الاتحاد

تقارير

الانتخابات الإيرانية… صعود نجم «قاليباف»

جيسون ريزيان
طهران


خلال المناظرة الأولى التي جرت على هامش الانتخابات الرئاسية الإيرانية يوم الجمعة الماضي كان المرشح محمود باقر قاليباف، وعمدة طهران السابق، الأكثر هدوءاً واستعداداً للإجابة على الأسئلة.
وفيما بدا باقي المرشحين السبعة منزعجين من المناظرة التي اعتبرها بعضهم «إهانة» لهم، كان قاليباف مرتاحاً وهو يلتفت من حين لآخر إلى جهازه اللوحي متحدثاً إلى الكاميرات بثقة واضحة، مشيراً إلى برنامجه الانتخابي بالقول «أول ما ستقوم به الحكومة هو إعادة الاستقرار للعملة، والأمر الثاني تغيير الطريقة التي يتم بها توزيع الخدمات والسلع»، محيلاً إلى المشاكل الاقتصادية العاجلة التي يعاني منها الإيرانيون، ومضيفاً «اليوم نحن في حاجة إلى ثقة الناس، وأعدكم بأن حكومتي ستحقق ذلك في غضون ستة أشهر».
وإذا كان لاستطلاعات الرأي أي مصداقية، وهو أمر نادر في إيران، فمن حق «قاليباف» أن ينضح ثقة، فقبل أقل من أسبوعين على تصويت الإيرانيين تشير استطلاعات الرأي التي أجراها عدد من المواقع الإلكترونية الإيرانية إلى تبوأ المرشح «قاليباف» موقع الصدارة في السباق، الذي يقتصر على ثمانية مرشحين ينتمون للجناح المحافظ ويتنافسون فيما بينهم لشغل مكان محمود أحمدي نجاد، كما أنه خلال الأسبوع الجاري وقع 150 عضواً في البرلمان الإيراني من أصل 290 عضواً رسالة تدعم رسمياً المرشح «قاليباف»، لكن الرجل لا يحظى بتأييد جميع تيارات الجناح المحافظ في إيران إذ يظل محط تشكك من قبل بعض المحافظين ورجال الدين الذين يعتبرون أنه أكثر اهتماماً بالأمور البراجماتية منها بالمثل والمبادئ الثورية، حتى وإن كانت الإشارات التي بدرت منه لا تدل على أنه سيدخل تغييرات جوهرية في سياسة البلاد الخارجية، أو برنامجها النووي.
وفي هذا السياق أوضح «قاليباف» يوم السبت الماضي في برنامج تلفزيوني موجه للإيرانيين في الخارج أنه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية «لا يستطيع الرئيس لوحده رسم ملامحها، لأنها نتيجة عدد من المتدخلين في النظام. فالمرشد الأعلى وباقي الجهات لديها تأثير في هذا الموضوع، لذا لا تتغير السياسة الخارجية كثيراً مع تغيير الرئيس». لكن «قاليباف» البالغ من العمر 51 عاماً وباعتباره المرشح الوحيد الذي يتوافر على تجربة إدارية ومسار قابل للمساءلة أمام الرأي العام، لديه دفوعات قوية بأنه الشخص الأنسب لتولي مسؤولية رئيس السلطة التنفيذية في الجمهورية الإسلامية.
ولعل ما يخدم ترشيحه مساره العسكري المتين وسجله الحافل بالإنجازات كعمدة لعاصمة إيران الممتدة والمليئة بالمشاكل بسكانها الذين يتجاوز عددهم 12 مليون نسمة، ففي الوقت الذي لم يكن «قاليباف» قد تخطى 19 سنة كان قائداً ميدانياً في الحرب العراقية الإيرانية، ثم ترقى إلى أن أصبح لواء في الجيش وقائداً لسلاح الجو التابع في إيران للحرس الثوري.
وفي عام 1999 تولى «قاليباف» منصب القائد العام للشرطة، وهي المسؤولية، التي ظل يمارسها حتى توليه في عام 2005 عمدة طهران خلفاً لمحمود أحمدي نجاد، وعلى مدار السنوات الماضية ميز «قاليباف» نفسه عن باقي السياسيين الذين غرقوا في الصراع والتنافس بالانصراف إلى تحقيق إنجازات ومعالجة المشاكل المتعددة التي تعرفها مدينة مهترئة مثل طهران.
فقد استطاعت المدينة تحت قيادته التخلص من مشكلة الاختناق المروري الذي كان يشل شوارعها، كما غير المنظر العام لطهران من مدينة غارقة في التلوث والهواء الفاسد إلى حاضرة خضراء بفضل حملة التشجير التي قام بها، هذا بالإضافة إلى مد الجسور وتوسيع الطرق التي أشرف عليها، وهو ما عبر عنه «ناصر نيازي»، الموظف المتقاعد الذي أكد أنه سيصوت لـ«قاليباف»، قائلاً «أينما ذهبت في طهران تطالعك المتنزهات النظيفة والجميلة، والمرافق الرياضية، فضلا عن المراكز الثقافية ودور السينما، هذه الأمور تحد قليلا من صعوبة العيش في مدينة كبيرة مثل طهران».
ومع أن «قاليباف» دخل السباق الانتخابي كأحد أعضاء التحالف المحافظ الذي يضم ثلاثة مرشحين على أن ينسحب أحد المرشحين لصالح الثالث الأوفر حظاً بالفوز، إلا أن التحالف على ما يبدو لم يصمد مع استمرار المرشحين الثلاثة في السباق.
والمشكلة أن الشعبية التي يحظى بها «قاليباف» في أوساط الطبقة الوسطى واستقلاله السياسي قد يصبان في غير صالحه، لا سيما وأنه في حاجة إلى دعم أفراد آخرين من داخل المؤسسة المحافظة في إيران التي يعتبره بعض عناصرها أنه مستعد للتخلي عن المبادئ الثورية من أجل تحديث إيران، وهو ما أكدته فريدة فارحي، المحللة المتخصصة في الشؤون الإيرانية بكلية العلوم السياسية بجامعة هاواي، قائلة «إنهم لا يثقون فيما يسمونه بمزاياه التكنوقراطية»، بيد أن الرجل ليس مجرد تكنوقراطي، بل هو مستعد للقيام بأي شيء لفرض القانون، الأمر الذي جر عليه انتقادات المعارضة التي رأت في أساليبه عندما كان قائداً للشرطة نوعاً من القسوة والتجاوز، ففي تسجيل ظهر الشهر الماضي يُسمع صوت «قاليباف» وهو يعطي أوامره لتنظيم الباسيج بضرب المتظاهرين، متفاخراً بدوره في قمع المظاهرات في عام 1999 و عام 2003، ودوره أيضاً في إخماد الاحتجاجات الواسعة التي عمت إيران في عام 2009 بعد الانتخابات الرئاسية، لكن تبقى نقطة الضعف الأهم في سجل «قاليبافً افتقاده للتجربة في مجال السياسة الخارجية، لا سيما وأن منافسيه من ذوي الوزن الثقيل في الشؤون الخارجية مثل وزير الخارجية السابق، على أكبر ولايتي وكبير المفاوضين السابق في الملف النووي، حسن روحاني، بالإضافة إلى المفاوض الحالي، سعيد جليلي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا