الاتحاد

تقارير

ألسنة وأقلام.. في أضغاث السياسة والأحلام!

التحليل السياسي في الأمة العربية، هو نفسه الدجل، وقد ارتدى ثوباً سياسياً - هو نفسه حديث الأبراج وتفسير الأحلام والتنجيم، لذلك يكذب المحللون السياسيون ولو صدفوا - بل ولو صدقوا - وكما أنه ليست هناك أحلام أو رؤى يمكن تفسيرها، فإنه ليست هناك سياسة يمكن تحليلها. وكما يفسر المعبرون أضغاث الأحلام، فإن المحللين يحللون أضغاث سياسة - فلا رؤى صادقة يمكن تعبيرها ولا سياسة ثابتة يمكن تحليلها. والسياسة في أمة العرب انطباعات وأضغاث تماماً مثل الأحلام. وكما أن معبري الأحلام يقولون ما يطلبه الحالمون، فإن محللي السياسة يقولون ما يطلبه الدافعون. ولا توجد في العالم كله مهنة اسمها محلل سياسي أو ناشط سياسي أو ناشط حقوقي، لكن هذه كلها مهن وحرف في العالم العربي.
ففي العالم كله يكون المرء صاحب مهنة كصحفي، أو محامٍ، أو معلم، وربما يمارس التحليل السياسي أو النشاط الحقوقي، لكنه يوصف بمهنته الأساسية ولا يُقال محلل أو ناشط - ومعنى ذلك أن التحليل السياسي أو النشاط الحقوقي في الأمة العربية مهنة لكسب العيش أو حرفة بأجر. فالمرء يعيش من التحليل السياسي أو النشاط الحقوقي - وحتى الآن لا أكاد أفهم الفرق بين المحلل الاستراتيجي، والمحلل السياسي والناشط الحقوقي، والناشط السياسي. وكل ما أعرفه أن المحلل الاستراتيجي أو المحلل السياسي عندما يتقاعد يحمل لقب مفكر أو يعمل بمهنة المفكر - وهناك عكازات كلامية يستخدمها المحللون والناشطون والمفكرون العرب، مثل: أتصور، في تصوري، في الواقع، في الحقيقة، ربما.
ولا تكاد تفهم شيئاً مما يُقال بعد ذلك غير مجرد تفسير أضغاث السياسة - وهناك مهن كثيرة في الأمة العربية لا وجود لها في العالم، مثل مهنة الشاعر، ومهنة المثقف، ومهنة المبدع، ومهنة الأديب أو حتى الكاتب الصحفي والكاتب الصحفي الكبير - والمفكر والمفكر الكبير. ولا أفهم كيف يكون الشعر مهنة وحيدة للمرء يتكسب منها، ولا كيف يكون الإبداع مهنة. فالإبداع صفة لصيقة بكل مبتكر في مهنته - أي أن المبدع صفة لصاحب مهنة، فهو مهندس مبدع، أو صحفي مبدع، أو طبيب مبدع أو محامٍ مبدع. وهناك إسراف شديد في الألقاب العربية أفقد هذه الألقاب قيمتها لأنها صارت تطلق على من هب ودب وبلا حساب مثل أن فلاناً شخصية عامة أو هو مفكر كبير أو داعية كبير أو محلل استراتيجي مرموق أو محلل سياسي شهير. وهؤلاء جميعاً يقال إنهم نخبة أو صفوة أو «كريمة المجتمع».
ومصطلح النخبة لا وجود له في العالم كله إلا في أمتنا العربية. وهو مصطلح يكرس التعالي على الناس، ويكرس تصنيف الناس بلا أي أساس - وهو مصطلح تمييزي عنصري - ويعني أن هناك نخبة وهناك في مقابلها سوقة - وهناك صفوة وفي مقابلها حثالة - والتصنيف والتقسيم هواية في العالم العربي حتى بلغ الأمر تقسيم ما لا يقبل القسمة وتصنيف ما لا يقبل التصنيف. وأزعم أن القبلية العرقية عندما تلاشت في الأمة العربية وغلبتها وقضت عليها الأوطان والمواطنة لجأ العرب إلى قبليات أخرى لتعويض القبلية العرقية المتلاشية. فصارت القبلية دينية ومذهبية وسياسية وفكرية عبرت عن نفسها فيما نسميه التيارات والجماعات والتنظيمات، فالإخوان قبيلة وجماعات الإسلام السياسي، أو بمعنى أصح جماعات الإرهاب بطون وعشائر تابعة لقبيلة «الإخوان» والتيارات الأخرى كالقوميين والناصريين والاشتراكيين الثوريين والاشتراكيين بلا ثوريين والشيوعيين والليبراليين - كلها قبائل وعشائر فكرية إذا صح أن نطلق عليها وصف فكرية - والحروب الدائرة في الأمة العربية تحت لافتات الدين أو الديمقراطية أو غيرها حروب قبلية اتخذت الدين والفكر لافتة بدلاً من العرق. والإعلام في العالم العربي يشبه تماماً شعراء القبائل في الجاهلية، فهو إعلام زاعق ناعق حماسي يفتقد الموضوعية - والمحللون والمفكرون والمبدعون والنشطاء شعراء قبائل - وكذلك الدعاة - حتى صار الإسلام ألف إسلام أو يزيد، وصارت الفتوى على المقاس وعلى الهوى، حتى كأن المفتين صاروا خياطين يفصلون الفتاوي على ذوق ومقاس من يطلبها أو من ينتمون إليه.. فالشيء هنا حرام، لأن تياراً ما يتبنى حرمته ونفس الشيء هناك حلال لأن تياراً يتبنى إباحته... وضاعت القيم الدينية... بل وكل القيم السياسية والمجتمعية بين الإفراط والتفريط، لأن الهوى اله معبود - ولأن معظم المحللين والمفتيين والناشطين اتخذوا إلههم هواهم ويتحركون في الحياة بالمثل المصري الشهير «اللي تكسب به العب به».
والمحللون السياسيون والنشطاء في أمة العرب، مثل الشعراء والمثقفين يكتبون ويقولون لمن لا يجب أن يفهم. فإذا فهمهم الناس غضبوا جداً. فهم يرون أن فهم الناس لهم يحرمهم من وصف النخبة. ويسعدون جداً ويبتسمون ابتسامة نشوة ورضا إذا قلت لهم: لا أفهم معنى ما تقولون..فأنت لا تفهم لأنك أقل منهم - فإذا فهمت صرت مثلهم، وهذا لا يعجبهم أبداً، وهذا هو السبب في أن المحللين والشعراء والمثقفين والنخبة انفصلوا تماماً عن مجتمعاتهم وانفصلت عنهم مجتمعاتهم. وصاروا يغردون خارج سرب الأوطان، وتركوا مساحة فراغ واسعة ملأها الإرهاب والتطرف، وبالتحديد جماعة الإخوان الإرهابية التي خطفت الشارع العربي في غفلة أو غباء أو حماقة من نسميهم النخبة. واستخدمت أسلحة التغييب والدجل وتفسير الأحلام والأحجبة والتعاويذ وإخراج الجن وعلاج الحسد والعين في السيطرة على عقول عامة الناس، كما استخدمت العمل الخيري ستاراً للشر مثل الجمعيات والمستشفيات الخيرية. وجمع التبرعات لفقراء المسلمين، وهي التبرعات التي ذهبت للإرهاب والتخريب. كل ذلك في غياب المثقفين ووزارات الثقافة وهؤلاء الذين نسميهم النخبة الذين انشغلوا بتهويماتهم وألفاظهم «الخنفشارية» - التي تُستعصى على الفهم، في مقابل نزول التيارات الإرهابية إلى مستوى البسطاء واللعب بالدين واتخاذه عصاً من أجل مآرب شريرة أخرى. ومال البسطاء إلى التيارات الإرهابية - أولاً لأنها استخدمت في غيها السلاح الأمضى والأقوى وهو الدين - وثانياً لأنها دغدغت أحلام البسطاء والأغبياء بأوهام وخزعبلات وأباطيل - كما استخدمت سلاحاً آخر تابعاً للدين أيضاً وهو سلاح قتل ثقة الناس بمن نسميهم النخبة، حيث كفّرت الشعراء والمثقفين والليبراليين والنشطاء - بل والمجتمع كله، ليصبح من ليس معها فهو ضدها.. وهكذا ضاعت الحقيقة على الألسنة والأقلام في أضغاث السياسة والأحلام!

*كاتب صحفي

اقرأ أيضا