الاتحاد

عربي ودولي

الملف النووي الإيراني.. حسابات لا تعترف بصناديق الاقتراع

إيراني يمر بدراجته بالقرب من مفاعل بوشهر النووي

إيراني يمر بدراجته بالقرب من مفاعل بوشهر النووي

يشكل البرنامج النووي الإيراني موضوع توافق بالنسبة للمرشحين الثمانية للانتخابات الرئاسية في إيران، وهم جميعاً مقتنعون بحق طهران الشرعي بالطاقة النووية المدنية، رغم أن بعضهم يختلف حول طريقة التفاوض مع القوى الكبرى. وفي الواقع، فإن القوى الدولية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من مقترح «إنهاء اللعبة» لما يسمى بـ «مشروع إيران»، أو حتى إعادة النظر في جدوى «احتواء إيران»، وسط قناعة تامة باتت تشكل الهاجس الذي تبنى عليه كل السياسات التي يصار إلى رسمها على طاولة القوى الكبرى، أو ما يسمى بمجموعة دول (5+1)، ومفادها أن أي رئيس سيأتي إلى سدة الحكم في إيران لن يكون بيده الحل.
وقد صرح بهذه القناعة وزير الخارجية الأميركي جون كيري يوم 31 مايو حينما شكك بأن تؤدي الانتخابات إلى تغيير الحسابات الجوهرية التي تجريها إيران. وقال «إن الملف ليس في أيدي الرئيس الجديد أو الرئيس محمود أحمدي نجاد، بل بين يدي مرشد الجمهورية علي خامنئي فهو من يقرر في نهاية المطاف».
ويرى المراقبون أن خامنئي عازم على تجنب التوترات التي مر بها مع الرؤساء السابقين في الداخل الإيراني، وهو يدرك حجم المأزق الاقتصادي الذي سقط فيه البلد بسبب أزمة الملف النووي. ورغم أن الضغوط الاقتصادية انتزعت من إيران ثمناً باهظاً، لكنها لم تفلح في زحزحتها عن برنامجها النووي. وقد يدفع ذلك خامنئي إلى الإقرار بأن العقوبات قاسية، لكن يبدو عليه شعور بأن إيران كابدت ما هو أسوأ، مما يجعله يصر على النهج الذي تسير فيه المفاوضات النووية، أو النهج الذي يسير عليه البرنامج النووي الإيراني.
وفي ضوء هدف الرئيس الأميركي باراك أوباما بالحيلولة دون حصول الإيرانيين على سلاح نووي، يدرك الأخير بأن هناك شيء عليه أن يقدمه. وكحد أدنى عليه أن يجعل خامنئي يشعر بأنه عندما تقول الولايات المتحدة بأن وقت الدبلوماسية أوشك على النفاد، فإن واشنطن جادة فيما تقول، وأن تبعة ذلك على ما يبدو سوف تكون استخدام القوة.
ويرى خبراء السياسة أن المناورة بين دبلوماسية غربية تعصر إيران عصراً بتكبيل اقتصادها لتجفيف مواردها وصولاً إلى وقف برنامجها النووي، وبين نظام يتخذ من فكرة مقارعة «الاستكبار» هدفاً لتطوير سلاح رادع يعيد لـ «الأمة الإيرانية أمجادها»، وسط فكر متشدد يمد أذرعه في كل اتجاه ليمتص قوته التي يريدها إقليمية منفردة، تلك المناورة تشعل المخاوف في منطقة ملتهبة، وتخشى معها أطراف إقليمية أن تؤول إما إلى ليونة أميركية باتجاه التهدئة، أو نزوع إيراني إلى استخدام أوراق الضغط التي تلوح بها في كل مرة كإغلاق مضيق هرمز وضرب إسرائيل.
لقد باتت لعبة الملف النووي ترقص على وقع طبول حرب ترفع رايتها إسرائيل تارة وإيران أخرى، وسط إصرار أميركي على دبلوماسية تضغط بكل أسنانها على قطع وريد الاقتصاد الإيراني. ونرى من خطاب التهدئة الذي تطلقه واشنطن بانتظار الرئيس الإيراني القادم، أن الولايات المتحدة تضع في حسبانها أملاً ضئيلاً بأن يغير الرئيس القادم أياً كان، من نهج إيران في التعامل مع الملف النووي. وندلل على ذلك بدعوة وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل شهرين من الانتخابات المقررة في 14 يونيو، لأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي الذين يضغطون من أجل فرض عقوبات مشددة على إيران بسبب برنامجها النووي، إلى التحلي بالصبر قائلاً إن «هناك حالة من الغموض في إيران»، مضيفاً «أعتقد أن التوقيت واختيار متى ينبغي علينا أن نفعل شيئاً هو أمر حاسم، نريد أن نتعاون معا بهذا الشأن، والإدارة تراقب الوضع عن كثب وتعمل مع حلفائها».
ويضغط بعض النواب الأميركيين بشدة كي تفرض واشنطن المزيد من عقوبات أشد صرامة لتضييق الخناق على إيران، وقد وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي على مشروع قرار يقول إن سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية يشكل تهديداً دولياً، ويحث على التنفيذ الكامل للعقوبات، ويدعو إدارة أوباما إلى تشديد تطبيق العقوبات. وقد أشارت الإدارة الأميركية عبر أكثر من مسؤول إلى أن «أوباما عازم على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية وإدارته تعمل بشكل وثيق مع إسرائيل». وفي الواقع، فإن مسارات معالجة أزمة الملف النووي الإيراني راوحت بين دفتين اثنتين، كانت المفاوضات التي جمعت حول طاولتها إيران وفرقاء الاستراتيجية الدولية في عشر لقاءات تتناوبهما، فإما انفراج يشد إلى احتمالات تسوية نهائية، أو نكوص يقود إلى التصعيد فيخرج المتفاوضون وكل منهم يلوح بعصاه.
وبات توقع فشل أو نجاح أية مفاوضات بين إيران والقوى الكبرى يستبق كل جولة، فالضغوط الأميركية التي تمارس على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنقل الملف إلى مجلس الأمن، يفضي إلى سيناريو واحد وهو الطريق الذي سلكته واشنطن لحل كل مشاكلها في المنطقة، فرض العقوبات الاقتصادية، وإمكانية الحل العسكري الذي قد تقرره الولايات المتحدة بعد أن تجمع حلفاءها، أو أن تترك الباب مفتوحاً لإسرائيل أن تنفذه، وفي كل عناصره لا يخرج ذلك السيناريو عن سياسة حافة الهاوية.
أما طهران فكانت تعتمد المناورة لكسب الوقت، فهي تشد المفاوضين إلى أطراف الأمل بالحل، ثم تنكص على أعقابها، وفي كل مرة تضيف شروطا للحل تلونها ببنود تغري الغربيين بالقبول، وتدفع حليفتاها روسيا والصين المفاوضات إلى ميزانهما لكي يهرول المفاوضون بين عواصمهم يطبخون الجزرة ويحدون سنان العصا، لكن أي جولة مفاوضات دولية لم تنته باتفاق ثابت.
وعلى الرغم من تلميحات صناع السياسة الإيرانيين إلى الحاجة لاتباع نهج مبتكر في التواصل مع القوى الغربية، فإن توقيت الانتخابات ربما يملي ركوداً لعدة أشهر أخرى في المحادثات النووية، كون إيران تنشغل في الوقت الراهن بصراع داخلي محتدم على السلطة على نحو يجعل احتمال توصلها إلى اتفاق مع القوى العالمية على سبل إنهاء خلافهما النووي أمراً غير مرجح. فالخروج من هذا الصراع الذي يسبق الانتخابات سيكون الأولوية الأولى لنخبتها المنقسمة.
ويقول محللون إن الاستعدادات للانتخابات من المرجح أن تزيد من صعوبة عملية اتخاذ القرار في طهران وتجعل تقديم تنازلات أمراً أصعب في النزاع المستمر منذ عشر سنوات بشان البرنامج النووي الإيراني. بينما يرى بعض المحللين بأن موقف النظام يتذبذب بين الرغبة في مفاوضات حقيقية والرغبة في التعطيل لكسب الوقت. بينما يترسخ في اعتقال السياسيين الغربيين بأنه على الرغم من أن العقوبات مؤلمة، لكنها لا تحدث أثراً كافياً لتغيير وجهة نظر القيادة الإيرانية من القضية النووية، فهي ليست «مؤلمة بدرجة تستحق تحمل ذل الرضوخ للضغوط بعد بناء البرنامج النووي على مدى سنوات والترويج له باعتباره عملاً بطولياً». ومع إجراء الانتخابات الرئاسية في 14 يونيو قد لا تكون جولة المفاوضات القادمة أكثر من مجرد «محادثات» ليظل باب الدبلوماسية مفتوحاً. ومن المنتظر أن تعرض القوى العالمية على طهران خلال المفاوضات تخفيف بعض العقوبات إن هي كبحت الأنشطة التي يمكن استخدامها في إنتاج سلاح نووي، لكن الموقف الإيراني لن يكون مختلفاً عما هو عليه الآن، فالرئيس القادم لن يكون خارج دائرة المرشد أو حلم الأيديولوجية الإيرانية بالحصول على القوة المطلقة أو «قوة الردع»، وقد أرضى المرشحون غرور السلطة الثورية في إيران عندما غردوا على أنغام «حق إيران بالحصول على الطاقة النووية» وإن لم يردفوا القول بوصفها «سلمية»، ما يفتح أبواب التكهنات على مصراعيها. وعليه يجمع المراقبون بأن إيران تعيش اليوم نزاعات وتحديات جديدة تلوح بآفاق سياسية مضطربة، نتيجة لصراع إثبات الوجود، ما صعد السخونة السياسية حول برنامج إيران النووي داخلياً وخارجياً، مع تزايد العقوبات الدولية عليها التي وضعتها أمام تحديات كبرى على أكثر من صعيد خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا

الجيش الوطني الليبي يُنفذ عمليات نوعية ضد الإرهابيين في طرابلس