الاتحاد

دنيا

كنوز الشرق تبوح بأسرارها في باريس

باريس ـ نايلة ناصر:
يشهد متحف اللوفر على امتداد ثلاثة أشهر معرضاً بعنوان من 'قرطبة إلى سمرقند' يحتفي بروائع من الفن الإسلامي تعود ملكيتها إلى دولة قطر التي أعارتها لفرنسا كعربون تعاون بين المتحف الباريسي المعمر منذ أكثر من 200 عام وبين متحف الفن الإسلامي الذي يتوقع افتتاحه العام المقبل في الدوحة·
يضم المعرض 42 تحفة فنية تعكس القدرة الخلاقة لمبدعين من العالم الإسلامي، حيث تقع عين الزائر على كنوز تغطي ثلاثة عشر قرناً، من السابع ميلادي حتى القرن التاسع عشر، وتنتمي جغرافياً إلى ثلاث قارات· وتكشف المعروضات عن الغنى الهائل للمواد والخامات المستخدمة مثل المعادن الخالصة أو تلك الموالفة بين معدنين اثنين (شأن البرونز المسبوك المطعَّم بالفضة) والعاج والزجاج المنفوخ والسيراميك والحجارة الكريمة والأقمشة وأنواع الورق المختلفة·
قطع نادرة
ويحتوي المعرض الصغير نسبياً قياساً بالمعارض المقامة عادة في الصرح الثقافي الفرنسي على قطع نادرة يكشف النقاب عنها للمرة الأولى أمام الجمهور العريض· ولعل اقتصاره على هذا العدد من المعروضات يمنح العين الزائرة مسافة رحبة تبخل بها المتاحف عادة· والأهم انه وللمرة الأولى يقدم في باريس معرض ودليل باللغات الثلاث الفرنسية الإنجليزية والعربية أي يتوجه للزائر باللغة ذاتها التي حققت فيها الروائع التشكيلية الإسلامية·
تهدئة للخواطر الحزينة
لا تدفع قطع المعرض الزائر إلى الانبهار فحسب، بل إلى التأمل في الإبداع الإسلامي الرفيع المحتفى بالحياة: كذلك الأيل المحقق من البرونز المسبوك، وهي قطعة أخاذة بنقوشها وبحرفية تشكيلها وخصوصاً الرأس الذي حوله صانعه بفمه المفتوح إلى نافورة يتدفق منها الماء ليسقي الحدائق الغناء لقصر أندلسي في مدينة الزهراء قرب قرطبة في القرن العاشر الميلادي· أو تلك التميمة المحققة في الهند من اليشم الأبيض الناعم الملمس حيث خطت آيات قرآنية إضافة إلى اسم وألقاب شاه جهان وسنة تحقيقها 1041 هجري ( 1631 م ـ 1632 م )· لقد صنعت هذه القلادة التي كان يعتقد أنها تساعد على تهدئة 'دقات قلب' من يتقلدها بعد عدة أشهر من وفاة 'ممتاز محل' زوجة الإمبراطور الذي حكم الهند في ذلك الزمان، والذي كان مولعاً بزوجته ولعاً كبيراً دفعه إلى أن يقيم لها مقبرة تاج محل أجمل المباني الإسلامية في الهند من حيث الروعة والزخرفة والتصميم الهندسي·
الخط العربي
طرز الحرف العربي ورسم على الورق ونقش على المعادن وحفر على الحجر وطلي على الخزف وصب في أشكال ثلاثية الأبعاد: تعكس الروائع المعروضة أهمية الكتابة التي أمضى الخطاطون المسلمون حياتهم في إتقانها·
ومن المعروضات نسخة من القرآن الكريم حققت في المغرب أو تونس في القرن الثاني عشر ـ الثالث عشر الميلادي، ومخطوطات من سوريا والهند، وفرمان عثماني موقع بختم السلطان سليمان القانوني·
ومن القطع الاستثنائية سلطانية عراقية من البصرة مدهشة بزخرفها المتقشف المقتصر على عبارة 'ما عُمِلَ صَلُحَ' المخطوطة بالحرف الكوفي· ويكمن التجديد المثير لهذه القطعة الفنية التي تعود إلى القرن التاسع في تحويل الآجر إلى خزف مصقول وعلى الأخص تحقيق زخارف بالكوبالت الأزرق على أوان بيضاء· ومن هذه التقنية التي ابتدعها الفاخوريون المسلمون استوحى الصينيون بعد ذلك بعدة عصور السيراميك الأزرق والأبيض الذي يشتهرون بتحقيقه حتى اليوم·
الزخرفة
يعثر المشاهد في الركن الأخير من المعرض على الحرائر وأقمشة المخمل· منسوجات مفرغة وأخرى موشاة بخيوط من الفضة أو الذهب تمثل أرقى درجات الترف التي عرفتها تلك الأزمـنة، لعل أبدعهـا سجادة شـطرنج من سـمرقند مزينة بزهور الأرابيسك في وسطها بينما تزين حاشيتها أحرف تتكرر في توازن وانسجام دون أن تتضمن أي معنى لفظي·
أخيراً تجدر الإشارة إلى أن افتتاح المعرض تم من قبل صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر ترافقه حرمه الشيخة موزة والرئيس الفرنسي جاك شيراك وعقيلته السيدة برناديت· وتولت كبيرة أمناء متحف الفن الإسلامي في الدوحة، الدكتـورة صبيحة الحمير الإشراف على تنظيم المعرض في باريس بالتعاون مع السـيد فرانسيس ريشار كبير الأمناء المكلف بقسم فنـون الإسلام في متحف اللوفر·
ومن الواضح أن أمينة المعرض التي اعتنت شخصياً باختيار القطع من بين مجموعة المقتنيات الضخمة للمتحف القطري، رغبت في أن يكون المعرض انطلاقة لتعريف الزائر العالمي إلى بعض الكنوز الإسلامية، من الأندلس إلى الهند مروراً بآسيا الوسطى، كنوز تنتمي إلى عوالم متباعدة أحياناً ولكنها تشترك في لغة تشكيل ورموز جمالية واحدة أساسها ثقافة الإسلام العابرة للحدود الجغرافية·

اقرأ أيضا