الاتحاد

عربي ودولي

الطوارق في الصحراء الكبرى الأسطورة والواقع

عرض ـ رسول محمَّد رسول:
أذكرُ مرة، أني قرأت تقريرا كان صادرا عن منظمة اليونسكو الدولية بشأن الطوارق جاء فيه: (أن هذا الشعب صاحب أروع فنون بدائية مكتشفة حتى اليوم، وصاحب أكبر متحف مفتوح في الهواء)·
والملاحظ على هذا النص هو كلمة (شعب)، ولم ترد في النص الآنف الذكر كلمة قبيلة أو فرقة أو ملة فحسب، كما ورد في النص عبارة: صاحب أروع فنون بدائية، ما يعني أن لهذا الشعب حضارة وثقافة قديمة، لكن هذا الشعب ما زال دون مرحلة التدويل، فهو شعب هائم في الصحراء، ويعاني من ويلات الترحال والقمع والقتل الجماعي أحيانا؟
تحت عنوان (الرجال الزُّرق: الطوارق/الأسطورة والواقع) بحث عمر الأنصاري الجذور التاريخية لهذا الشعب، وتطرق إلى حياتهم المليئة بالغموض، كما أنه سلط الأضواء على عاداتهم وتقاليدهم·
الجلد الثاني
بداية، تحدث المؤلف عن الأساطير التي ترتبط بالطوارق بالانطلاق من مقولة أن شعبا بلا أساطير هو شعب بلا تاريخ· وقد حفل تاريخ الطوارق بالأساطير، ومن ذلك ما ذكره المؤلف عن أسطورة الصحراء التي تحكمها (ملكة الجن)، والتي كان سكانها هم جنودها ولكنهم ظلوا تحت سطوتها حتى أخذوا يسترون وجوههم خشية أن تتسرب الأرواح الشريرة لجنود الملكة إلى أجسادهم، فكان عقاب الملكة بأن حرمت أبناءهم من الملك والسلطة في مملكتهم، وجعلت الحكم في يد النساء، وعيَّنت الملكة (تين هينان)، وأمرتها بأن تحكم في أقصى الجنوب، وتحديدا في (أرض الهجار)، وحكمت هناك، ومرة أخرى لبس الرجال النقاب، فأمرت النساء بأن تستخدم قلادة تضم خمس حبات من العاج تكون كفيلة بدروعها لردع الشياطين، ولهذا قال المؤلف كانت مجتمعات تلك المرحلة تتبرك في قوافلها المتنقلة بالأولياء الذين يطردون الشياطين·
والمهم أن النقاب يمثل في حياة الطوارق جلدهم الثاني الذي لا يُعرف الأول إلا به، فالقتيل منهم إذا مات في الحرب منزوع النقاب، لا تُعرف هويته الشخصية إلاّ إذا ردَّ إليه نقابه!
في أي حال، كانت حياة هؤلاء المليئة بالأسرار والحكمة محط اهتمام عدد من المستشرقين الذين أطلقوا تسميات عدة على سكان تلك الرمال، ومنها: (أمراء الصحراء)، و(الرجال الزرق)، و(أُسود الصحراء) وغير ذلك، وفي رأي المؤلف أن هؤلاء المستشرقين غضوا النظر عن مفهوم الحرية لدى مجتمع الطوارق الذي جعلهم يبقون في الصحراء بعيدا عن الانخراط في أي نظام يكونون تابعين له·
الطوارق والمستعمرون
واجه الطوارق سيلا جارفا من المحاولات الاستشراقية الاستعمارية ابتداء من عام ،1826مثل المحاولات البريطانية والفرنسية والألمانية التي سعت إلى الهيمنة على الطوارق، ولعل أهمها كانت الفرنسية التي افتتحت عهدا استعماريا تحت مغريات الجنسية والمواطنة الفرنسية، وسعي فرنسا لتنصير الطوارق ابتداء من مطلع القرن العشرين، وعندما فشلت تلك الحملة صنف الفرنسيون الطوارق بأنهم شعب خطير، وبدأت مرحلة فرنسية استعمارية جديدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدا ابتداء من عام 1957 حيث أحكم المخطط الفرنسي قبضته على مناطق الطوارق المنتشرة بين أكثر من دولة أفريقية وشتتتهم وصا الطوارق ضحية الاستعمار الفرنسي·
وبعد أن رحل الاستعمار الفرنسي شكليا ترك أذنابه في أفريقا، وهؤلاء بدورهم مارسوا أبشع صور القمع والاضطهاد على الرجال الزرق الأمر الذي أدى إلى أن تمر مناطق الطوارق بأسوأ صراع عرقي· وصار للطوارق أجيال من الوطنيين الذين ظلوا يدافعون عن صحرائهم وكرامتهم وهويتهم· وابتداء من عام 1958 حيث صعدت نبرة الاستقلال في مناطق الطوارق والتي قوبلت باحتجاجات قوية من سكان منطقة أزواد ترفض مشروع تقسيم الصحراء· وفي ضوء ذلك استعرض المؤلف ثورة الطوارق في عام 1991 ليعود إلى تاريخ التحولات السياسية، ومنها عهد موديبوكيتا 1963 / ،1969 ومأساة كيدال، وعهد تراور 1969 / ،1991 واتفاقية تامنغست الأولى كانون الأول ،1991 وبعد عام حكومة توري الانتقالية، والاتفاقية الثانية في الجزائر ·1992
مواقف أفريقية
عرض المؤلف أيضا لمأساة الطوارق في النيجر، وذلك في ضوء رحلته الميدانية إلى هناك، وتعرفه عن كثب على ما فعله الجيش النيجيري بالطوارق الذين فروا إلى مالي هربا بينما تعرض غيرهم من الثوار إلى الاعتقال والمطاردة في الصحراء والجبال، والذين فروا إلى مالي تعرضوا إلى القتل والمطاردة والتطهير العنصري· وأورد المؤلف مواقف دول الجوار الأفريقية تجاه الطوارق في ظل القمع النيجيري والمالي، فليبيا أولت الطوارق عناية كبيرة وصلت حد استقبالهم على أراضيها، وموريتانيا كانت قد رحبت بهم لكنها تعرضت إلى ضغوط مالي لذلك بقي الثوار الطوارق على الحدود بين البلدين، والجزائر بذلت الجهد جهيدا من أجل احتواء الفتنة بالمنطقة في ظل وجود الثوار الطوارق على أراضيها·
وتحت عنوان (نزف الرمال) وصفَ المؤلف وقائع ما كان يعيشه الطوارق وسط هذه الدول التي يتنقلون فيما بينها بين الإبادة واللجوء إلى الكنائس، والحصار داخل الصحراء والاغتصابات وقطع الأعناق والملاحقة الجماعية والهروب الأسطوري وغير ذلك من فنون العذاب، وقد عزز المؤلف سرده لتلك المأساة بمجموعة من الشهادات الميدانية الفاضحة والوقائع المسرودة التي يندى لها جبين الإنسان الحر، كما أنه تحدث عن المجازر الكبرى التي ارتكبت بحق الطوارقيين مثل مجزرة تمبكتو الأولى في مالي عام 1991 وغيرها مما واجهه الطوارق من كوارث من هذا النوع·
في الخاتمة، حذر المؤلف بحكم معايشته لمأساة الطوارق، حذر المعنيين باستتباب السلام في العالم، بأن يعيدوا النظر في تعاملهم مع الطوارق، وأن يعرفوا أن حملانهم الوديعة لن يتنبأ أحد بردة فعلها إذا ما استمر تهميشها، وأن على العالم أن يسعى ويسرع الخطى لإعادة الاعتبار للطوارق وإيجاد سبل العيش الكريم لهم·

اقرأ أيضا

المحافظون القوميون يحتفظون بالأغلبية البرلمانية في بولندا