صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

مواجهة الإرهاب تتطلب استراتيجية عربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية

جانب من الجلسة الافتتاحية لملتقى التنمية والتعليم في مواجهة التطرف (من المصدر)

جانب من الجلسة الافتتاحية لملتقى التنمية والتعليم في مواجهة التطرف (من المصدر)

جمال إبراهيم (عمّان)

شهدت العاصمة الأردنية عمان أمس انعقاد ملتقى «التنمية والتعليم والإعلام في مواجهة التطرف» الذي نظمه منتدى الفكر العربي في إطار استضافته اجتماعات تحالف مراكز البحوث العربية - النسخة الخامسة والاجتماع الأول لمجلس أمنائه، بمشاركة عربية واسعة ضمت نخبة من الشخصيات الفكرية والإعلامية والأكاديمية وممثلي مراكز الدراسات الأعضاء في التحالف من الأردن، والإمارات، والبحرين، والسعودية، والكويت، والمغرب، ومصر، واليمن.
وقال رئيس منتدى الفكر العربي الأمير الحسن بن طلال في كلمة أمام الملتقى «نحن في زمن صعب نحتاج فيه لاستعادة الفكر التنويري الذي يضع العرب في المكانة التي يستحقونها فكراً وعملاً وحضارة». وأضاف «إن المحافظة على مكانتنا الجيوسياسية لن تكون إلا بتحقيق التكافل الفكري المستند إلى القيم المشتركة، وتعزيز التكامل والتعاون بين دول الإقليم لإيجاد عوامل مشتركة ضمن قطاعات المياه والطاقة والبيئة والتعليم والصحة».
وبين الحسن أن صياغة استراتيجية عربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة التطرف لا بدّ أن تنطلق من قاعدة معرفية صلبة، وخطاب فكري مجتمعي يستند إلى مفهوم الدولة المدنية أو دولة المواطنة، في إطار رؤية ناظمة للإقليم. ولفت إلى أن المعرفة والمعلومات هي قوة يشكل تطبيقها وانتشارها تحديا لنا جميعا، لكنّ تنظيم هذه العملية يمكن أن يجعل منها أداة للتنمية التي تتطلب بدورها بسط السلام والاستقرار».
وأكد الحسن الحاجة إلى استمرار التنسيق بين مؤسسات الفكر والإعلام لمواجهة التطرف واستباق التحديات، والحاجة أيضاً إلى تطوير الاستبصار والتفكير لمستقبل أفضل للإنسان العربي، وبناء آداب الحوار». وطرح عددا من التساؤلات حول إمكانية التصدي للفكر المتطرف وخطاب الكراهية في غياب الفكر التنويري الرصين، الذي يستند إلى قيم التسامح الفكري والتعددية واحترام الاختلاف وإعطاء الأولوية للعقل والانفتاح على الثقافات الأخرى، داعياً إلى التمسك بالاستقلال الثقافي، الذي يعيدُ تجديدَ العقل العربي المنفتح على الآخر».
من جهته، قال نائب رئيس مجلس الأمناء المدير التنفيذي لمركز عيسى الثقافي في مملكة البحرين الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة، في كلمته «لقد كان الجهل، ولا يزال، آفة خطيرة تؤول بنا يوما بعد يوم نحو المزيد من الهوان والضعف واليأس، والذي بدوره أصبح وقودا لكثير من الأحداث والثورات التي لا تبتغي سوى الفوضى والتدمير». وأضاف أن أحداث الربيع العربي، كشفت عن فجوة عميقة من الجهل والتجهيل الممنهج، الذي كان سببه الرئيسي ضعف نظام التعليم وعقم البيئة العلمية المرتكزة على التنظير الخطي المجرد والذي يأخذ الطابع التقليدي المتمسك بمدلولات تاريخية بالية لا تخدم تطلعات مستقبل الأجيال القادمة، ولا تساير ركب التطور الطبيعي للبشرية والقائم على فكر التنوع والتعددية والتسامح والتعايش الإنساني».
وتابع قائلاً «إنه استكمالاً للجهود السياسية والسيادية التي تقوم بها دولنا يتحتم علينا في هذا الملتقى أن نكرس إنجازاتنا الفكرية وقراراتنا العلمية لفتح قنوات أوسع لوضع استراتيجيات تعليمية إعلامية توعوية مشتركة، يكون الشباب قوامها». ولفت إلى أن هدف هذه الجهود رصد الوقائع وتقويم المغالطات وترسيخ الحقائق وبث القيم المشتركة، عبر استخدام أحدث الطرق والوسائل الإعلامية والاتصالية التفاعلية، في عصرٍ بات الإعلام فيه هو البيت والمدرسة والعالم كله».
وقال الأمين العام لمنتدى الفكر العربي محمد أبو حمور في كلمته «إن المتغيّرات المتسارعة في المنطقة والعالم خلال العقود الأخيرة تدعو إلى تفحص أسباب الاضطرابات المتراكمة، والتنبّه إلى تداعياتها من أشكال العنف والصراعات، مما استطاعت قوى التطرّف والإرهاب أن تستغلّه لصالح أجنداتها»، ودعا إلى انتقال منهجي رشيد نحو مجتمع المعرفة، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، وتوطين التكنولوجيا، وتجنّب تداعيات الاقتصاد الريعي وأخطار الإقصاء والتهميش، وإحلال مبدأ المشاركة».
وحذر المشاركون في الملتقى من غياب التنمية بمفهومها الشامل، وإخفاق مشاريع التنمية عموماً، وغياب أهمية الإنسان وحقوقه الأساسية، مؤكدين أنه من دون تنمية اقتصادية واجتماعية لن يكتب للجهود الأمنية والعسكرية النجاح في مواجهة التطرف والإرهاب». ودعوا إلى أن تتوجه استراتيجيات التنمية نحو الإنسان العربي وفقاً لاحتياجاته الحقيقية، وبأن تكون مواجهة ظواهر التطرف شاملة تجاه ظواهر مصاحبة وتؤثر سلبياً على المجتمعات العربية في جميع شرائحها، ولا سيما الشباب.
وحذر المشاركون من غياب التنمية بمفهومها الشامل، وإخفاق مشاريع التنمية عموماً، وغياب أهمية الإنسان وحقوقه الأساسية، وأكدوا أنه من دون تنمية اقتصادية واجتماعية لن يكتب للجهود الأمنية والعسكرية النجاح في مواجهة التطرف والإرهاب، ودعوا إلى أن تتوجه استراتيجيات التنمية نحو الإنسان العربي وفقاً لاحتياجاته الحقيقية. وطالبوا بأن تكون مواجهة التطرف شاملة تجاه ظواهر مصاحبة وتؤثر سلبياً على المجتمعات العربية في جميع شرائحها، لا سيما الشباب، مثل الفوضى والانفلات الأخلاقي، وضعف الولاء للوطن، وتشتت الهوية، والارتكان لأفكار العولمة، وبحيث تكون هناك استراتيجية مواجهة عربية شاملة تتسم بالواقعية والمرونة، كون التطرف عابر للحدود ويؤثر بشدة على المجتمعات العربية وتحقيق أهدافها الطموحة».
وحذر المشاركون من الحلول السطحية والمؤقتة، وأكدوا أن الإرهاب المادي هو نتيجة فكر متطرف مبني على التجهيل والشعارات التي تسيس الدين والصيغ غير العقلانية، وأن المواجهة المثلى تكون بالاستثمار في التربية والتعليم والتنمية المستدامة، وأن تغيير الواقع نحو النهوض يتطلب ترسيخ قواعد التنمية والأمن والاستقرار». وأشار المشاركون إلى أن التهميش والحرمان وضعف حكم القانون تعتبر من أهم عوامل اتجاه الشباب نحو التطرف، وبالذات التطرف الديني، فضلاً عن أن الإحباط والإهمال ومحدودية الفرص الاقتصادية وقلة إمكانات المشاركة المدنية الهادفة من عوامل اعتناق الإيديولوجيات المتطرفة، وأن تركيز السياسات التعليمية على التعليم النوعي بتخصصاته العلمية والفنية وتنمية المهارات الفردية هي السياسة الأجدى للدول النامية سواء كانت دولاً غنية أم فقيرة، لأن ذلك يؤدي إلى تحسين الأوضاع الفكرية والمعيشية للشباب، ويحد من تسلل القوى المتطرفة من خلال مداخل الضعف الفكري والحاجة المادية والبطالة.
وفي مجال الشراكة أو التنسيق بين مؤسسات الفكر ووسائل الإعلام، أكد المشاركون ضرورة ذلك في هذه المرحلة ومن أجل مكافحة التطرف، كون المؤسسات الفكرية هي عقل المجتمع ومستشاره الأمين، والإعلام هو مدوّنة حيّة لحراك المجتمع ومنصة للتفاعل والحوار البنّاء حول مسيرته التنموية، وإذا توافرت الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين الطرفين تجاه قضية مكافحة التطرف، فإن النتائج ستكون لصالح استقرار المجتمعات.
وأوضح المشاركون أن أحد أسباب الإشكال الذي تعانيه الأمة العربية هو غياب الفكر عن وسائل الإعلام، وكذلك غياب الإعلام عن نشر آراء المفكرين، وأن التيار المتشدد والمتطرف استطاع أن ينسج معادلة ناجحة بين الفكر المتزمت والإعلام والاقتصاد، وتم تسويق هذا الفكر عبر الصحافة والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما أخفق دعاة التنوير في مثل هذا الربط للفكر والاقتصاد والإعلام، فاختفى التنوير وامتلأت الأدمغة الشابة بالفكر الظلامي.
وأكد المشاركون أهمية ترسيخ القيم الإيجابية، واحترام الأديان والمذاهب، والابتعاد عن أسلوب التفرقة وكل ما يثير العنصرية والتمايز باللفظ أو الفعل، وأشاروا إلى أن خطاب الكراهية هو مفتاح الإرهاب والعنف والتحريض ورفض الآخر، وأن المؤسسات والمنظمات المعنية، وكذلك الدول مسؤولة وعليها أن تبني استعدادات وقائية بمستوى الأحداث الخطيرة التي ينتجها التطرف.
وبحث الملتقى ضمن أربعة محاور عدداً من القضايا الأساسية للتنمية المستدامة في الوطن العربي والحفاظ على هوية الأمّة ومقدراتها، واقتراح التوجهات المناسبة والحلول العملية للمشكلات والأزمات التي استغلتها أجندات التطرف أو تسببت في تفاقمها من خلال نشر أفكارها التدميرية. وتناولت المحاور الرؤى والتصورات حول استراتيجية عربية للتنمية الاقتصادية الاجتماعية في مواجهة التطرف، ودور سياسات التعليم والتنمية البشرية، والتنسيق بين مؤسسات الفكر والإعلام، وخطاب الكراهية ودوره في نشر الفكر المتطرف - أثر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويستضيف منتدى الفكر العربي الملتقى في إطار مساهمته في تحالف مراكز البحوث العربية الذي أطلق في أبوظبي عام 2015، والمشاركة في تجديد أسس العمل العربي المشترك، القائم على التفكير العلمي العقلاني، وبما يخدم قضايا الأمة وحماية مستقبل أجيالها، ويساهم في تقديم الحلول العملية لهذه القضايا.