الخميس 29 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

ويسألونك عن الطبيعة... قل بوح واستشفاء

25 يوليو 2018 21:38
في إحدى بقاع كوكبنا الأرضي، جنوب النمسا بمقاطعة كارينثيا النابضة بشريان بحيرة وورثيرسي (Worthersee)، أودع المولى نفحة من جمال خلقه وعظيم صنعه، لتزدان بموانئٍ صغيرة تحفها الغابات وتحتضنها مياه البحيرة، ترتوي بمائها الرقراق أينما حللت، وكأن الظمأ نال منك لسنوات. تحملك قدماك لتلال قريبة، تنتشي حواسك بعبق اللافندر والياسمين والزهور المتفتحة، تتمازج مع رائحة القهوة المتسللة من البيوت المجاورة. وتطرب لسمفونية هدير السيارات الألمانية الصغيرة تخترق التلال والجبال وتعانق خرير الينابيع المنسابة، ليُخمد المشهد براكين أفكارك فيَسكن ضجيج عقلك هامساً: أطلق لروحك العنان وتأمل..! ها أنت بين أحضان الطبيعة حللت ضيفاً والكون منصت لك، وقد سخر لك كل آفاقه وأسراره؛ شجراً وزهراً، طيراً وماءً وسماءً، لتعتكف مستغرقاً في بوحك، ساعياً لاستشفائك. وأنت في وسط الغابات وبحيرتها الفيروزية، متنقلاً بين موانئها الصغيرة المتناثرة على أطرافها بين كلاجنفورت، وماريا وورث، وديلاش، وفيلدن، يمتد بصرك للوحات أبدعها الخالق تسلب الألباب، تكاد لا تصدق أن كوكبنا يتسع لهذا المكان الآسر، إذ اختص الله سبحانه تلك البقعة بتفرد نادر وملهم للتأمل والتدبر والتفكر والبوح الإيجابي. وسط تلك الجنان الغنّاء، حيث تقيم في مركز صحي تتابع برنامجاً صحياً وقائياً إصلاحياً، ليخلّصك من جيوش كاسرة اجتاحت أحشائك لسنوات من الدهون والسموم والملوثات المادية والسمعية والبصرية والفكرية التي أوهنت قواك؛ لتعود من جديد بعد الخضوع لعمليات ترميم شاملة لصحتك وفكرك وروحك وعزيمتك، وقد استعادت مدائنك المغتصبة رونق الخضرة والحرية، وزفرت أنفاسك دخان المُحركات واستنشقت عطر الزهر وروائح الخبز الطازج، ويصفو ذهنك المثقل بضوضاء المدن بهدوء الطبيعة وترانيم ثلاثية، خرير الماء وهديل الطير وصوت ورق الشجر، وينجلي بريق عينيك الرمادي بصفاء وجه المياه الفيروزي، ويخترق البوح صمتك المنسي في ثرثرة مع الروح على بحيرة وورثيرسي. أما وقد أزاحت جنة في الأرض كل هذا العبء، وروت عروقاً أصابها الظمأ حتى جفت، فأعادت فيك الحياة وكأنك لست أنت الذي أنت..! فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©