الاتحاد

دنيا

المكافأة المقطوعة

لكل انسان عقدة، وانا عقدتي هي: العمل بالمكافأة المقطوعة· لا تستغربوا، فانني أشعر وكأنه قد كتب على جبهتي تلك العبارة، وانني سأظل حبيسة تلك العقدة طوال عمري ـ لاسمح الله ـ· ربما أكون قد بالغت قليلاً، فلا شيء يستمر على حاله أبداً، لأن رحمة الله واسعة· ولكني عشت معاناة حقيقية بسبب ذلك، فكلما حملت أوراقي واتجهت لطلب الوظيفة، لا أجد شاغراً ينتظرني غير العمل بالمكافأة المقطوعة، فهل تصدقون ذلك؟
الذي لا يعجبني في الأمر، هو ان ذلك النظام غير منصف اطلاقاً· فتلك المكافأة المكتوبة على جبيني لا تتعدى ربع الراتب المخصص للوظيفة، ولكني مضطرة للقبول بها لأسباب يعرفها أمثالي بكل يسر وسهولة· أما الذين يستغربون ولا يستطيعون فهم قصدي، لهؤلاء سأروي حكايتي مع رحلة المكافأة المقطوعة، وليعني الله حتى استطيع توصيل أفكاري بشكل واضح وسليم·
بين التردد ومزيد من التردد قررت أخيراً ان اكتب حكايتي في هذه الزاوية· اعرف بان الشكوى لغير الله مذلة، ما أرويه لا يعتبر شكوى وانما هو نوع من الفضفضة الانسانية التي تنتشر بين القلوب فتزيد من الإحساس بالقوة والقدرة على المزيد من التحمل، وأيضاً فانها ربما تكون سبباً للفرج الذي انتظرته طويلاً، وقد صار بالنسبة لي شيء صعب المنال، وذلك بحسب تجربتي العملية والواقع الذي عشته وعانيت منه لمدة طويلة، حتى صارت كلمات تلك الأغنية القديمة تدق مثل الطبل برأسي، فكلماتها معبرة وقوية حين تردد أم كلثوم بصوتها الخلاب قائلة: انما للصبر حدود··· للصبر حدود··· للصبر حدود يا حبيبي!
للأسف، فإن الصبر الذي في رأسي وفي باقي جسدي وفي جيوبي وجميع خزائني قد نفد كله ولم يبقى لدي المزيد منه، فاسمحوا لي ان اعبر بحرية ودون خوف عن معاناتي لشدة الظلم الذي أشعر به·
البنت الأقرب
انا ابنة هذه الارض الطيبة التي لم ولن تبخل على البعيد قبل القريب، واسمحوا لي ان استغل الحرية المسموحة لي هنا لأعبر بدقة أكثر بعبارة البعيد قبل القريب، والغريب قبل الأبناء، والقاصي قبل الداني، وأي عبارة يمكنكم انتقاءها للمساعدة في توضيح مقصدي· فانا الأقرب، وانا الابنة، وانا الدانية، فهل من العدل ان أبقى في طي النسيان بعيدة عن حقوقي التي استحقها في بلدي، بغير اعتراض على ما يحصل عليه غيري طبعاً! فلست حسودة ولا حقودة ولكن انا فقط صاحبة حق·
تزوجت وانا على مقاعد الدراسة كسائر البنات في مجتمعنا، لمس زوجي فيَّ الرغبة الشديدة في اكتساب العلم، فشجعني على العودة لمقاعد الدراسة وأعطاني الإذن في استكمال دراستي الثانوية· انه انسان طيب جداً وهو يعمل بوظيفة بسيطة وبراتب أبسط، وبالطبع فقد اكتملت سعادتنا بمجيء الأولاد والبنات ولله الحمد حتى اصبح لدينا ستة يحفظهم الله·
لم أستطع وقتها استكمال دراستي الجامعية بسبب مسؤولياتي كأم لهذا العدد الكبير من الأطفال الذين هم بحاجة مستمرة لرعايتي واهتمامي حتى يشتد عودهم قليلاً، فآثرت البقاء في المنزل والتفرغ لهذه المسؤولية المقدسة·
كلما كبر الأولاد تبلورت معاناتنا بشكل أكبر، فلم تعد الأمور تسير سيراً طبيعياً أبداً·
مع هبوب موجة الغلاء وازدياد الأعباء المادية للأسرة، كان لزاماً علينا انا وزوجي ان نفكر بطريقة لتحسين دخل العائلة، ففكرت بالبحث عن عمل، خصوصاً وان أولادي كلهم صاروا يذهبون إلى المدارس أثناء الفترة الصباحية·
رحلة شاقة
بدأت رحلة البحث وانا على عماي كما يقولون، فلم اكن أدري بان الدنيا كلها تغيرت من حولي وانا آخر من يعلم، لأنني كنت محبوسة بدوامة البيت ومشاغل الصغار· كل شيء كان مختلفاً، والحياة صارت عجيبة وغريبة لا يمكن فهمها·
صرت استجدي الوظيفة، وبدلاً من ان احمل صحناً توضع فيه العطايا، حملت أوراقي وعرضتها لأحصل على ذلك الإحسان· فوجئت بان الأبواب لم تعد تفتح أمام المستجدين الفقراء ولا سبيل لاختراقها· حتى عندما كنت أقابل أصغر مسؤول في المكان، فإنه يرفض ان يرفع وجهه ليقدرني بنظرة ترحيب ولو بالخطأ، مع اني والله لست كبيرة في السن ولا يوجد بي أي عيب ينفر· العيب الوحيد هو انني لست متبرجة، وملتزمة بالأخلاق والسلوك الحسن· قلت في نفسي ربما انا بحاجة لبعض الشهادات التي تعزز من فرص حصولي على الوظيفة، فالتحقت بمراكز التعليم المختلفة وصرفت الكثير لأحصل على تلك الشهادات·
عدت من جديد لعملية استجداء الوظيفة، بعد معاناة طويلة مؤلمة واحباط رهيب تمت الموافقة على الحاقي بالعمل بمنطقة نائية كأمينة سر بإحدى رياض الأطفال، ولكن بنظام المكافأة المقطوعة· رغم الراتب الضئيل إلا انني كنت سعيدة، وقررت ان اكون مثال للموظفة النشيطة المجتهدة· وحمدا لله فقد شهد الكل بأخلاقي ونشاطي وإلتزامي بالعمل، ولكن الفرصة لم تدم، فقد تم سد الشاغر بإحدى الخريجات التي جاءت لإستلام الوظيفة·
تم توديعي بكلمات حميمة وصادقة من قبل الزميلات، وقد تأسفوا كثيراً بعد ان تم الإستغناء عن خدماتي· لم أظهر حزني وقلت لهم بروح رياضية عالية: لا يهم فالأرزاق بيد الله والوظائف كثيرة، وإن شاء الله سأحصل على وظيفة ثابتة بعيداً عن المكافأة المقطوعة·
خرجت من عندهم وانا في حالة نفسية صعبة لأنني أعرف بأن رحلة البحث عن وظيفة من أشد الرحلات تعباً في هذا العالم·
رحلة جديدة
قررت عدم القبول بوظيفة المكافأة المقطوعة هذه المرة، فصارت رحلتي اكثر شقاء وصعوبة، فتنازلت عن عرش الكبرياء وقررت قبول أية وظيفة مهما كانت وكيفما كانت·
ركزت هذه المرة على جمعيتنا (جمعية المرأة) فقدمت أوراقي لإحدى المسؤولات ترافقها دمعات حارة وحسرات وتوسلات· انا بحاجة للوظيفة، ابنائي في المدارس، مصاريف كثيرة، الغلاء يدمر كل شيء، وراتب زوجي بسيط لا يكفي بعد دفع الإيجار وغيره· كانت منهمكة في أوراقها لا تنظر إليّ، فرفعت صوتي أكثر وغيرت لهجتي وقلت: اقصد، انني أريد إثبات ذاتي، فأنا امرأة لدي كيان وأحلم بان يكون لي دخل أساهم به لمساعدة زوجي·
يبدو ان عبارتي الأخيرة كانت مؤثرة، فقد تمت الموافقة على توظيفي···ولكن بالمكافأة المقطوعة! وكان المبلغ أقل من السابق، الفرق الوحيد هو ان هذه الوظيفة دائمة وليست لسد الشاغر كما كان في السابق، مع عبارة جميلة: ابقي في هذه الوظيفة حتى تملي وتنصرفي بإرادتك·
يا سلام··· ما هذه الروعة ورحابة الصدر؟ ليتها كانت وظيفة حقيقية براتب مجز، لكان الأمر أروع، ولكن للأسف، الحلو لا يكمل أبداً·
عدت للعمل بجد واجتهاد، وها أنذا منكبة انكباباً مضنياً بين الأوراق والملفات، انقل كل محتوياتها إلى الحاسوب، أخذ غياب وحضور جميع الطالبات والمدرسات، أتلمس أهميتي في هذا العمل من خلال الإتصالات المتعددة التي اتلقاها عند غيابي الاضطراري، فأرتاح لكوني انسانة مهمة في هذا المجتمع، ولكني أعود فأتساءل من جديد، مادمت مهمة، وما دمت نشيطة، وما دمت ملتزمة وغير ذلك من الصفات التي تطلق علي في كل مناسبة، لماذا إذن لا يتم توظيفي؟ الكل يقبض الراتب المحترم آخر الشهر وانا أقبض الدريهمات التي لا تكفيني حتى لسد أجور المواصلات·
مفاجأة جديدة
لم ايأس في سعي للحصول على وظيفة وبقيت متواصلة مع الجهات التي قدمت لها أوراقي ووعدتني بالصبر والإنتظار، فجأة اتصلوا بي من المنطقة التعليمية لأملأ استمارة طلب وظيفة· فرحت فرحاً عظيماً، وقلت في نفسي: يبدو ان باب السماء قد فتح امام دعواتي، فها قد أتى الفرج راكضاً إلي·
اسرعت إلى هناك، فأعطوني استمارة، نظرت إليها فصدمتني عبارة (المكافأة المقطوعة) كاد ان يغمى علي، بكيت بحرقة وانا أردد: لماذا هذا الظلم؟ لماذا انا بالذات؟ ثم عدت، فاستغفرت ربي لتسرعي·
عدت الى بيتي وانا منهارة· قابلني زوجي بمنتهى البرود وهو يبتسم· تصورت بأنه يسخر مني، ولكنه صار يحدثني عن حكاية غريبة لم استوعب معناها، قائلاً: ان وضعنا يشبه حكاية سباق القوارب التي تروى للتندر والتسلية· أتدرين ما تلك الحكاية؟ انها عن سباق حدث بين اليابانيين واحدى دولنا العربية، حيث دخل السباق قاربان، كل قارب فيه ثمانية اشخاص· كانت التجهيزات متشابهة ولكن اليابانيين فازوا على العرب بميل واحد· غضب العرب وانفعلوا، مما دعا المدير الأكبر لإتخاذ قرار بالفوز في السنة القادمة مهما كلفه ذلك، فاحضر فريقاً من المحللين لدراسة المشكلة· بعد دراسة مفصلة اكتشفوا بان اليابانيين كان لديهم سبعة مجدفين وكابتن واحد، وان للعرب سبعة 'كباتن' ومجدف واحد· عندها قررت الإدارة العربية إتخاذ قرار حكيم لمواجهة هذا الموقف، فاستعانوا بشركة استشارية متخصصة لإعادة هيكلة الفريق، وبعد شهور متواصلة من العمل توصل المستشارون لمكمن الخلل، وهو وجود عدد كبير من 'الكباتن' وعدد قليل من المجدفين، وتم تقديم الحل· ان يتم تغيير البنية التحتية للفريق، فصار كالتالي: كل أربعة كباتن يقودهم مديران، بالإضافة إلى المدير الرئيسي الأعلى، ويكون هناك شخص واحد للتجديف· ثم اقترحوا تطوير بيئة المجدف وذهنيته ليواكب عملية التطوير الحاصلة في العالم، مع بعض الحوافز التشجيعية·
في السنة التالية، فاز اليابانيون بفارق ميلين، فقام الفريق العربي باستبدال المجدف بسبب أدائه غير المرضي، وأحضروا غيره ليعمل بنظام المكافأة المقطوعة التي لن تكلف الكثير· وللضغط عليه من أجل أداء أفضل، تم تقديم مكافأة تشجيعية للإدارة لمستواها العالي الذي قدمته في المرحلة السابقة، مع تقرير قدمته الشركة بأن الاستراتيجية كانت جيدة ولكن الأدوات تحتاج إلى التطوير··· فقرر العرب شراء قارب جديد·

اقرأ أيضا