الاتحاد

الاقتصادي

التكامل النقدي الخليجي ضرورة اقتصادية

أمل المهيري:
كانت دول الخليج العربية تاريخياً تمثل منطقة اقتصادية ونقدية موحدة في مرحلة الحماية البريطانية، ولم يحدث الانفصال النقدي والاقتصادي بينها إلا بعد أن نالت استقلالها السياسي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين· وكان التكامل الاقتصادي من بين الأهداف التي سعت تلك الدول إلى تحقيقها عبر إقامة منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981؛ فأنشأت فيما بينها منطقة تجارة حرة واتحاداً جمركياً، لكنها لم تنجز - لغاية الآن - خطوة الوحدة النقدية وإصدار العملة الخليجية الموحدة·
وأوضح هيل عجمي جميل، في مراجعته لكتاب:' إمكانات التكامل النقدي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية'، الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أن الاتجاه نحو إقامة تكامل نقدي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يتوافق مع الاتجاهات الدولية الراهنة نحو إقامة مناطق نقدية موحدة·
كلي وجزئي
ويمكن التمييز بين نوعين من التكامل النقدي، هما: التكامل النقدي الكلي أو الكامل، والتكامل النقدي الجزئي أو المحدود· ويعني التكامل النقدي الكامل خلق عملة مشتركة واحدة تحل محل العملات الوطنية المتعددة في أداء وظائف النقود المعروفة، مع إقامة سلطة نقدية مشتركة يعهَد إليها - بالإضافة إلى وظيفة إصدار العملة على صعيد الاتحاد النقدي - إدارة الاحتياطيات الأجنبية المشتركة، وإتباع سياسة صرف مشتركة تجاه العالم الخارجي· ويستلزم هذا النوع من التكامل، بالإضافة إلى ذلك، تحقيق النمو المتوازن بين أعضائه من خلال إدخال نظام التحويلات المالية من دول الفائض إلى دول العجز، من دون محاولة التأثير في إنتاجية الدول الأولى؛ والاتفاق على سياسة اقتصادية ومالية موحدة فيما يخص سياسة الاستخدام والدخول والسياسة الإنفاقية والضريبية والسياسة التجارية، وذلك بهدف تحقيق المساواة في معدلات نمو الإنتاجية في الدول الأعضاء· أما التكامل النقدي الجزئي فيقوم على التدرج عبر مراحل انتقالية عديدة للوصول إلى التكامل النقدي الكامل· ويتم عادة اللجوء إلى الأسلوب التدريجي عند وجود تباين عميق بين الدول المعنية في الظروف والمشكلات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها كل منها، وفي مدى تطور الأسواق النقدية والمالية ونظم الصرف فيها، وفي مصادر الإيرادات وتمويل النفقات لديها· وهذا الأسلوب هو الذي اتبعته دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية لبلوغ الوحدة النقدية· ومن أهم مراحل التكامل النقدي الجزئي: إقامة اتحاد المدفوعات، وإنشاء مجمع الاحتياطي الأجنبي، وتنسيق أسعار الصرف بين العملات الوطنية، والتنسيق النقدي، وتكامل السوق الرأسمالية، وإصدار العملة الموازية، واتباع سياسة مشتركة إزاء التدفقات الرأسمالية الخارجية·
وأوضح عجمي أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تمثل مجموعة متجانسة في نظمها السياسية والاقتصادية والنقدية وأوضاعها الاجتماعية؛ وهذا ما يجعل هذه المجموعة من الدول أقدر على تحقيق الوحدة النقدية فيما بينها من أية مجموعة عربية أخرى في العالم العربي كله·
كما تتسم اقتصاديات دول المجلس بأنها منفتحة على العالم الخارجي على نطاق واسع، فتجارتها الخارجية تشكل نسبة كبيرة في نواتجها المحلية الإجمالية؛ إذ تعتمد هذه الدول على التجارة الخارجية لسد احتياجاتها المختلفة من السلع والخدمات، ولتسويق صادراتها النفطية للحصول على الإيرادات اللازمة لتمويل نفقاتها· وفي المقابل، فإن العلاقات التجارية بين دول المجلس نفسها تتصف بالضعف؛ إذ لم تتجاوز الواردات فيما بينها 7,5% من وارداتها الكلية في عام ،2001 بينما احتلت الصادرات فيما بينها 9,9% من صادراتها الكلية في العام نفسه· وتعود محدودية التجارة ما بين دول المجلس إلى تشابه هياكلها الاقتصادية وضيق قاعدتها الإنتاجية واعتمادها على مصدر وحيد للدخل، الأمر الذي يجعلها متنافسة بدلاً من أن تكون متكاملة· أما معظم التجارة الخارجية لدول المجلس - تصديراً واستيراداً - فتتجه نحو الدول الصناعية، ففي الوقت الذي وصلت نسبة صادراتها إلى هذه الدول في عام 2001 إلى 39% من صادراتها الكلية، بلغت وارداتها منها 58% من مجموع وارداتها الكلية· ويترتب على هذا كله أن يتأثر مستوى نشاط دول المجلس واستقرارها الاقتصادي بالأوضاع السائدة في الدول الصناعية، فتتقلب إيراداتها وأوضاعها النقدية والمالية وحركة الأسعار فيها تبعاً لتقلب الأوضاع الاقتصادية الخارجية· كما تتأثر دول المجلس معاً بالتضخم السائد في الدول الصناعية التي تشكل المصدر الرئيسي لوارداتها، مما يجعل معدلات التضخم في هذه الدول متقاربة نسبياً·
ويبدو في ظل هذه الخاصية أن دول المجلس تتعرض لضغوط اقتصادية خارجية متشابهة، وتنتج سلعة تجارية ذات مواصفات موحدة، هي النفط، وتستورد سلعاً متشابهة ومن المنافذ نفسها التي يتم تصدير النفط إليها، وهذا مما يسهل عملية توحيد هذه المنطقة تجاه العالم الخارجي، وقد يشكل عامل دفع باتجاه تكاملها اقتصادياً ونقدياً·
سياسات مالية ونقدية
ترتبط السياسات المالية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالإيرادات النفطية بصورة وثيقة، ففي مرحلة تزايد الإيرادات النفطية وتجاوزها حجم الإنفاق خلال الفترة 1973-1983 لجأت هذه الدول إلى زيادة الإنفاق وحققت الميزانيات الحكومية فوائض مالية وزيادة في الاحتياطيات الأجنبية، بينما لجأت الحكومات في مرحلة الانحسار في الإيرادات النفطية إلى تقليص حجم الإنفاق·
ومع تشابه مصادر الإيرادات والنفقات في دول المجلس لا يطلب منها إتباع سياسات مختلفة ومتباينة للتأثير في المالية العامة لديها، كما أن هذه الدول لا تعاني عجوزات مالية ضخمة وخطيرة، وهي قادرة على تخفيض هذه العجوزات وتحويلها إلى فوائض كلما تحسنت أسعار النفط في السوق العالمية، وهو أمر يسهّل جهود التكامل النقدي في دول مجلس التعاون ويجعلها أكثر تقارباً فيما بينها·
أما السياسات النقدية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فتتسم عموماً بضعف أدواتها النقدية الكمية، وتستند هذه السياسات أساساً إلى هيكل نقدي ومالي غير مكتمل يتصف بضيق الأسواق النقدية والمالية وعدم تطورها· وقد استخدمت البنوك المركزية في دول مجلس التعاون أدوات نقدية كمية ونوعية مختلفة لتنظيم السيولة المحلية، وللتأثير في حركة رؤوس الأموال الوطنية خاصة في حركتها نحو الخارج· ومن أهم الأدوات الكمية المستخدمة من قبل تلك البنوك الاحتياطي القانوني وتغيير أسعار الفائدة· وفي سبيل إعطاء دور أكبر لعوامل السوق عمدت السلطات النقدية في دول المجلس في عام 2001 إلى الاعتماد على الأدوات غير المباشرة، وشملت هذه الأدوات التي تم استخدامها سعر إعادة الخصم واتفاقيات إعادة الشراء للأوراق المالية ومبادلة العملات الأجنبية وعمليات السوق المفتوحة التي تمثل أذونات الخزينة والسندات الحكومية وشهادات الإيداع الصادرة عن البنوك المركزية·
أما أدوات السياسة النقدية النوعية فتتمثل في إصدار البنوك المركزية للأوامر والتعليمات المباشرة إلى المصارف التجارية، من أجل اتباع سياسة ائتمانية معينة، بحيث يتم التحكم بالتسهيلات الائتمانية الممنوحة للأنشطة الاقتصادية المختلفة· وقد أثبتت هذه الأدوات خلال السبعينيات والثمانينيات أنها أكثر قدرة من أدوات السياسة النقدية الكمية وغير المباشرة في تنظيم السيولة المحلية، غير أنها لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور بكفاءة إذا لم يجر تنسيق بينها وبين السياسة المالية التي تقوم بدور حاسم في التأثير في حجم الاحتياطيات المصرفية والائتمان المصرفي، وبالتالي في حجم السيولة المحلية في اقتصادات دول المجلس·
لكن التطورات الحالية أكسبت السياسة النقدية في هذه الدول المزيد من الاستقلالية، وذلك في ضوء تراجع العجوزات المالية، ومن أبرز سماتها في التسعينيات - وبالتحديد منذ عام 1997- التوجه نحو اعتماد السلطات النقدية بشكل أكبر على الإدارة غير المباشرة للسياسة النقدية لتحل محل القيود المباشرة في تحقيق أهداف السياسة النقدية المتمثلة في استقرار أسعار الصرف ومستويات الأسعار المحلية، وبناء احتياطيات ملائمة، وتنظيم مستوى السيولة المحلية، بحيث يتواءم ومعدلات ملائمة من النمو الاقتصادي بهدف إعطاء دور أكبر لعوامل السوق، وزيادة كفاءة وسرعة انتقال تأثيرات السياسة النقدية·
ولتنفيذ الأسلوب الجديد للسياسة النقدية عمدت السلطات النقدية إلى تطوير عمليات السوق المفتوحة التي تمثل أدوات الدين الحكومية من أذونات وسندات الخزينة المركزية، ولتفعيل معايير الرقابة والإشراف على المصارف التجارية عمدت تلك السلطات إلى رفع نسبة كفاية رأس المال المرجحة بالمخاطر بمعدل يتجاوز النسبة المحددة بموجب اتفاقية بازل البالغة 8%· كما عززت السلطات النقدية مفهوم الرقابة الشاملة على تعاملات المصرف الواحد وجميع فروعه، بالإضافة إلى إصدارها تعليمات حول كيفية تصنيف الديون وتحديد المخصصات المطلوبة لها لدى المصارف التجارية·
وفيما يتعلق بسياسة الصرف الأجنبي في دول مجلس التعاون، يلاحظ أنها تستهدف تحقيق أعلى درجة من الاستقرار في أسعار الصرف بين عملاتها وعملات شركائها التجاريين الرئيسيين، وذلك للتخفيف من أثر تقلبات هذه الأسعار على التكاليف والأسعار المحلية، واستبعاد الآثار الضارة المصاحبة لتعويم العملات الأجنبية الرئيسية، والوقاية من التضخم ومن التأثيرات الضارة لأسعار الفائدة الدولية في حركة رؤوس الأموال المحلية·
وقال الباحث: مادامت السياسة النقدية في دول المجلس ضعيفة، فإن التكاليف المترتبة على تثبيت أسعار الصرف بين عملاتها الوطنية لا تبدو لها أهمية تذكر ، وهو أمر يسير باتجاه تسهيل عملية التكامل النقدي فيما بينها· لذا كان تثبيت أسعار الصرف بين عملات دول المجلس أولى خطوات البرنامج الذي أقره المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في قمة مسقط التي عقدت في ديسمبر ،2001 لإقامة الاتحاد النقدي وإطلاق العملة الخليجية الموحدة في عام ·2010

اقرأ أيضا

الرسوم الجمركية الأميركية على بضائع أوروبية تدخل حيز التنفيذ