صحيفة الاتحاد

تقارير

«البريكسيت» والانتخابات الأميركية

مع اقتراب الانتخابات الأميركية من ذروتها، أخذ دونالد ترامب يمنّي نفسه بما يشبه فشل استطلاعات الرأي في توقع نتائج تصويت البريطانيين على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو الماضي، معتبراً ذلك نذير تفاؤل بحدوث أمر مشابه في انتخابات يوم غد الثلاثاء. وبرغم وجود بعض الدروس التي يمكن أن نتعلمها من استفتاء «بريكسيت»، إلا أن الاستنتاجات المتعلقة بالانتخابات الأميركية، كالتي طلع بها ترامب، تفتقر إلى القرائن التي تؤيدها.
وفي مثل هذه المقارنة، يجب التركيز على نوعين من الناخبين. «الناخبين الكارهين»، وهم الذين لا يحبون إزعاج أنفسهم بالمشاركة في الانتخابات، ولكنهم شاركوا أخيراً في استفتاء البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي على رغم أن أصواتهم لم يكن لها تأثيرها على استطلاعات الرأي التي سبقت الاستفتاء. وهناك أيضاً «الناخبون الخجولون»، وهم الذين يتجنبون التعبير عن رغباتهم ولا يفصحون عن مواقفهم الحقيقية للقيّمين على عمليات الاستطلاع، وقد أظهر الخجولون في استفتاء الانسحاب البريطاني تأثيرهم القوي في الاستفتاء النهائي على الرغم من أنهم لم يشاركوا أبداً في استطلاعات الرأي. وعلى نحو مماثل، يمكن أن تكون هناك أيضاً أعداد كبيرة من مؤيدي ترامب «الخجولين» الذين لم يشاركوا في استطلاعات الآراء. فهل نتوقع منهم أن يشاركوا في انتخابات الثلاثاء ليقلبوا الموازين الانتخابية لمصلحة الحزب الجمهوري؟
لاشك أن هناك مقاربات بين الصعود غير المتوقع لترامب والقرار البريطاني بالانسحاب من المنظومة الأوروبية. وقد باتت المخاوف من واقع اقتصادي غير مأمون، وعواقب تفاقم أزمة الهجرة، والتغيرات المتعلقة بالتركيبة الاجتماعية، توحي جميعاً باقتراب حدوث تغير كبير في المشهد السياسي العام. وتتشابه بعض المقومات الديموغرافية أيضاً بين الحالتين، حيث وجد ترامب ومؤيدو «بريكسيت» قوة تأييد كبيرة في أوساط البيض الذين لم يحصلوا على مؤهلات جامعية.
وهناك ما هو أكثر من هذا، فقد كانت الحجة التي يستند إليها أولئك الذين ينكرون وجود علاقة مقارنة بين الحالتين، أن استطلاعات الرأي في المملكة المتحدة حول الانسحاب كانت متقاربة، بخلاف الاستطلاعات الأميركية التي رجحت كفة هيلاري كلينتون.
والآن، لو نظرنا إلى نتائج استفتاء الانسحاب البريطاني من حيث نسب المصوتين في الحملة كلها، فسنجد أنها قريبة من 50/‏50 في المئة. ولكنك لو نظرت إلى نتائج استطلاعات الرأي النهائية لتأكدت أن هناك فرقاً بينها وبين النتائج النهائية. وهنا يكون عدم التطابق بين الأمرين أكثر وضوحاً.
وفي الولايات المتحدة، لو كان هناك من دليل على وجود أنصار ترامب الخجولين على أرض الواقع، فسنتوقع وجود اختلاف بين استطلاعات الإنترنت وتلك التي تتم شخصياً. وفي الوقت الذي توجد فيه عدة أسباب تجعل الأساليب المختلفة لإجراء الاستطلاعات تؤدي إلى نتائج مختلفة، يمكن القول أيضاً إنه لو كان «الناخبون الخجولون» موجودين بالفعل على أرض الواقع، فسيكون الاختلاف في النتائج كبيراً. إلا أن واقع الحال يشير إلى أن هذه الفجوة أضيق مما يظن البعض، وأن استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت أو الهاتف أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن هيلاري كلينتون هي التي تتصدّر الحملة.
والمظهر المهم الآخر لاستفتاء «بريكسيت» يتعلق بموجة الأصوات المتحولة عن مواقفها، والتي شكلت زيادة في الإقبال على الاستفتاء تُقدّر بنحو 6 في المئة بالمقارنة مع انتخابات عام 2015. وبرغم كون البحوث المتعلقة بهذا الموضوع ما زالت قيد الإنجاز، إلا أن العمل الذي تم إنجازه منذ وقت بعيد يفترض أن ملايين الناخبين الذين اعتادوا على عدم المشاركة في الانتخابات قد غيروا آراءهم وصوتوا ضد توجهات الحكومة. ويبدو هذا وكأنه مثال واضح على ما يسمى «الناخبين البيض المفقودين» الذين يأمل ترامب في كسب أصواتهم.
ولابد من الإشارة أيضاً إلى أن حملة «بريكسيت» فازت بتأييد كبير لأن الغالبية العظمى من مؤيديها شاركوا بقوة وتضامن وحماسة انتصاراً للموقف الذي اختاروه. وأما الدعم الذي يحظى به ترامب فهو من دون شك أقل زخماً وفعالية بكثير.
وقد يكون من الغباء المستحكم استبعاد احتمال أن يفجّر الناخبون الأميركيون مفاجأة غير متوقعة يوم غد الثلاثاء، كما أن من الغباء أكثر تصور حدوث ذلك بشكل قاطع. وتبقى ضرورة الإشارة إلى أن على مؤيدي ترامب الذين ينظرون إلى الانسحاب البريطاني باعتباره يمثل نقطة دعم لهم، أن يتجنبوا الخطأ الكامن بإقامة مقاربات ليس لها أساس على أرض الواقع.

*محلل سياسي إنجليزي متخصص بإجراء استطلاعات الرأي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»