الاتحاد

لماذا رفض الآخر؟؟


هل يمتلك كل واحد منا اليقين التام والجزم القاطع بأنه يحوز على الحقيقة كلها دون غيره؟ وهل يمتلك كل واحد منا الدليل الراسخ البات على انه هو من يعيش ويتحرك في النور والاخرون انما يقعون في ظلام دامس؟! فيما لو افترضنا ذلك عند جميعنا في أن كل واحد منا يمتلك الحقيقة والنور دون غيره، وأنه هو المستقيم والآخرون في اعوجاج وانحراف، فهل يخولنا ذلك أن نتشرنق على أنفسنا وننغلق عن الآخرين ممن لا يشاركوننا افكارنا ومعتقداتنا، ونضع الحواجز السميكة فيما بيننا وبينهم، وتنتابنا الريبة والحذر دائماً في تعاملنا معهم؟! لا بل - أكثر من ذلك - أن نتخذهم أعداء، وفي مرحلة من المراحل أن نستبيح دماءهم وحقوقهم؟!
وعلى افتراض أن دعوى كل منا في أنه يختص هو بالحق والحقيقة والنور دون غيره هي دعوى صحيحة، أو ليس من الأولى لمن هو كذلك ان ينفتح على الآخرين كي يضيء لهم الطريق، ويحاول جاهدا أن يعدل الاعوجاج عندهم بأسلوب حكيم وحضاري؟؟ وبقلب مليء بالرحمة عليهم، وبحرص شديد على أن ينقل اليهم ذلك الاستبصار الذي يمارسه، وينعم فيه، شأنه في ذلك شأن المخلوق المقدس الذي قال الحكيم العليم في حقه: 'فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا' والباخع لنفسه هو القاتل والمهلك لها، أي أن هذا الوجود المقدس الذي امتلك الحقيقة فعلاً، وامتلك الى جانبها الرحمة على من ضلوا عن هذه الحقيقة، كاد يهلك نفسه حرصاً منه على هداهم!! والا كيف استحق إذا أن يكون ممن اختصوا بحمل الحقيقة كل الحقيقة دون ريب ولا شبهة؟!
هذا إن صحت دعوى كل واحد منا بأن لديه اليقين التام والبرهان القاطع على صحة منهجه، وبأنه يسير في خط مستقيم لا عوج فيه ولا ضلال معه، فكيف والأمر هو غير ذلك قطعا؟؟ فمعظمنا ليس لديه ذلك اليقين الكافي بكفرته ولا البرهان القاطع على منهجه، بل أن كثيراً منا لم يعتنق منهجه على قاعدة متينة من الحجة الدامغة والدليل القاطع، حتى أن الأمر يتجاوز ذلك حيث أن السواد الأعظم منا إنما وجد نفسه يسير وفق طريقة أو معتقد معين متأثراً بأسرته وبيئته ومحيطه، دونما أدنى محاولة منه للبحث الموضوعي والعلمي فيما إذا كانت تلك الطريقة صحيحة أم غير صحيحة!!
وهذا يذكرنا بالأمم السابقة التي حلّ عليها الوبال والسخط الالهي، فما انغلاقهم عن انبيائهم ورفضهم اياهم الا لحجج واهنة ومبررات سخيفة متمثلة باتباع الآباء، ولزوم الطريقة السائدة، والانخراط الأعمى في منهجية عوجاء، دونما أدنى تفكر منهم باحتمالية أن يكون آباؤهم ومحيطهم على ضلال وانحراف 'أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً···'!!!
فمن كان أمره كذلك من ضعف اليقين والدليل على منهجه، أو حتى انعدامهما تماماً، فهل من المنطق أن ينغلق عن الآخر، ويتخذه عدوا؟؟ ولما كان الانغلاق عن الآخر ورفضه لم يصح من الأنبياء الذين امتلكوا اليقين الكلي والبرهان الجازم القاطع على استقامة مناهجهم، لا بل أنهم انفتحوا الانفتاح كله على اقوامهم، وسعوا إليهم بكل الوسائل، فكيف يصح ذلك ممن يفتقد للدليل الكافي على منهجه، أو أنه لا يملك فعلاً أي دليل على ذلك، بل هو يتبع الظن، 'وإن الظن لا يغني من الحق شيئا'·
مرتضى شرارة
أبوظبي

اقرأ أيضا