الاتحاد

دنيا

دعوات لتجربة صيام صديقة للبيئة وحياة أكثر إخضراراً

هناك علاقة بين البيئة ورمضان والدستور، لأن الإنسان مطلوب منه الحفاظ على النظم الإيكولوجية، وضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، ويجب ألا يكون هناك إسراف في الاستهلاك، سواء في الطعام أو الملابس وغيرهما، لأن الإنسان موصى من قبل الحق سبحانه وتعالى بعدم الإسراف وعدم الإفساد في الأرض، ويمثل شهر رمضان فرصة للنظر في جعل تجربة الصيام صديقة للبيئة من خلال اعتماد أسلوب حياة أكثر اخضراراً، وإعمار الأرض بطريقة مستدامة.


موزة خميس (دبي)

الصيام ليس بالتوقف عن تناول الطعام والشراب، والامتناع عن القيام بأفعال سيئة خلال فترة محددة في اليوم، وإنما يعني الاهتمام بالقيم والمعاني الحقيقية للصيام، بحيث يكون خطوات جادة وعملية للتصدي للتحديات، والمشكلات التي تواجه عالمنا مثل الفقر والجوع والمشكلات البيئية، فالاهتمام بالبيئة ومواردها جزء لا يتجزأ من الممارسات الدينية لهذا الشهر الفضيل، والبيئة بحاجة لأن تكون لها تشريعات في الدستور بشكل أكبر وأعمق وأكثر تصدٍ لما يلحق بها من ضرر.
البيئة والصيام والدستور
يقول الدكتور محمد عبدالرؤوف، المنسق العالمي للمجتمع المدني لمجموعة البحث العلمي التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، عن ربط البيئة والصيام والدستور، قائلاً:
«نحن البشر بحاجة لخفض السعرات وخفض الانبعاثات الكربونية، وعندما نتبنى فكرة الزهد في الدنيا، فإننا سوف نعيش بشكل مستدام، لأن بعدم إسرافنا سوف نحمي البيئة والأصول الطبيعية، وعندما نعمل جاهدين على خفض السعرات الحرارية، فإننا نحقق خفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما يمثل فرصة ممتازة لإظهار المسؤولية تجاه المحافظة على البيئة في شهر رمضان المبارك، وممارسة نمط الحياة الخضراء خلال الشهر الكريم، أمر بالغ الأهمية لصحة وقبول الصوم إن شاء الله، مع الاهتمام بنوعية الحياة التي تعتمد على بيئة صحية سليمة غير ملوثة أو مستنزفة للموارد، وينبغي على السلطات الدينية والأئمة اغتنام الفرصة من خلال التجمعات في شهر رمضان أثناء صلاة التراويح وفى خطب الجمعة، لتثقيف المسلمين بأهمية اعتماد أسلوب حياة خضراء، ويمكن تطبيق خيارات وقرارات تتعلق بالاستدامة في حياتنا اليومية في رمضان، وعلى سبيل المثال زيادة الوعي حول القضايا البيئية بين الزملاء والأجيال الجديدة، وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير، وشراء المنتجات العضوية الصحية، إلى جانب تجنب الإسراف في الاستهلاك، واستخدام خيارات النقل الصديقة للبيئة مثل النقل الجماعي والمترو على سبيل المثال، إلى جانب استخدام الأجهزة الصديقة للبيئة، وكل تلك الخيارات تساعد على حماية البيئة من خلال الحد من الملوثات والانبعاثات والضوضاء والاختناقات المرورية، كما أنها من ناحية أخرى سوف تساعد على توفير الكثير من النفقات الشخصية والمنزلية مثل فواتير الكهرباء والعلاج والنقل».
تغيرات المناخ
ويرى عبدالرؤوف، أن الإنسانية تعيش حالياً في عصر أزمة تغير المناخ والطاقة، وهناك مخاوف متزايدة بشأن أمن الطاقة، حيث تسعى جميع البلدان لخفض غازات الاحتباس الحراري والبحث عن مصادر طاقة نظيفة، ومن المهم جداً توسيع مفهوم الصوم لتغطية استهلاك الطاقة أيضاً، فالصيام عن الطاقة مشابه جداً للصوم عن الطعام والشراب، وكل ما على الفرد القيام به هو أن يكون أقل اعتماداً على مصادر الطاقة من الوقود الأحفوري، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وينبغي الاهتمام الخاص بموارد المياه، حيث إننا نعيش في منطقة تعاني نقص وشح المياه، خاصة أننا موصون بعدم إهدار الماء حتى أثناء الوضوء، وإنْ كنا جالسين على نهر جار، لأن جميع الموارد الطبيعية على الأرض، مثل جسم الإنسان بحاجة إلى بعض الراحة بالحفاظ عليها، ولهذا يعد الصوم فرصة ذهبية لتمكين الموارد الطبيعية والبيئة من أن تستعيد وتجدد نفسها.
نمط حياة أكثر اخضراراً، حسبما يقول عبدالرؤوف، سوف يساعد على تحسين جودة الحياة للإنسان ويحقق الاستدامة، وفي الوقت ذاته أن تكون هناك تشريعات تحفظ البيئة للحفاظ على صحة الإنسان، ولأجل ذلك يجب أن تكون هي السلطة الموازية في الدستور، فإن أي دستور لأي دولة حديثة يتضمن مبادئ مثل الحرية والعدالة والديمقراطية، ويبنى دولة مؤسسات وليست دولة أفراد، ويحدد صلاحيات السلطات الثلاث الأساسية، وهى السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلا أنه نظراً لأهمية قضايا البيئة والموارد الطبيعية، يمكن القول إن البيئة من الضروري أن تكون هي السلطة الموازية كما هي الحال في العالم المتقدم، ولا بد من ذكر قضايا الحقوق البيئية والتنمية المستدامة، وعدالة توزيع الموارد الطبيعية والسلطة البيئية في الدستور، نظراً لأهمية البيئة، والناظر لذلك يستطيع بسهولة أن يستنتج أن قضايا البيئة والموارد الطبيعية، كانت هي المسبب الحقيقي والأساسي في ثورات ما يسمى بالربيع العربي، في حين أن كل المحللين ركزوا على الظروف السياسية أو الاقتصادية فقط، والتي أدت لاندلاع هذه الثورات، لكن البعد البيئي كان غائباً للأسف، مع أن الموارد الطبيعية هي الثروة الحقيقية للأمم.
أساس التنمية
ويضيف عبدالرؤوف: البناء المؤسسي البيئي في الدولة الحديثة، بما يشمله من سلطات تنفيذية وبحثية ومؤسسات مجتمع مدني، أصبح يلعب دوراً مهماً للغاية في أي دولة متطورة، تهتم بتحسين نوعية الحياة لمواطنيها، ولأجل الحفاظ على ثروات الأمة كي يستفيد منها الجيل الحالي، بما لا يخل بمصالح الأجيال القادمة، طبقاً لفكرة العقد الضمني بين الأجيال. فالبيئة والموارد الطبيعية هي أساس التنمية في أي دولة، وحالياً تطور مفهوم التنمية المتواصلة، بحيث أصبح الكثير من البيئيين وراسمي السياسات، ينظرون للبيئة على أنها ليست مجرد عمود ثالث للتنمية المتواصلة بجانب عمود الاقتصاد والاجتماع، بل أصبحت عموداً أفقياً إن جاز التعبير، وبمعنى آخر الأساس الذي تقوم عليه أشكال التنمية كافة في الدولة اقتصادياً واجتماعياً وبشرياً وسياسياً، وكل الجوانب الأخرى، وعندما اختتم مؤتمر ريو+20 تعهدت الوثيقة الختامية بتعزيز الاقتصاد الأخضر، وهو الذي يحافظ على الموارد الطبيعية ويقضي على الفقر، وخلال القمة اتفقت الدول الغنية والفقيرة على سلسلة وعود لمعالجة مشكلات الكرة الأرضية، وعلى رأسها المشاكل الرئيسية، وهي الجوع والفقر والتصحر وبيئة المحيطات، وتدمير الغابات وخطر انقراض آلاف الكائنات، ولهذا نعود لنقول إن الاعتياد على نمط التوفير في رمضان هو جزء من المساهمة في إنعاش البيئة والأرض بشكل خاص.
الحوكمة البيئية
ويقول الدكتور محمد عبدالرؤوف: ندرك أهمية البيئة والتنمية المتواصلة والاقتصاد الأخضر في أي دولة حديثة، وذلك يدفعنا للقول إن البيئة أصبحت سلطة موازية لسلطات الدولة التقليدية، فالبيئة لها سلطات تنفيذية وكذلك دور رقابي على مختلف الأنشطة التنموية في الدول المتقدمة، ولها ضبطية قضائية أيضاً وكثير من التشريعات المختلفة، وتشريعات البيئة مرتبطة بمناحي الحياة كافة، ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بالبيئة والموارد الطبيعية، والتركيز على أهمية التشريع وحمايتها في الدستور، وكذلك الإشارة لحقوق الأجيال المختلفة، والتمكين للقطاع البيئي عن طريق الحوكمة البيئية الرشيدة، وهذه الأخيرة تعني أكثر بكثير من مجرد رسم سياسات بيئية ناجحة، فالحوكمة البيئية تعني التصميم والتنفيذ المشترك للسياسات والأنشطة البيئية، من أجل تحقيق أهداف بيئية محددة مع تخصيص واضح وسليم للسلطات، والدولة الحديثة لا تقوم على حكم الفرد أو مجموعة قليلة، وإنما تقوم على حكم الجماعة بمشاركة أفراد الشعب، وهذه هي الدولة التي لها سلطات محددة ومسؤولية تقع على عاتق الجميع.

اقرأ أيضا