الاتحاد

الاقتصادي

المنافسة تعيد هيكلة اتصالات


حسن القمحاوي:
كشف فوز شركة 'تيكوم' الإماراتية بصفقة شراء 35% من شركة اتصالات تونس مؤخراً عن دلالة عظيمة الأهمية تتعلق بقطاع الاتصالات في دولة الإمارات تتلخص في بدء المنافسة خارجياً قبل أن تبدأ داخلياً·
وربما يتساءل البعض عن القاسم المشترك الذي يجمع بين 'تيكوم' ومؤسسة 'اتصالات' الإماراتية في قطار المنافسة الخارجية والمحلية على أرضية صفقة 'اتصالات' التونسية ·· ويجيب عن ذلك ببساطة ما أعلن من بيانات رسمية عن تقدم الشركتين بعروض لشراء الحصة المطروحة من الشركة التونسية، وأسفر الأمر في النهاية عن فوز شركة 'تيكوم' بالصفقة مقابل 2,2 مليار دولار في حين لم يتجاوز عرض مؤسسة 'اتصالات' 1,4 مليار دولار·
ويوضح الصورة التنافسية على المستوى الداخلي بين الشركتين هيكل المؤسسين بشركة الإمارات للاتصالات المتكاملة فلِّف المنافس الرئيسي والوحيد من الآن وحتى العام 2015 لمؤسسة 'اتصالات' في الإمارات·· حيث يتبين من الهيكل أن قائمة المؤسسين للشركة تتكون من الحكومة الاتحادية بنسبة 50% شركة مبادلة وشركة الإمارات للاتصالات والتكنولوجيا بنسبة 25% لكل منهما، والشركة الأخيرة هي شركة محدودة المسؤولية تملكها بالكامل شركة 'تيكوم' التي فازت بصفقة اتصالات التونسية وهي تعتبر بدورها جزءا من 'دبي القابضة' أداة حكومة دبي الاستثمارية·
وتعتبر المنافسة في إطارها العام ظاهرة صحية تعزز مناخ الحرية الاقتصادية الذي يعيشه اقتصاد الإمارات، إلا أن الملاحظ من خلال تحليل صور المنافسة التي شهدها السوق في الداخل والخارج أن حالة 'التخمة' في السيولة التي يعيشها الاقتصاد الوطني واقتصاديات المنطقة نتيجة عودة الأموال المهاجرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والاستقرار السياسي الذي تعيشه منطقة الخليج مقارنة بمناطق مختلفة من العالم فضلاً عن وضوح الرؤية الاقتصادية لدى حكام الإمارات وانخفاض تكلفة الأموال والأعمال في الدولة·
هذه الحالة من التخمة في السيولة عززت المنافسة ودفعت الشركات إلى البحث عن فرص خارجية ذات عوائد مجزية لاستثمار فوائض الأموال، وقد تجسدت التخمة في السيولة في شكل أرباح هائلة تجنيها الشركات من السوق المحلي تتعدى مليارات الدراهم، الأمر الذي يتطلب استثمارها بشكل مجد لتعظيم حقوق المساهمين وتنمية كيان المؤسسة ليتناسب مع الكيانات العملاقة الذي يتسم به قطاع الاتصالات على مستوى العالم·· وكان من نتيجة ذلك لجوء الشركات إلى الرفع المتتالي في رؤوس الأموال المرخص بها لتصل إلى 8 مليارات درهم في مؤسسة 'اتصالات' مؤخراً، بينما تأسست شركة الإمارات للاتصالات المتكاملة فلِّف برأس مال 4 مليارات درهم·
فائض في السيولة
التخمة في السيولة تجسدت أيضا في ارتفاع فائض السيولة لدى المصارف الوطنية، الأمر الذي يعد ظهيراً مالياً للشركات تلجأ إليه في حالة الصفقات الكبيرة، كما حدث مع 'اتصالات' في صفقة باكستان وسيحدث مع 'تيكوم' في صفقة تونس خاصة في ظل انخفاض تكلفة الاقتراض في الدولة نتيجة انخفاض أسعار الفائدة مقارنة بالعديد من الدول في المنطقة والعالم، في الوقت الذي يرتفع فيه عائد الاستثمار في الاتصالات إلى عدة أضعاف في بعض الحالات·
ويؤكد هذه الحالة من التخمة في السيولة إحصائيات المسح النقدي لمصرف الإمارات المركزي التي تشير إلى ارتفاع عرض النقود الواسع (ن3) 'النقد المتداول - الودائع الخاصة والحكومية - أشباه النقود' إلى 378 مليار درهم بنهاية سبتمبر 2005 بزيادة 74 مليار درهم عن نهاية ديسمبر ·2004
وإذا كانت المنافسة في قطاع الاتصالات قد بدأت واقعياً في الخارج قبل أن يلمسها المشتركون أو العملاء في الداخل، فإنه يمكن القول إن مجرد الإعلان عن هذه المنافسة في الداخل أحدث ما يمكن تسميته بزلزال داخلي بمؤسسة 'اتصالات' خطط له وأداره بحكمة ورؤية مجلس إدارة المؤسسة بمبادرة ذاتية لتجنيب المساهمين والعملاء الآثار السلبية لفتح السوق للمنافسة المحلية، ورغبة من المجلس في الاستمرار في تبوؤ موقع الريادة بعد ممارسة يرجع مولدها إلى أكثر من 30 عاماً·
آثار الزلزال الداخلي المخطط من قبل الإدارة لم تتجاوز حدود المؤسسة ولم يشعر بحقيقة درجته بعد سوى العاملين بداخلها، ورغم ذلك فقد تعددت مراحله ومحاوره وآثاره وتبعاته ·· وبدأت إرهاصاته عندما استشعر مجلس إدارة المؤسسة رغبة الحكومة في فتح قطاع الاتصالات للمنافسة المحلية، فقرر تشكيل لجنة التوجيه من أبرز القيادات الموجودة بالمؤسسة لوضع الاستراتيجية الجديدة لها في كافة مجالات العمل وتحديد محاور التطوير المطلوبة في أسرع وقت ممكن، مع منحها الإذن في التطوير بعد أن 'أزفت الآزفة ودقت طبول المنافسة' بإعلان هيئة تنظيم الاتصالات عن منح الترخيص للشركة الثانية للاتصالات·
خيارات جديدة
وتوالت توابع الزلزال خلال العام الماضي بدءًا من التفكير في خيارات جديدة للعملاء بطرح فئتين من البطاقات المدفوعة مقدماً، ودراسة خيارات أخرى تتناسب مع الحلول التي ستطرحها الشركة المنافسة يتم طرحها في القريب العاجل، ومروراً بإجراء دراسة لتطوير هيكل المؤسسة وتحقيق مرونة أكبر في اتخاذ القرار، وتوظيف واستقطاب أفضل الموظفين موهبة وتدريباً باستحداث ثلاث برامج جديدة هي 'قادة المستقبل' و'المهنيون الشباب' و'دوائر الجودة'، فضلاً عن إجراء تغييرات في الوظائف القيادية بالمؤسسة وتجديد الدماء والأفكار بها خاصة في القطاعات المرتبطة بالعملاء، وإجراء دراسة لتغيير العلامة التجارية، وتحديث قواعد بيانات العملاء وتوثيق الروابط معهم من خلال استبيان تم توزيعه على الوحدات السكنية الأيام الماضية، وأخيراً تحديث شبكة الاتصالات باستخدام شبكة الجيل الجديد فخاخف لانخفاض تكلفتها التشغيلية وارتفاع جودتها في الأداء·
وفي اليومين الماضيين طفت بعض آثار زلزال المنافسة في مؤسسة 'اتصالات' على السطح عقب اجتماع مجلس الإدارة مساء الأحد الماضي، بعد أن أقر مبدأ الفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي واستحداث منصب جديد تحت مسمى رئيس العمليات بناء على توصيات دراسة إعادة الهيكلة التي أعدها أحد المكاتب الاستشارية العالمية، وبناء على ذلك اعتمد المجلس تعيين سعادة محمد حسن عمران رئيسا لمجلس الإدارة وعضوا منتدبا، وسعادة محمد خلفان القمزي رئيسا تنفيذيا للمؤسسة، وسعادة أحمد عبد الكريم جلفار رئيسا للعمليات، وما من شك أن التغييرات الأخيرة دافعها الأول والأخير التطوير من أجل المنافسة
إجراءات هيكلية
وفي هذا الصدد يقول سعادة محمد حسن عمران، رئيس مجلس الإدارة، العضو المنتدب لـ'اتصالات' إن المنافسة تشكل احد التحديات التي تواجه المؤسسة ورغم ذلك رحبت بها منذ البداية والتزمت بالتعاون مع المنافس الجديد وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، وسعياً منها لتهيئة نفسها للنجاح في البيئة التنافسية الجديدة باشرت بفحص وتمحيص أوجه أعمالها، وقامت في عام 2004 باتخاذ إجراءات هيكلية عديدة لتطوير الأداء والتحول لمؤسسة تتحلى بمرونة أكبر لخدمة عملائها بطريقة أكثر فعالية وقطعت خلال 2005 أشواطاً بارزة في هذا المسار·
ويضيف: ينصب الاهتمام في هذه المرحلة على دراسة الهيكل التنظيمي للمؤسسة بهدف اختبار وفحص الطريقة المثلى لأدائها في مجال الاتصالات ونتوقع لهذه الدراسة أن توجهنا صوب فتح المجال لبيئة أكثر مرونة في اتخاذ القرارات بما يمكن كل قطاع في المؤسسة من التركيز على مجالات خبراته وتنقيح أهدافه وتصميم الخدمة على نحو يحقق قدراً أكبر من الرضا لدى العملاء·
ويوضح عمران أن الموظفين يشكلون حجر الزاوية في أي شركة وأن 'اتصالات' تضم فريق عمل متمرسا ومتفانيا، ورغم هذا ستواصل المؤسسة التركيز على توظيف واستقطاب أفضل الموظفين موهبة وتدريب الحاليين، ولذا استحدثت المؤسسة ثلاثة برامج جديدة هي 'قادة المستقبل' و'المهنيون الشباب' و'دوائر الجودة'، مما يشكل إضافة هامة لقائمة برامج تطوير المهارات والتدريب المقدمة من 'أكاديمية اتصالات'·
ويشير عمران إلى أن التطورات تسير في الآونة الحالية بوتيرة متسارعة صوب تنفيذ شبكات الجيل الجديد فخاخف التي تعمل بتقنية بروتوكول الانترنت عبر شبكة واحدة وبسرعات هائلة، مضيفاً: بالرغم من حدوث العديد من التغيرات والتخطيط للمزيد منها إلا أن شيئاً واحداً لا يتغير وهو أن المؤسسة بصرف النظر عن موقع عملياتها تبقى محافظة على تبوؤ المركز الريادي في خدمة عملائها واستخدام أفضل ما توصلت إليه التقنية· وطبقاً للمعلومات المتوفرة فقد خضعت الشبكة الخاصة بالجيل الجديد فخاخف بمؤسسة 'اتصالات' للاختبار والتطوير خلال عام 2005 وفق خطة تستهدف تجهيز ما يقارب نصف الشبكة خلال العام المقبل لتكون مصدر النفاذ للخدمات التي توفرها أقسام الأعمال لعملائها، الأمر الذي يؤشر لنقلة نوعية في كفاءة الأداء وجودة الخدمة وتنوعها·

اقرأ أيضا

"شروق": تقدم الإمارات في جذب الاستثمارات الأجنبية يعكس مكانتها العالمية