الاتحاد

دنيا

رحيل بين ضفتين

فداء طه:
هل جربت أن تعيش في بلدك بصفة سائح، ولو لمرة واحدة في الشهر أو في السنة؟ لا شك أن التجول في بلدك والتعرف عليها له متعة ونكهة خاصة لا يمكن أن تشعر بها وأنت في بلد آخر··· لكن الكثيرين منا يعيشون في بلاد لا يعلمون شيئا عن معالمها ولا حتى ما يحدث فيها، حياتهم مليئة بالعمل طوال السنة، لا يوجد فيها متنفس للراحة والاستجمام، وعندما يحين موعد الإجازة يسافرون إلى مناطق بعيدة في العالم يستكشفونها، بينما لا يعرفون شيئا عن محيطهم·
في مدينة دبي الجميلة، إذا حظيت بفرصة السكن فيها أو بالقرب منها، هنالك الكثير من المعالم السياحية الجذابة والفريدة التي يمكنك أن ترتادها، ومهما كان عملك أو صفتك أو دخلك الشهري تستطيع أن تستمتع بجمالها والسياحة فيها· فدبي تتميز بأنها تطوي بين جناحيها كل ما هو جديد وغريب لكنها في نفس الوقت تحافظ على قديمها العبق، وهكذا تجمع المدينة بين نمطين متناقضين لكنهما يشبعان كل الأذواق·
محطة العبرات
شريط مائي طويل ذلك الذي يفصل بين منطقتي ديرة وبر دبي، ويصب في بحر الخليج العربي· من خلال هذا 'الخور' كانت السفن، وما زالت، تأتي محملة بالبضائع لتفرغها وتنقل بضاعة أخرى إلى دول مجاورة، في حركة مستمرة تضفي على المنطقة رائحة الحياة· بين ضفتي 'الخور' يتنقل الناس عادة بواسطة السيارات، أما من يود قضاء يوم ممتع ويريد أن يعيش تجربة مميزة في يوم عطلته فيأتي إلى هذه المنطقة ليقطع خورها 'بالعبرات'· كنت قد سمعت الكثير من بعض الأصدقاء عن 'العبرة' وبقيت متشوقة لزيارتها كي أرى ما هي وما الذي يعجبهم فيها، وفي يوم عطلتي اصطحبت أولادي وتوجهت إلى هناك، المكان بسيط جدا ومتواضع لكنني أجزم بأن من يذهب لزيارته سوف يعود إليه حتما· بين الزقاق والشوارع الضيقة تقع المنطقة، وما أن تدخل إلى 'العبرة' حتى تبدأ نفسك بالانتعاش تلقائيا، البحر من أمامك بلونه الأزرق المشع، وأسطول من القوارب الصغيرة، يسمونها 'العبرات'، تقف قريبا منك ومقابلك أيضا على الضفة الأخرى، فيما الناس من كافة الأجناس والأطياف يصطفون في طوابير منتظرين دورهم لامتطاء 'العبرة'·
نصف درهم
ألوان وأشكال وأحجام مختلفة من العبرات تقف على ضفتي الخور، لكن أكثرها شعبية وبساطة هي العبرات الخشبية الصغيرة التي تنقل الناس ذهابا أو إيابا بين الضفتين، الرحلة تستغرق بين 10- 15 دقيقة، وتتسع العبرة لعشرين شخصا في الرحلة، أما الأجرة فتبلغ نصف درهم، وهو مبلغ زهيد بالنسبة للركاب وكذلك للعاملين الذين يرون أنها لا تتناسب مع تكاليف الحياة الحالية·
أبو الحسن، يعمل سائقا لإحدى العبرات منذ 22 عاما، كان يجلس في عبرته بانتظار أن تمتلئ بالناس فيتحرك باتجاه الضفة الأخرى، وهو يعمل من الساعة الثامنة صباحا وحتى الحادية عشرة ليلا يومياً· يقول أبو الحسن، إن هذه العبرات القديمة، المصنوعة من الخشب، تلقى رواجا بين الناس من مقيمين وسياح، وفي حين كانت تستخدم قديما لنقل الناس من ضفة إلى أخرى، فإنها الآن تستخدم كغرض سياحي بهدف المتعة والترفيه· أما أكثر الأيام ازدحاما بالناس فهو يوم الجمعة خاصة بين الظهر والعصر·
عبق الماضي
ما أن تضع قدميك في العبرة، وتبدأ في التمايل على سطح الماء حتى تشعر بأن الزمن عاد بك إلى الوراء، حيث كانت مثل هذه 'العبرة' الوسيلة الوحيدة في التنقل، وينبت في أعماقك شعور طاغ بالاحترام لأولئك الناس الذين عبروا بحار الخليج قديما باستخدام تلك الوسائل فهم ساهموا في بناء هذه الدولة الحديثة التي يتباهى بها العالم أجمع الآن·
في عرض الخور عبرات كثيرة، بعضها يحمل مجموعات سياحية من مختلف الجنسيات، كانوا يلوحون لنا والسعادة بادية على وجوههم، وبعضها الآخر قوارب حديثة وفاخرة، تبين لي في ما بعد أنها قوارب للتأجير بالساعة، يتراوح سعرها بين 125- 150 درهما، وتستطيع أن تصطحب من شئت من الأهل والأصدقاء إلى المركب الذي يتسع لحوالي عشرة أشخاص على الأقل·

اقرأ أيضا