواقع، ليسهل حفظها وسردها على الأطفال، وليسهل دمجها بفائدة وعظة ودرس يعجب الصغار ويتعلموه في ذروة تشويقهم لسماع قصة ما قبل النوم.
فيصل، شاب متمرس على سرد الخرافات في قصر الحصن، يجذب الصغار والكبار بأسلوبه الشيق، يحكي الخروفة وهو متمكن من تفاصيلها، ويقول «اعتادت الأمهات والجدات على سرد هذه الخراريف في المساء، إذ يتناول أفراد الأسرة عشاءهم بعد صلاة المغرب وقبل صلاة العشاء، ثم تعد الأمهات فراش النوم لأبنائهن المتحلقين حول الجدات، ليستمعوا لخروفة ما قبل النوم، ولعلهم كانوا يغطون في نوم عميق قبل نهايتها فيتشوقون لسماعها كل ليلة.
ويضيف: مع اختلاف البيئات والخلفيات الاجتماعية يختلف مضمون الحكاية الشعبية ولهجتها حسب أهل المنطقة، فنجد لكل من الجبل والبحر تأثيرهما المختلف عن الآخر في حكاياتهم وخراريفهم. وقد شملت هذه الحكايات الشعبية مواضيع مختلفة كالحديث عن البطولات، والشجاعة، والجن، ومغامرات الخير والشر، وقصص الأمانة والشرف، وكانت تحمل رسائل وأهدافًا عدة «كالوعظ والتعليم والنصح والإرشاد وحتى المتعة في زمن لم تتوفر لدى أهله وسائل ترفيه وتسلية».

طقوس جميلة
ويشير فيصل قائلاً «لسرد الخراريف طقوس جميلة، إذ يجلس الأحفاد حول الجدة بهدوء منصتين لها، وتبدأ بالرواية بأسلوب قصصي وفني شيق، فتتغير نبرتها من خوف وفرح وحزن وغيره، وتلوح بيديها هنا وهناك معبرة عن الأحداث والحركات، وتبدأ حكايتها عادة بنشيد قصير لتهيئتهم، وتعمل الخروفة على تقريب الصورة للذهن، وإيصال الفكرة أو القيمة التربوية أو الأخلاقية بطريقة سلسة وسهلة لعقل المتلقي وقلبه، إذ تربيه على التركيز والاهتمام بأدق التفاصيل الهادفة والممتعة في ذات الوقت. وتساعد أيضاً على تنمية الخيال لدى الأطفال، الذين يتسابقون في تخمين نهاية القصة، أو يبتكرون نهاية جديدة غير التي ترويها الجدة، بافتراض أحداث أخرى، وفي كل الأحوال فهي تمد الطفل بالقيم والأخلاق المراد غرسها فيه بأسلوب ممتع وسهل.

نادي الزراعة
في منطقة الواحات في قصر الحصن، نصيب كبير للأطفال، حيث يتعرف الصغار إلى بعض النباتات التي تنمو في المنطقة وكيف تُزرع؟، تقول في هذا السياق إيمان عمر «يكتشف الأطفال في نادي الزراعة أهم النباتات التي كانت تنمو منها الأرطي، والغاف، والمرخ، والمرث، وهذه الأنواع لها طريقة معينة في زراعتها، حيث من خلال الورشة التدريبية لكيفية الزراعة، يقوم الأطفال باختيار النبتة المراد زراعتها واستخدام المغرفة لوضع التراب في وعاء صغير، ثم حفر حفرة باستخدام الأصبع في الوعاء ووضع النبتة في وسط الحفرة، وإضافة المزيد من التراب لتغطيتها مع إضافة الماء، وفي نهاية هذه الورشة التدريبية يمكن للطفل أخذ النبتة معه إلى المنزل والاعتناء بها حتى تنمو.

بيت العريش
يمكن لزوار منطقة الواحة في قصر الحصن رؤية المنزل التقليدي «العريش» وهو متكامل البناء. ويروي محمد علي الشحي الطريقة التقليدية التي كان يعتمد عليها الأجداد آنذاك في البناء، ويقول إن «بناء العريش في الماضي لم يكن بالأمر السهل، فهو يحتاج إلى خبرة كبيرة لمن يقوم ببنائه، من ناحية أخذ المساحات والمقاسات، وغالبا ما يتكون من «جذع النخلة» ويسمى «الرايلة» الذي يتكون من حلقة وماد والدعن، وهذا يبنى للسقف، أما واجهة العريش فهو «الردة» وتتكون من زوار النخيل، مبينا أن قي أيام زمان لم تكن هناك مقاسات يمكن استخدامها سوى «الذراع». وكان يبلغ طول العريش 7 أذرع، وعرضه 6 أذرع، وارتفاعه 5 أذراع. ويقوم على بنائه (4-6) أشخاص في الغالب،يعملون بكل حرفية ودقة متناهية في عملية تستمر من 2 إلى 4 أيام، ولكي يعطى للعريش لمسة جمالية، كان يضاف «الفنر» إليه للإضاءة.

الخلابة
من صناعة الحبال إلى حرفة الخلابة مرحلة مهمة في حياة المزارع، يقول عنها الخمسيني سالم صالح البلوشي: «من يمارس هذه المهنة، لا بد له أن يكون صاحب خبرة ومهارة في الصعود إلى أعلى شجرة النخلة لتقليم أشجار النخيل وجذبها بكل حرفية. ويضيف «إن «الخلاب» كلمة تطلق على من يقوم بتفقد أشجار النخيل وتقليمها لتسهيل مهمة الصعود إليها وجني بلحها، وهو الذي يخلص شجرة النخيل من الكَرْب على جذعها باستخدام آلة قاطعة تُسمى «الشَنْكَة» التي يضرب فوقها «المَلْكَدَة» . وإذا كانت النخلة عالية ، استخدم الخَلاَّب لإتمام مهمته «الحابول» الذي يساعده على تثبيت نفسه في أعلى الشجرة».

اقرأ أيضا