الاتحاد

دنيا

أكلات العُزَّابْ عذابٌ

أكلة العازب، مضغة مرّة لا طعم لها ولا لذة فيها· هي لقمة يضطر لتناولها من أجل البقاء على قيد الحياة من اضطرته الظروف الى الإبتعاد عن دفء الأهل· والعزاب أنواع· فهناك عازب لم يجد ابنة الحلال بعد، وحرم من طبق أمه الحنون فلم يجد أمامه سوى 'مينيو' المطاعم، وهو 'منيو' مشاكله أكبر من تشكيلته· في السطور التالية حكايات تمتزج فيها اللحظات القاسية باللحظات الطريفة والمفارقات المضحكة المبكية·
تحقيق وتصوير: محمد الحلواجي
محمد فتحي حسن موظف مصري يعمل في الامارت منذ أكثر من عام· لم نكد نفتح له موضوع أكلات العزّاب حتى بدا الاهتمام ظاهراً على وجهه بوضوح، يقول محمد: معاناتنا مع الطعام كعزاب رافقتنا منذ أيام السكن الجامعي في مصر، فكان جدول الدراسة لا يسمح لنا بالطبخ في السكن· كنا نتناول رغيفاً من الخبز صباحاً، حتى عودتنا في المساء لنجد أنفسنا بين خيارين، إما الاشتراك بشكل جماعي لشراء وجبة من مطعم، أو تجريب عملية الطبخ بأنفسنا بطرق لا تخلو من الارتجال والتأليف والابتكار· فالأرز مثلا، كان يخرج من بين ايدينا اما مالحا أو لينا جدا أو قاسيا، فنعلن حالة طوارئ لمعالجة الوجبة لتصبح قابلة للهضم·
وعن حاله اليوم يقول محمد: لم يختلف الحال كثيراً عن أيام الجامعة· فمثلاً لم أتناول يوم أمس أي شيء طوال النهار، وعندما شعرت بالجوع قرابة الساعة الثانية صباحا اكتشفت أن جميع المطاعم قد أقفلت· لذلك أتوق لتجريب الحياة الزوجية لأتذوق طعم الاستقرار الذي لم أعرفه في حياتي·
طعم آخر!
نائل الصالح، موظف عربي وعازب سابق يعمل في الامارات منذ عدة سنوات، وقد طلق حياة العزوبية حديثا فتزوج منذ أربعة أشهر، ليصبح لحياته مذاق آخر تماما· عن هذه التجربة يقول: منذ أن كنت عازبا لم أكن استسيغ وجبات المطاعم مهما كانت فاخرة، مفضلاً تحضير اكلات خفيفة· ولكنني خلال العطل الأسبوعية كنت اقوم بعمل الأكلات الطازجة التي يستغرق التحضير لها ساعتين، كالفاصوليا والبامية بالأرز أو شوربة البطاطا مع الفروج والأرز والمحمرة والبرغل بالبندورة، اضافة إلى المقبلات والسلطات، وحتى المخلل الذي يصعب ضبطه تماما، وكان ذلك يستنزف وقتي وجهدي وأوقات الفراغ والنوم والراحة في عطلتي·
وعن مرحلة ما بعد الزواج يؤكد نائل: بعد الزواج استمرت المعاناة في بادىء الأمر، فبنات هذا الزمان لسن خبيرات تماما في الطبخ· وحتى لو كانت زوجتك تجيد الطبخ، فعليك أن تؤقلم ذوقك مع ذوقها، كما أن عمل الزوجة يؤثر سلباً على مستوى اهتمامها بالطبخ· أساعد زوجتي، فأعمل على تقطيع وتقشير بعض مكونات الوجبة في فترة الظهيرة، ومساء أعود لأجد الطعام جاهزا على الطاولة، أما أن أن أعود للطبخ لوحدي في هذه المرحلة فلا وألف لا!
أكلة بلا عنوان
نواف يونس، زميل لنا في مهنة القلم، وقد شاءت الظروف أن يعيش بعيداً عن عائلته بسبب عمله في دولة الامارات· يتحدث نواف عن فقدانه لموقعه الملكي في بيته، يقول: خضت تجربة الزواج المبكر، وهذا ما جعلني لا أحسن شيئا في التدبير المنزلي· وعندما كبر الأولاد والتحقوا بالجامعة، اضطرت زوجتي للسفر معهم، فبدأت أعاني من حياة العزوبية في هذا السن الكبير بعض الشيء· أعظم المصاعب تمثلت في موضوع الطعام، على العكس من الأمور الأخرى كالغسيل والكوي الذي تتكفل به المغاسل على أحسن وجه· من هنا بدأت التفكير بشكل جدي في تعلم بعض الطبخات السهلة التحضير والغنية في مكوناتها الغذائية·
وعن نقطة البداية مع مشوار الطبخ اليومي يقول 'أبو محمد': استعنت في البداية ببعض زميلاتي ليشرحن لي بعض الوصفات السريعة من بينها طبق يتكون من اللحم والبطاطس والطماطم والبصل والثوم والفلفل الأخضر بالاضافة إلى بعض التوابل· وحقيقة لا أعرف ما هو اسم هذه الطبخة! ولكنها أكلة سريعة الإعداد، أضيف إليها أحيانا بعض الخضار الأخرى مثل البازلاء والجزر والفاصوليا الخضراء، وأستخدم أيضا أكياس الخضروات المثلجة مثل البامياء والفول· وعندما أتوق لتناول أكلة معينة، أتصل هاتفيا بأم محمد لآخذ منها المقادير وطريقة التحضير، وعلى رأس تلك الأكلات 'المصقعة' التي اعشقها، كما أتصل بها أحيانا للسؤال عما يمكن اعداده بسرعة من الحلويات، مثل الرز باللبن والمهلبية والجيلي·
إلى هنا تنتهي سطورنا، ولكن لن تنتهي بالتأكيد معاناة العزاب مع الطعام، فالحل لا يكمن في قوائم مأكولات المطاعم، ولا الاشتراكات الشهرية المتنوعة، ولا يكمن أيضا في علب الفول والتونة والبيض المقلي والشعرية أو أكياس 'النودلز' السريعة، ذلك الاختراع الياباني الذي يضع أمام المرء وجبة في غضون دقيقة، ولكن الحل يكمن في الحب الذي تزرعه الزوجة أثناء اعداد الطعام، ويكمن أيضا في تجمع الأسرة الذي يجعل لأبسط لقمة في العالم، نكهة لا تضاهى ولا تقدر بثمن·

اقرأ أيضا