الاتحاد

دنيا

حافة الإنهيار

سعاد جواد suad-jawad@hotmail.com: كيف ابدأ حكايتي؟ والله لا أدري! فهل استطيع القول بان معاناتي مادية؟ أم نفسية؟ أو كلاهما معاً؟ الله أعلم، فالأمور تضيق وتضيق في حياتي ولم أعد أحتمل المزيد·
الحاجة المادية تفرض نفسها على اسرتنا فرضاً مؤلماً لا يمكن الصبر عليه، والحالة النفسية التي يعاني منها زوجي تمزقنا بلا رحمة، فكيف نجد الراحة انا وأولادي الثمانية؟ انه أمر محير حقاً·
أرجو ان يتسع صدر القراء الأعزاء لتفعيلات حكايتي على الرغم من كونها سلسلة من المعاناة الرتيبة المتكررة والتي اصبحت كالحبل الغليظ الذي يلتف على اعناقنا ويكاد يقضي علينا·
حالة زوجي صعبة لا يمكن التعايش معها بسهولة، ولكن ماذا أفعل غير الاستمرار معه؟ فهو والد ابنائي وليس لي مصدر للرزق أو مأوى إلا في بيته·
تزوجته منذ ان كنت في الرابعة عشرة من عمري· كنت وقتها صغيرة ولا أدري عن شيء من أمور الحياة· هو أيضاً كان صغيراً على تحمل المسؤولية، فقد كان في الثامنة عشرة من عمره، وهو الولد الوحيد في أسرته لأن أمه كانت تنجب البنات، وعندما رزقت بالولد صارت تدلله بشكل يفوق الحد، حتى صار أنساناً هشاً لا يستطيع الوقوف أمام العواصف والمتاعب التي يتعرض لها الانسان في حياته·
في بداية زواجنا كنا نسكن مع أهلي، لأن زوجي كان يعمل في العاصمة ولا يأتي إلا في نهاية الأسبوع· كان يصرف راتبه في أمور العبث الشبابي وشراء السيارات، وكنت وقتها غير مكترثة لأفعاله، بل بالعكس فقد كنت سعيدة ولا اعرف معنى الهم والغم والمعاناة·
بعد ان اصبح لدينا أربعة اطفال، تم ترشيحه لدورة تدريبية خارج الدولة، حصل بعدها على مبلغ لا باس به، فقمنا بشراء منزل بسيط لنعيش فيه بشكل مستقل، وقد استعنا بقرض بنكي لاستكمال ثمن المنزل·
ريح التغيير
كانت الأمور شبه مستقرة في حياتنا، فأنجبت المزيد من الاطفال، حتى اصبح لدينا ثمانية، وبالطبع لم نكن نفكر بما تخبئه لنا الأيام·
بقيت دوامة القرض البنكي تدور من حولنا· فكلما مرت السنين كنا نحتاج إلى مبلغ لعمل صيانة للمنزل ولتجديد بعض قطع الأثاث التي تنتهي صلاحيتها، فنقوم بتجديد ذلك القرض مرة اخرى، فبقيت رحى القرض تدوس على جزء غير قليل من الراتب، ثم حدثت الطامة الكبرى التي زلزلت كيان حياتنا الأسرية كلها··· اتدرون ماذا حدث؟ ربما تفكرون بان زوجي قد مات! لا لم يحدث ذلك! لقد حدث ما هو أبشع من ذلك! فلو مات رب الأسرة فإن اسرته ستأخذ راتبه، بالإضافة إلى معونة من الشؤون، ولكن اذا تمت إحالته إلى التقاعد فإنه لن يحصل إلا على راتبه التقاعدي فقط، ويا ليت الأمر توقف على الحالة المادية التي ستترتب على ذلك التقاعد، لقد ترتب عليه وضع جديد لم نكن نحسب له حساباً·
أصيب زوجي بصدمة نفسية عنيفة، وأثر ذلك التقاعد المبكر على عقله، فهو لم يكن قد بلغ السادسة والثلاثين من عمره، ولم يستطع ان يستوعب الأمر بسهولة· لقد فاقت الصدمة قدرته على التحمل، وهو ذلك المدلل الهش الذي لم تدعكه الحياة منذ البداية· كان وضعه مقبولاً طوال تلك السنين، أما بعد ان أحيل إلى التقاعد فإن شياطين الدنيا كلها صارت تتقافز على رأسه، فتحول إلى مخلوق متوحش لا يرحم احد أبداً· لا يرحم نفسه ولا أولاده، ولا يرحمني انا شريكة عمره·
المقاطعة
لم يستطع التكيف مع الوضع الجديد، وبدلا من ان يذهب ويبحث عن عمل آخر، حبس نفسه في المنزل وقاطع جميع الأهل والأصدقاء، وصار يسب ويلعن الكل، لأنه يعتبر ان الجميع تآمروا عليه ليسلبوه حقه، وانهم يخططون لتدميره·
حتى نحن أسرته، فإنه صار يشك في جميع أقوالنا وتصرفاتنا، وهو لا يسكت ساعة واحدة، عن سبنا وشتمنا والتعارك معنا على كل صغيرة وكبيرة· كان يرفض الاعتراف بأنه مريض نفسياً ولا يريد ان يعرض نفسه على طبيب أو الخضوع لأي علاج من أي نوع·
كان ذلك بداية لتشتيت الأسرة· فقد ضاق الأولاد الثلاثة الكبار بالطريقة القاسية التي كان يعاملهم بها والدهم، وهم شباب يحبون ان يخرجوا بصحبة اقرانهم، وهو يريد حبسهم في البيت واخضاعهم لنظام عسكري صعب· كان يهددهم بالطرد من المنزل ان لم يستجيبوا لأوامره، وهو لا يتوانى عن ضربهم وتهزيئهم في كل مناسبة·
وفي احدى المرات اشتدت الأمور بينه وبينهم، فقام بطردهم من المنزل، فخرجوا بلا عودة، وذهبوا للعيش مع والدتي (جدتهم)، ثم تركوا الدراسة واشتغلوا في الجيش، فقامت جدتهم بتزويجهم ليستقل كل منهم بحياته بعيداً عن جحيم والدهم· ولحسن حظهم، فقد سكنوا مع أهالي زوجاتهم بعد ان عرفوا الحالة التي كانوا يعانون منها·
حياة مرة
بقيت انا والخمسة الباقين، بنت واحدة في نهاية المرحلة الإعدادية وأربعة أولاد، أكبرهم يدرس في كلية التقنية وأصغرهم في الروضة·
نعيش مرارة الحياة الصعبة مع انسان مريض لا يدري ما يفعل بنا ولا بنفسه·
ابتعد أهلي وأهله عنا وأراحوا رؤوسهم من شره وبقيت انا والأولاد نعيش المعاناة الصعبة لوحدنا· احياناً احس بالاكتئاب الشديد وأود ان اتخلص من هذه الحياة البشعة ولكني أفكر بأولادي، فأتحمل المزيد من أجلهم·
يقوم بإيصال الأولاد إلى مدارسهم بنفسه ويعيدهم منها، ومع ذلك فهو يقوم بتفتيش حقائبهم ويوجه إليهم الإتهامات المختلفة، وهو يمنعهم من مغادرة المنزل لأي سبب كان، وكلما سمع صوت أحدهم ركض نحوه وأجرى معه تحقيقاً شديداً، فلا يحق لهم اللهو والعبث وكأنهم يعيشون في سجن دائم·
أحياناً أجده يصلي، وأحياناً يشرب الخمر· انه انسان غير متوازن اطلاقاً، يجلس لساعات أمام التلفاز وهو يتابع إحدى القنوات التلفزيونية ولا يسمح للأولاد بمتابعة المباريات أو المسلسلات أو الصور المتحركة· يتابع الأخبار بإهتمام ولا يسمح لأحد بمقاطعته، وهو ينفعل مع الأخبار انفعالاً شديداً، فيسب ويلعن جميع المخلوقات البشرية الموجودة على الأرض·
ابنتي تبكي بصمت وتتساءل باستمرار··· لماذا نعيش مثل هذه الأجواء المشحونة؟ لماذا نحن محرومون من أبسط الحقوق؟ لماذا لا نزور الأهل والأقارب ولا يزورنا احد منهم؟ لماذا نحن فقراء لهذه الدرجة؟
لا أستطيع ان أجيبها على اسئلتها الحائرة واكتفى بمشاركتها البكاء بصمت·
ابني الذي يدرس في التقنية يتوسلني ان اقنع والده ليشتري له كمبيوتر، وانا اعرف الحالة المادية جيداً، فنحن نعيش الكفاف· لا يدخل بيتنا اللحم، إلا كل ستة أشهر أو أكثر، بطوننا منتفخة من أكل البقوليات، فالراتب التقاعدي أربعة آلاف وخمسمئة درهم، يستقطع منها البنك قيمة القرض وقسط السيارة، والباقي يتوزع على فواتير الكهرباء والتلفون والبترول·
وتمر علينا الأعياد والمناسبات دون ان نستطيع شراء أي شيء جديد· لقد كره الأولاد العيد لأنهم لا يستطيعون الخروج بملاسهم القديمة·
إستدنا من هذا وذاك ولكننا لم نستطع ان نرد لهم الديون· الكل يريد ماله، فالأسعار في إرتفاع مستمر والكل محتاج·
محاولات فاشلة
أتوسل زوجي ان يحاول في إيجاد عمل، وأقول له: ألبس ثياباً مرتبة وكن انيقاً عساك تجد عملاً· أترجاه ان يسعى ويقدم طلباً للحصول على سكن حكومي، فننتقل إليه ونبيع هذا البيت ونسدد القرض اللعين ونتخلص من كابوسه، يجيبني بسخرية: وهل تتوقعين بأنني إذا تكشخت ولبست نعالاً غالياً··· سأحصل على شي؟ كلا أبداً··· فأنا لا أملك الواسطة، والدنيا الآن لا ترحم الفقير، حتى القوانين لا تحمي الفقراء، انها تزيد الغني غنا والفقير فقراً، فاسكتي ولا تفتحي معي مثل هذه المواضيع·
ثم يبدأ بالسب والشتم من جديد، فأسكت وأتحسر على حالنا الذي لا أمل في اصلاحه·
في احدى المرات تعرضت لضرب شديد منه، فشعرت بالظلم وانطلقت دون وعي أو تفكير إلى المحكمة وقمت برفع قضية أطلب فيها الطلاق من هذا الإنسان المتوحش· ثم عدت وفكرت قليلاً فوجدت بأنني لا أملك الملجأ الذي يؤويني أنا وأولادي، لأنني بالطبع لن أتركهم لوالدهم أبداً، فعدت إلى بيتي وانا مكسورة الجناح·
أمراض كثيرة هاجمتني وهي تفتك بجسدي فتكاً كل ذلك بسبب الوضع الذي نعيشه· أبكي طوال الليل وأتوسل ربي ان يجعل لي من امري فرجاً ومخرجاً· لم أعد أفكر بالتخلص من زوجي، فقد تعودت على وضعه وكيفت نفسي للتعايش معه، كل ما أحلم به هو تحسين وضعنا المادي قليلاً لنعيش بشكل طبيعي كباقي الناس·
بصراحة لم أجد أمامي سوى هذا الباب الذي يتواصل فيه الناس، فتمتد من خلاله يد العطاء والخير لإنقاذ أمثالي من حافة الإنهيار، وكلي أمل بالفرج القريب بإذن الله·

اقرأ أيضا