الاتحاد

الاقتصادي

ماربيلا ·· منتجع عالمي يتحول إلى مستنقع للفساد


محمد عبد الرحيم:
لطالما ظل منتجع ماربيلا الإسباني المخملي الذي يطل على وجهة مفضلة للعديد من الأثرياء العرب ونجوم السينما والمشاهير من الرياضيين بالإضافة بالطبع إلى حفنة من المحتالين والنصابين الذين يأتون وهم في عجلة من أمرهم لهذه المدينة المزدهرة الصاخبة التي تستلقي على ساحل كوستا ديل سول المطل على البحر المتوسط· إلا أنها فيما يبدو بدأت مؤخراً تكتسب سمعة لا ترغب فيها كعاصمة لفساد البلديات في إسبانيا·
وكما ورد مؤخراً في مجلة الايكونوميست اللندنية فقد أمر قاضي المدينة بإلقاء القبض على العمدة ونائب العمدة بالإضافة إلى تسعة آخرين من كبار المسؤولين كما بدأت الحكومة الاشتراكية في إسبانيا في اتخاذ خطوة غير مسبوقة بحل مجلس المدينة وإرسال بعض الإداريين من خارجها لتسيير دولاب العمل هناك· أما قائمة الممتلكات المصادرة فتضمنت 200 من ثيران المصارعة و103 من الخيول الأصيلة المدربة وأكثر من 275 من التحف واللوحات الفنية بالإضافة إلى كمية من المجوهرات وطائرة عمودية واربع سيارات بورش· إلا أن هذه الفوضى التي اجتاحت ماربيلا كشفت عن تخوف بعض الإسبان من وصول هذه المشكلة إلى مناطق أخرى في الدولة·
إذ ان الازدهار الكبير في مجال التشييد والإنشاءات وبخاصة على امتداد ساحل البحر المتوسط جلب معه كميات هائلة من الأموال التي استمرت تتدفق إلى داخل قاعات وأروقة مجلس المدينة مقابل إصدار تراخيص البناء· وتقدر جوان سانشيز عمدة مدينة كاساريز المجاورة أن بعض البلديات الآن أصبحت تحصل على معدل يصل إلى 70 في المئة من أموال هذه التراخيص· ولكن صرف هذه الأموال بشكل رشيد في تمويل التنمية المحلية في ماربيلا قد خرج عن نطاق السيطرة فيما يبدو حيث أصبحت الرشاوى من تحت الطاولة ممارسة روتينية في الاعمال التجارية لمجلس المدينة كما يشير المحققون· وذكر القضاة أن العمدة ماريسول فاجو كانت بمثابة 'لعبة' في ايدي المطورين بينما ظل نائبها يفرض الرسوم على كل شيء وكشف تقرير أوردته إحدى الصحف الاسبانية اليومية أنه حتى قوات الشرطة المحلية كانت متورطة في هذه الممارسات الفاسدة·
بيد أن الأمر لم يعد يتعلق بسمعة ماربيلا وحدها بل إن العديد من تراخيص المباني الجديدة في المدينة أصبحت الآن مثار شكوك بالنسبة للسلطات العليا حيث باتت 37 في المئة من الشقق والمنازل في المدينة التي يبلغ اجماليها 80 ألف مسكن في مهب رياح القانون· واضحى ملاك العقارات بمن فيهم أعداد كبيرة من الأوروبيين الباحثين عن أشعة الشمس تتملكهم المخاوف من إمكانية تدمير منازلهم بالبلدوزرات·
والآن فإن منتجع كوستا ديل سول الذي يحظى بشعبية جارفة من قبل شركات السياحة البريطانية ومشتري منازل العطلات سوف يعهد بإدارته الى فريق من مدينة ملقا المجاورة الى حين موعد انتخابات البلدية المقبلة في مايو من عام 2007 وكانت مدريد قد لجأت إلى هذه الخطوة بعد أن تم إلقاء القبض على ماريسول فاجو عمدة ماربيلا ونائب العمدة بالاضافة إلى مجموعة من المستشارين والمطورين وموثقي العقود والمحامين ورجال الأعمال ورئيس الشرطة المحلية الذين يعتقد بأنهم متورطون في إدارة شبكة للفساد يقف على رأسها خوان انطونيو روكا رئيس ادارة التخطيط العمراني في البلاد· ويواجه روكا البالغ من العمر 53 عاماً تهماً بالفساد وتبييض الأموال وهو يقبع في السجن الآن ضمن 11 شخصاً مشتبه فيهم في انتظار المحاكمة· وهو متهم أيضاً برئاسة عصابة استطاعت الاستحواذ على مبلغ 2,4 مليار يورو نقداً بالإضافة إلى مجموعة من السلع الثمينة والعقارات كرشاوٍ مقابل السماح ببناء آلاف العقارات غير القانونية ومنح عقود البلدية· ويقال أيضاً إنه درج بشكل منتظم على رفض بعض طلبات المطورين قبل أن يعمد إلى شراء الأراضي لنفسه ولوي عنق القوانين ثم بناء التطويرات والعقارات الخاصة به· وفي خلال فترة الخمسة عشر عاما التي ظل يتبوأ فيها رئاسة دائرة التخطيط صادق روكا على بناء 600 عقار مقابل 10 في المئة على الأقل من قيمة جميع الفلل والشقق أو الأراضي التي وافق عليها· أما رافائيل ديل بوزو رئيس قوات الشرطة المحلية فقد أخطر بالمثول أمام المحكمة في هذا الأسبوع بينما وجهت التهم إلى ماريسول فاجو عمدة المدينة بتسلمها رشاوٍ من بينها أربع سيارات فاخرة من احد رجال الاعمال مقابل السماح له بتشغيل خدمة قطر السيارات في مواقف السيارات·
ولكن هل أصبحت ماربيلا هي المدينة الوحيدة الضالعة في الفساد كما يؤكد عمد المدن الأخرى في إسبانيا؟
لعل الإسبان لديهم أسباب مقنعة للشعور بهذه المخاوف لأن عمدة مدينة مانيلفا الساحلية القريبة من ماربيلا ما زال بانتظار محاكمته في تهم تتعلق بتورطه في شبكة لغسيل أموال تبلغ قيمتها 250 مليون يورو '300 مليون دولار' بينما تمت إدانة عمدة مدينة استبونيا السابق في تهم مماثلة· إلا أن أكثر ما يثير الازعاج حقيقة بشأن هذه الفضيحة الجديدة ألا أحد من المواطنين قد أعرب عن دهشته مما جرى·
فقد ظلت الشائعات تتواتر عن تفشي الفساد بشكل عشوائي طوال فترة الخمسة عشر عاماً الماضية على الأقل عندما أصبح احد كبار اقطاب صناعة التشييد والبناء جيسوس جيل عمدة لمدينة ماربيلا قبل أن يعاد انتخابه لفترتين لاحقاً وتوفي جيل في عام 2004 إلا أن مستشاره السابق للتخطيط خوان انطونيو روكا الذي خلفه في المنصب أصبح الآن محور هذه الفضيحة الجديدة· وشأنه شأن جميع أولئك الذين تم إلقاء القبض عليهم فإن روكا ما زال يصر على براءته نافياً ضلوعه في أي ممارسات غير قانونية·

اقرأ أيضا

الرسوم الجمركية الأميركية على بضائع أوروبية تدخل حيز التنفيذ