صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

اليوان الصيني يزاحم الكبار على صدارة العملات العالمية

بسام عبدالسميع (أبوظبي)

في ظل تسارع خطوات الصين لفرض نفوذها بقوة على خريطة الاستثمارات والتعاملات المالية والتجارية العالمية، من المتوقع ارتفاع حصة «اليوان» (الرنمينبي) من سلة العملات العالمية إلى أكثر من 20% خلال 3 أعوام، نتيجة استمرار معدلات نمو اقتصاد الصين بين 6 إلى 6?5%، خلال تلك الفترة مع تراجع في النمو الاقتصادي لاقتصادات العملات المنافسة خاصة اليورو والاسترليني والين.

حسب ما أعلنته، منظمة «سويفت» العالمية، مؤخراً، حول تتبع حركة المدفوعات بالعملة الصينية «رينمينبي» أنه خلال السنتين الماضيتين (من أكتوبر 2014 وحتى سبتمبر 2016)، أصبحت سبع دول تستخدم الآن هذه العملة لإنجاز أكثر من 10% من مدفوعاتها المباشرة من حيث القيمة مع الصين وهونج كونج، ما يرفع مجمل عدد البلدان التي تستخدم هذه العُملة إلى 101 حول العالم.
واحتفظت عُملة «رينمينبي» بموقعها كخامس أنشط عُملة للمدفوعات العالمية من حيث القيمة، بزيادة قدرها 2?03% في حصتها مقارنة بـ 1?86% الشهر الماضي.
وفي سبتمبر 2016، زادت قيمة المدفوعات العالمية بعُملة «رينمينبي» بـ 10?02% مقارنة بشهر أغسطس 2016، وهذا أعلى من متوسط النمو البالغ 0?93% لجميع العملات.
ومن بين الـ 101 بلداً التي تستخدم عملة «رينمينبي» لإنجاز المدفوعات، وصل حجم هذه المدفوعات إلى 12.9% من حيث القيمة، ما يعني أن استخدام العُملة قد زاد 2% منذ أكتوبر 2014 (11.2%).
وتوقع خبراء اقتصاديون، أن تلعب المؤسسات المالية الدولية الجديدة، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وبنك مجموعة دول بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) الجديد للتنمية وصندوق طريق الحرير، دوراً كبيراً في تنامي حصة «اليوان» عالمياً.
ووصف هؤلاء، دخول اليوان إلى سلة العملات بالخطوة الإيجابية للاقتصاد العالمي، خاصة وأن الصين تأتي في المرتبة الثانية عالمياً في حجم الاقتصاد بعد أميركا وبقيمة تقارب 11 تريليون دولار، منوهين بأن قرار صندوق النقد الدولي، بضم اليوان الصيني إلى سلة احتياطي العملات المعتمدة عالميا جاء نتيجة لتنامى معدلات نمو التجارة الصينية عالمياً.
وقال هؤلاء لـ«الاتحاد»، بمجرد دخول اليوان إلى سلة العملات مطلع أكتوبر 2016، استحوذ «اليوان» على حصة بلغت 10?92%، فيما ظل الدولار في المركز الأول بحصة 41.73%، واليورو في المرتبة الثانية بنسبة 30?93% والين الياباني بنسبة 8?33% والاسترليني 8?09%، وفقاً لتصنيفات صندوق النقد الدولي، لافتين إلى إعادة النظر في هذه الأوزان بنهاية سبتمبر 2021، ويتم تحديد الوزن النسبي بناءً على حجم اقتصاد العملة وحصتها من التجارة الدولية.
وتسعى الصين لزيادة حجم تجارتها الخارجية ليقارب 4?8 تريليون دولار بنهاية العام الحالي، وشهد العام الماضي، تجاوز اليوان الصيني، الين الياباني ليصبح رابع أكبر عملة دفع في العالم.
وأظهرت «سويفت» أن حصة اليوان في سوق الدفع العالمية بلغت 2?79%، وحصة الدولار الأميركي 44?82%، واليورو 27?2%، والجنيه الاسترليني 8?45%، وعلاوة على ذلك، أصبح اليوان ثاني أكثر عملة استخداماً في التمويل التجاري، وتبلغ القيمة الإجمالية لحقوق السحب الخاصة للرنيمبي حالياً 280 مليار دولار.
وأكد الخبراء أن دخول اليوان إلى سلة الاحتياطيات النقدية ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول المتعاملة مع الصين خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، مطالبين السلطات النقدية والمالية في دول «التعاون» بتخصيص نسبة لا تقل عن 10% من الاحتياطيات الأجنبية النقدية في المصارف المركزية بعملة «اليوان» ما يسهم في مزيد من الاستقرار ويقلل من التداعيات الناجمة عن التغيرات في الدولار واليورو.

نمو متسارع
وتوقع وضاح الطه، عضو المجلس الاستشاري لمعهد الأوراق المالية والاستثمار البريطاني في الإمارات، نمو حصة اليوان من سلة العملات الأجنبية بنسبة متسارعة نتيجة قوة الاقتصاد الصيني ومعدلات النمو التي تتراوح بين 6 إلى 7% خلال السنوات القليلة المقبلة، تزامناً مع التراجع في الاقتصاد الأوروبي، والبريطاني بصفة عامة.
وأضاف الطه: مع بدء العمل بالسلة الجديدة للعملات الخاصة بأصول الاحتياطيات النقدية الدولية، وذلك بعد إقرار صندوق النقد الدولي اعتماد اليوان عملة احتياط الاثنين 30 نوفمبر 2015، ارتفع عدد العملات المعتمدة إلى 5 عملات هي «الدولار الأميركي واليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني، إضافة إلى اليوان».
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي، اعتمد منذ تسعينيات القرن الماضي أربع عملات فقط، كعملة احتياط نقدي هي «الدولار الأميركي واليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني»، ويراجع صندوق النقد الدولي سلة العملات الخاصة بأصول الاحتياطيات النقدية الدولية والوزن النسبي لكل عملة كل خمسة أعوام.
وأوضح الطه، أن تنويع احتياطات المصارف المركزية والصناديق السيادية بالعملة الصينية يوفر بدائل مقاومة للتغيرات الاقتصادية المتوقعة خاصة للاقتصاد الأوروبي والبريطاني.

تأثيرات إيجابية
من جانبه، أشار الدكتور إبراهيم الكراسنة الخبير في صندوق النقد العربي إلى أن دخول اليوان ضمن النادي الدولي للعملات «سلة حقوق السحب الخاصة» له تأثيرات إيجابية كبيرة على التبادل التجاري لدول العالم مع الصين، خاصة الإمارات.
وأعلن المصرف المركزي الإماراتي مؤخراً، أن العمل جارٍ على استكمال الخطوات التنفيذية المتعلقة باتفاقية إنشاء مركز مقاصة للعملة الصينية «الرينيمبي» في دولة الإمارات، واتفاقية تبادل العملات بين المصرف المركزي الإماراتي وبنك الشعب الصيني.
وتابع الكراسنة «يؤدى إضافة اليوان إلى العملات الاحتياطية في المصارف المركزية إلى مواجهة تقلبات أسعار الصرف للعملات الأخرى خاصة الدولار واليورو»، منوهاً بأن التقديرات بنمو حصة اليوان في سلة العملات العالمية لأكثر من 20% خلال 3 سنوات.
وأكد أن الدولار سيظل في المرتبة الأولى في حدود 40% واليورو في المرتبة الثانية ولكن بنسبة أقل من الحالية واليوان في المرتبة الثالثة بنسبة مقاربة لليورو، وأن الحصة الزائدة لليوان ستكون بمعدل 2% من الدولار واليورو 5% نتيجة التوقعات بتراجع الاقتصاد الأوروبي وضعف النمو ودعوات الخروج من الاتحاد الأوروبي لبعض الدول بعد التجربة البريطانية، فيما تصل النسبة التي يأخذها اليوان من الين الياباني والجنية الاسترليني نحو 3%.

بدائل آمنة
وبدوره، أوضح رضا مسلم الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد الصيني استطاع فرض عملته على العالم ودفع صندوق النقد الدولي لدمج «اليوان» ضمن سلة العملات العالمية، مشيراً إلى أن «اليوان» يطرح بدائل آمنة للاحتياطيات النقدية الأجنبية في المصارف.
ونوه بأن الصين لديها احتياطيات مالية أجنبية تبلغ 3.3 تريليون دولار وفي حال تراجع قيمة الدولار ستتعرض الخسائر لخسائر مالية كبيرة، لافتاً إلى أن أوزان العملات قبل إدراج «اليوان» في سلة صندوق النقد توزعت بين 41.9% للدولار، و37.4% لليورو، و11.3% للجنيه الاسترليني فيما بلغت حصة الين الياباني 9.4%.
وأشار إلى أن الصين تقوم بتغيير نظام عملتها من ربطه بالدولار، إلى نظام أكثر انفتاحاً ومرونة، ومستند على السوق، ومن المتوقع أن يتم تعويم اليوان الصيني خلال السنتين أو الثلاث سنوات المقبلة.
كما توقع أن تواصل الصين دفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة وتعمل على تحسين نظامها المالي، وتعزيز عمق سوق رأس المال، واستقرار التوقعات العالمية لعملتها، بما يجعل الرنمينبي عملة احتياطية عالمية مهمة.
وبنهاية العام 2020، ينبغي استخدام اليوان في التعاملات عبر الحدود بما يشكل 35% من استخدام كل من اليوان الصيني والعملات الأجنبية في تعاملات الصين عبر الحدود، بعد أن كانت النسبة 8.23% في العام 2014، حسب تقرير أصدره صندوق النقد الدولي مؤخراً.

أسعار النفط
بالمقابل، استبعد الدكتور محمد أبوعلي عميد كلية الإدارة العامة في الجامعة الأميركية بدبي، تسارع نمو حصة «اليوان» في سلة العملات خلال السنوات القليلة المقبلة، عازياً ذلك إلى توقع زيادة أسعار النفط وكذلك رفع سعر الفائدة الأميركية على الدولار، ما يؤدي إلى دعم وتعزيز العملة الأميركية.
ووصف أبوعلي، الوضع الاقتصادي العالمي خلال المرحلة المقبلة بحالة من عدم الوضوح، لافتاً إلى أن كل الاحتمالات واردة خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة في مناطق مختلفة من العالم.
وأفاد أن نمو حصة اليوان من السلة العالمية مرهون بالإصلاحات المالية المطلوبة من الصين، حيث يحتاج النظام المالي لإصلاحات هيكلية عميقة، أبرزها حرية التحويل الحر للعملة الصينية.

تعزيز النظام المالي العالمي
أبوظبي (الاتحاد)

أعلن البنك المركزي الصيني مطلع أكتوبر الماضي أن الصين تنظر إلى دمج عملتها على أنه منعطف، وستعمد إلى تعميق إصلاحاتها وتوسيع انفتاح قطاعها المالي وتعزيز مساهماتها من أجل تعزيز النظام المالي العالمي.
وارتكزت عملية الموافقة على اعتماد «اليوان» في سلة العملات على عاملين رئيسيين هما أن تكون عملات السلة صادرة من أكبر البلدان المصدِّرة في العالم على مدار السنوات الخمس الأخيرة، وأن تكون العملة واسعة الاستخدام في أداء مدفوعات المعاملات الدولية وواسعة التداول في البورصات الرئيسية.
وتطور اليوان في وظيفته من مجرد عملة لتسوية الحسابات إلى الاستثمار وعملة احتياطية إلى حد ما، وذلك أدى إلى تسريع مسيرته نحو العالمية. وقد أبرمت الصين صفقات تبادل عملات تزيد قيمتها عن خمسة تريليونات يوان، مع أكثر من ثلاثين بلداً وتبلغ قيمة الدولار 6.7 يوان، حسب تقارير صادرة في هذا الشأن.

أكبر دولة مصنعة في العالم
أبوظبي (الاتحاد)

تعد الصين أكبر دولة مصنعة في العالم، مع صناعات أكثر تكاملاً، وفقاً لإحصائيات هيئات الأمم المتحدة المعنية بالصناعة «يونيدو». وتسعى الشركات الصينية للوصول إلى العالمية وتوجه أكثر من عشرين ألفاً من الشركات الصينية إلى الأسواق الخارجية. كما زادت القوة الشرائية للمستهلكين الصينيين في الأسواق الخارجية بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وخلال العام الماضي، جاءت 4 بنوك صينية من بين أكبر عشرة بنوك في العالم، من حيث رأس المال. وتمتلك التجارية الصينية أصولاً في الخارج أقل من نظيراتها في البلدان المتقدمة، وعلى الرغم من أن البنك الصناعي التجاري في الصين يأتي في الصدارة، إلا أن أصوله في الخارج تمثل 10% فقط من إجمالي أصوله، إضافة إلى ذلك، فشلت البنوك الصينية في احتلال مراتب متقدمة بين أفضل عشرة بنوك ذات أهمية نظامية عالمية، وفقاً لمجلس الاستقرار المالي في العام 2014.

نمو التبادل التجاري مع دول «التعاون»
أبوظبي (الاتحاد)

قال الدكتور مشعل السمحان الخبير الاقتصادي الكويتي إن التوافق الخليجي الأخير بين دولتي الإمارات والسعودية مع الصين لتفعيل سياسة منصة الصرف المباشر، يحمل خصوصية من نوع جديد وهي أن الصين تعتبر سوقاً نفطياً لدول الخليج ما يعني أن الصادرات النفطية (مئات المليارات من اليوان) تغطى مباشرة من إيداعات اليوان في الخليج، مما سيرفع تداولها.
ومع توقعات نمو التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج بنحو 14% سنوياً تتعاظم الاستفادة المتوقعة لدول الخليج من منصة الصرف المباشر ويصل حجم التوفير لمليارات الدراهم من هذا القرار، حسب السمحان.
وأضاف أن العالم مقبل على تغيرات اقتصادية كبيرة، ويجب علينا العمل من الآن وضع الخطط لاحتواء هذه التغيرات والاستفادة منها. وذكر أن توجه الصين لتدويل «اليوان» بدأ بقرار اقتصادي داخلي العام 2011 بالتوجه لتحرير «اليوان» وتدويله وجعله ضمن سلة العملات الأجنبية، مع وجود احتياطي نقدي يقدر بنحو 3.4 تريليون دولار.

أكبر دائن لأميركا
أبوظبي (الاتحاد)

تستحوذ الصين على 1.26 تريليون دولار من الأوراق المالية الأميركية الحكومية بنسبة تجاوز 20% من مجموع الديون الخارجية لتصبح أكبر حامل لسندات الخزانة، والدائن رقم واحد في العالم للولايات المتحدة وتبلغ قيمة السندات المملوكة للحكومات الأجنبية 6.2 تريليون دولار.
ويعد بيع السندات الأميركية والتخلص منها، أحد الخيارات الفعلية أمام الصين، وذلك بعدما أصبح الدولار هدفاً مباشراً للصين في التعامل مع أميركا وتحقيق إغراق للاقتصاد الأميركي ودعم «اليوان».
وباعت الصين، مؤخراً سندات أميركية بقيمة 100 مليار دولار، مُعتبرة أن هذه الخطوة تأتي في سياق تدعيم عملة الصين الرسمية «اليوان»، وذلك للمُساعدة في تحقيق الاستقرار المالي.
وتأكدت هذه الخطوات مع إعلان البنك المركزي الصيني تخفيض حيازته من النقد الأجنبي بنحو 315 مليار دولار، وخفض قيمة العملة الوطنية.